قلَّ أن يتحوّل حُلمٌ سببا في إحداث ثورةٍ علميّة كُبرى في عالم المعرفة، لكن قد تحقّق ذلك في حياة الإمام البخاري. وخلاصة القصّة أنّ الإمام رأى يومًا في منامه النبيَّ ﷺ، وكان يقف بين يديه بأدبٍ وخشوع، فرأى أشياء تتّجه نحو جسدِ النبي ﷺ، فأخذ يذبّها عنه بمروحةٍ في يده. وما هي إلا لحظة حتّى انتبه من نومه، وقد غمره الفرح برؤية النبي ﷺ.
ولكلّ رؤيا صالحة تأويل، ولا يُحسن تأويلها إلا بعض أهل العلم؛ إذ إنّ تعبير الرؤى فنٌّ وعلمٌ له جذور روحيّة عميقة. وكان أبو بكر الصديق من أمهر النّاس في تعبير الرؤى، وقد عبّر النبيّ ﷺ كثيرًا من الرؤى، كما قصّ القرآن الكريم خبر تعبير الرؤيا على لسان يوسف.
نهض الإمام البخاري بعد رؤياه مسرعًا إلى أحد كبار معبّري الرؤى في عصره، وقصّ عليه ما رآه، فجاءه التأويل سريعًا: إنك ستدفع ما قد يُدخله بعضُ الناس من الأكاذيب في أحاديث رسول الله ﷺ. قال الإمام البخاري: كانت هذه الرؤيا أولَ دافعٍ لي إلى تأليف الصحيح. وهكذا كانت البداية التي انتهت بولادة كتاب صحيح البخاري فيما بعدُ. يقول الإمام البخاري عنه: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي المَنَامِ، وَكَأَنِّي وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبِيَدِي مِرْوَحَةٌ أَذُبُّ بِهَا عَنْهُ. فَسَأَلْتُ بَعْضَ المُعَبِّرِينَ، فَقَالَ لِي: أَنْتَ تَذُبُّ عَنْهُ الكَذِبَ. فَهَذَا الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى إِخْرَاجِ الجَامِعِ الصَّحِيحِ.
وقد كان للإمام باعثٌ آخر كذلك، إذ يقول: كنتُ جالسًا في مجلس شيخي إسحاق بن راهويه، فاقترح بعض الحاضرين أن يُجمع كتابٌ مختصر يضمّ أصحّ ما رُوي عن النبي ﷺ، فوقع هذا الاقتراح في نفسي موقعًا عظيمًا، ومنذ ذلك اليوم أخذت أفكّر في تأليف هذا الكتاب، حتى خرج صحيح البخاري إلى الوجود.
ولم يكن هذا الكتاب كتابًا عاديًا كسائر المؤلفات، بل كان عملًا ذا طابعٍ روحي عميق، لأنّ موضوعَه أقوالُ النبي ﷺ وأفعاله وسيرته، فلا يجوز أن يقع فيه أدنى خطأ، ولا أن يتبدّل فيه حرف واحد، ولذلك احتاج إلى عنايةٍ روحيةٍ خاصة.
قال الإمام البخاري: صَنَّفْتُ كِتَابِي الصَّحِيحَ لِسِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، خَرَّجْتُهُ مِنْ سِتِّمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ، وَجَعَلْتُهُ حُجَّةً فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. مَا أَدْخَلْتُ فِيهِ حَدِيثاً إِلَّا بَعْدَ أَنْ اسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى وَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ وَتَيَقَّنْتُ صِحَّتَهُ. وكانت هذه طريقةً فريدة في التأليف لم يُعرف لها نظير في التاريخ؛ إذ لم يكن الكتاب مجرّد مصنّف علميّ، بل كان حفظًا أمينًا لسنّة النبي ﷺ للأجيال اللاحقة، ومن هنا جاءت تلك الدقة البالغة.
لمّا ألّف البخاري كتاب "الصحيح" عرضه على اسحق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة، إلا في أربعة أحاديث، أبدوا فيها بعض التوقف، ولكنّ الإمامَ أبا جعفر العقيلي قال فيه: والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة. وقد سمّى الإمام كتابه اسمًا طويلًا يدلّ على مضمونه، وهو: «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه».
ويعدّ كتاب صحيح البخاري أول مصنف مستقل خُصِّص لجمع الأحاديث الصحيحة وحدها، وأجمع العلماء على أنّ أصحّ الكتب بعد كتاب الله هما صحيح البخاري وصحيح مسلم، وأنّ البخاري أرفع منزلة منهما. وقد صرّح بذلك الإمام النسائي وغيره من العلماء. وقد تلقّت الأمة هذين الكتابين بالقبول، وعدّت العمل بما فيهما من توجيهات النبي ﷺ أمرًا لازمًا.
وذكر الإمام البخاري أنّ بداية تأليف الكتاب كانت في المسجد الحرام، حيث وضع خطة الكتاب وترتيبه وأبوابه هناك، ثم واصل كتابته خلال أسفاره الكثيرة. وروي عن جماعة من العلماء - كما نقل ابن عدي - أن الإمام وضع عناوين الأبواب بين قبر النبي ﷺ ومنبره في المسجد النبوي. وهذا يدل على أنه أقام سنوات طويلة في مكة والمدينة بين التأليف والمراجعة والتنقيح.
أما عدد أحاديث صحيح البخاري فقد ذكر النووي أنها تبلغ 7275 حديثًا مع التكرار، ونحو 4000 حديث دون تكرار. وكان الإمام يكرّر الحديث الواحد في مواضع متعددة، لأنه يستنبط منه أحكامًا مختلفة، فيضعه تحت أبواب متنوعة، وهذه من خصائص منهجه العلمي؛ إذ تظهر عبقريته في عناوين الأبواب كما تظهر في اختياراته للأحاديث. وقد اشتهر بين العلماء قولهم: أصحّ الكتب بعد كتاب الله صحيح البخاري. وأجمعوا على أنّه لا يوجد تحت أديم السماء كتابٌ في الحديث أصحّ منه.
وكان العلماء يرون في قراءة صحيح البخاري عملًا ذا أثرٍ روحي عظيم؛ فقد ذكر تاج الدين السبكي أن قراءة البخاري تُستجاب بها الحاجات، وهو أمرٌ مجرّب عند أهل العلم. كما نقل ابن كثير أنّ الناس كانوا يقرؤون البخاري استسقاءً فينزل المطر. ووصف بعض العلماء الكتابَ بأنّه دواء مجرَّب، ونقل السيد جمال الدين عن عمّه السيد أصيل الدين أنه قرأ صحيح البخاري مائةً وعشرين مرّة لقضاء الحاجات المختلفة، فقُضيت له جميعها. وهكذا لم يكن صحيح البخاري مجرّد كتابٍ علميّ، بل أصبح أثرًا روحيًا خالدًا في تاريخ الإسلام.
