كان للإمام محمد بن إسماعيل البخاري جاريةٌ في بيته، وكان يعاملها معاملةً كريمة تختلف عمّا جرى عليه حال الرقيق في ذلك العصر، حتّى كانتْ تعيش في بيته كأنّها في ظلّ حرّيةٍ وأمان. فَعَبَرَتْ يَوْماً وَبَيْنَ يَدَيْ الإمام مِجْمَرَةٌ لتبخير المجلس، فَعَثَرَتْ بِهَا فَكَسَرَتْهَا، فَقَالَ لَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: كَيْفَ مَشَيْتِ؟ قَالَتْ: إِذَا لَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ كَيْفَ أَمْشِي؟! فَبَسَطَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اذْهَبِي فَقَدْ أَعْتَقْتُكِ. فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَقَضَبَتْكَ؟ (أي هل أغضبتْكَ بردّها الجافي؟) قَالَ: لَا، وَلَكِنْ رَضِيتُ عَنْ نَفْسِي بِمَا فَعَلْتُ. هكذا كان الإمام صورةً ناصعةً للتسامح، لا يحمل في قلبه حقدًا على أحد، وإنّما يعامل الناس بالمودّة والصفح.
عفوه عمّن ظلمه
استدان رجلٌ من الإمام البخاري مالًا ليتّجر به، فطال الزمن ولم يردّه، بل صار يتحاشى لقاء البخاري عمدًا. يقول عنه تلميذه محمد بن أبي حاتم: بلغنا أنّ الرجل قد وصل إلى مدينة آمل، وكنّا يومئذٍ في فِرَبْر، فقلنا للإمام: هذه فرصة لنقبض عليه ونستردّ مالَكَ.
ليس لنا أن نُرَوِّعَه . ثم بلغ غريمه مكان الإمام البخاري بفربر ، فخرج إلى خوارزم ، فقلنا : ينبغي أن تقول لأبي سلمة الكشاني عاملِ آمل ليكتب إلى خوارزم في أخذه، واستخراج حقّك منه ، فقال الإمام: إذا كتبتُ إلى السلطان كتابا في حاجتي اليوم، طمع أن أكتب له غدًا كتابا في حاجته، وما أحبّ أن أبيع ديني بدنياي. فرفض أن يستعين بالسلطة. ومع ذلك أخبر بعض أصحابه العاملَ من غير علمه، فلمّا علم الإمامُ بذلك شقّ عليه الأمر وقال: لا تتكلّفوا شيئًا من أجلي، ولا حاجة لي إلى هذا.
ثم كتب إلى بعض تلاميذه في خوارزم يقول: لا يعاملنّ أحدٌ غريمي إلا بالمعروف. ثم عاد الرجل إلى آمل، فلما علم الأمير بقصّته أراد أن يشدّد عليه، فلم يرض الإمام بذلك، وانتهى الأمر إلى صلحٍ على أن يدفع الرجل عشرة دراهم كلّ شهر.
فقال : إن أخَذْتُ منهم كتاباً طمعوا منّي في كتابٍ، ولستُ أبيع ديني بدنياي . فجَهِدْنا ، فلم يأخُذ حتّى كلّمْنا السلطانَ عن غير أمره . فكتب إلى والي خوارزم . فلمّا أبلغ أبا عبد الله البخاري ذلك ، وَجَدَ وجداً شديداً . وقال : لا تكونوا أشفق عليَّ من نفسي . وكتب كتاباً، وأردف تلك الكتب بكُتب، وكتب إلى بعض أصحابه بخوارزم أن لا يتعرّض لغريمه الا بخير. فرجع غريمه إلى آمل، وقصد إلى ناحية مرو . فاجتمع التجّار، وأخبر السلطان بأنَّ أبا عبد الله خرج في طلب غريم له. فأراد السلطان التشديد على غريمه ، وكره ذلك أبو عبد الله ، وصالح غريمَه على أن يُعطيه كُلُّ سنة عشرة دراهم شيئاً يسيراً . وكان المال خمسة وعشرين ألفاً . ولم يصل من ذلك المالِ إلى درهمٍ ، ولا إلى أكثر منه . ومع ذلك بقي الإمام ثابتَ النفس لا يُظهر ضيقًا ولا شكوى.
سعة جوده
كانت للإمام البخاري قطعة أرض يكريها كل ّسنة بسبع مائة درهم لرجلٍ يزرعها، وكان الرجل يفلحها ويحسن استغلالها، فإذا جاء موسم الحصاد كان ذلك المكتري ربّما حمل منها إلى الإمام قثاة أو قثاتين، لأن أبا عبد الله البخاري كان معجبا بالقثاء النضيج، وكان يؤثره على البطيخ أحيانا، فكان يهب للرجل مائة درهم كلّ سنة لحمله القثاء إليه أحيانا. وهذا يدل على سعة جوده وكرمه.
وكان يتفقّد طلاب الحديث، فيدعو بعضَهم إلى بيته، ويتعرّف على حاجاتهم، فيعطي هذا عشرين درهمًا، وذاك ثلاثين، وربّما زاد أو نقص، وكلّ ذلك في خفاءٍ لا يعلم به أحد.
وكانت كيسُ نقوده لا يكاد يخلو من البذل؛ فقد كان يعطي بعض الناس في دفعاتٍ متفرقة حتى تبلغ ثلاثمائة درهم. وقال الرجل للإمام عندما أكثر من عطائه: سأدعو لك خاصّة. فقال الإمام: دع هذا الآن، واذكر غيره، فمثل هذا لا أحبّ أن يُشهر.
زهده في الدنيا
وكان الإمام زاهدًا في طعامه ولباسه، لا يأكل الخبز الناعم، بل ربّما عاش أيامًا على حبّتين أو ثلاثٍ من اللوز، وكان يترك كثيرًا من ألوان الطعام.
خدمته للمجتمع
وكان للإمام مشارَكةٌ ظاهرة في أعمال الخير العامة. فقد أشرف على بناء رباطٍ (بيتٍ للضيافة والاستراحة) بالقرب من بُخارى، وشارك الناسَ في بنائه، وكان هو نفسُه يحمل اللبِن ويعمل مع العمّال. فقيل له: وأنت تتحمّل النفقة كلّها، فهل تحتاج إلى هذا الجهد أيضًا؟ فقال: لعلّ هذا أنفع لي.
وخلال بناء هذا الرباط وقع أمرٌ عجيب؛ فقد ذبحوا بقرةً وأعدّوا طعامًا، ودعوا الناسَ إليه، فاجتمع أكثر من مائة رجل، ولم يكن الإمام يتوقّع هذا العدد. يقول ابن أبي حاتم :اشترينا من فِرَبْر خبزًا بثلاثة دراهم، وكان قليلًا، فقدّمناه للناس ظنًّا أنّ بعضهم فقط سينال نصيبَه، ولكنّ الجميع أكلوا حتّى شبعوا وبقي شيء من الطعام، فكان ذلك أمرًا عجيبًا. وكان الإمام يأكل القليل ويُطعم الكثير.
مع تلميذه ابن أبي حاتم
ويروي ابن أبي حاتم أنّه اشترى لنفسه بيتًا بتسعمائةٍ وعشرين درهمًا، فأعطاه الإمامُ ألف درهم وقال: اجعلها في ثمن بيتِكَ، فلم يجد بُدًّا من قبولها.
ثم قال أبو حاتم له يومًا: لي حاجة عندك، وأرجو ألا تردّني.
قال الإمام: وما حاجتك؟
قال: أتقضيها أيًّا كانت؟
قال: نعم.
فأخرجَ أبوحاتم ألف درهم وردّها إليه قائلًا: خُذها وأنفقْها في حاجتك، فقبلها الإمام وفاءً بوعده.
وبعد يومين أعطاه الإمام صرّة فيها ثلاثمائة درهم وقال: ما دمتَ لم تقبلِ المال في ثمن البيت، فخذ هذا لنفقاتك، فأبى ابن أبي حاتم قبولَها رغم إلحاح الإمام. وبعد أيام أعطاه الإمام عشرين درهمًا وقال: اشتر بها خضارًا أو نحوها، فاشترى بها طعامًا ممّا يحبّه الإمامُ وأحضره إليه.
فقال الإمام مبتسمًا: بيّض اللهُ وجهَك، ليس فيكَ حيلة! فلا ينبغِي لنا أن نعني أنفسَنا. فقال ابن أبي حاتم: : إنك قد جمعت خير الدنيا والآخرة، فأيّ رجل يبرّ خادمَه بمثل ما تبرّني، إن كنتَ لا أعرف هذا؛ فلستُ أعرفُ أكثرَ منه.
