صار الإمام البخاري يواصل مسيرتَه نحو العُلا، حتى قدم نيسابور مرّة أخرى سنة 250هـ. فأعدّ أهلها استقبالًا حافلًا له؛ إذ قرّر الناسُ – صغيرُهم وكبيرُهم – أن يخرجوا للِقائه على مسافة مرحلتين أو ثلاث من المدينة. ومن الذين شجّع الناس على ذلك إمام عظيم في نيسابور من أهل السنة هو محمد بن يحيى الذهلي، وكان من ثقات المحدثين ، إذ قال للناس في مجلسه العلمي: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه وأنا أيضا ذاهب لاستقباله.
فكان ممّا ذكر أنّ الإمام البخاري لمّا قدم نيسابور ازدحم عليه الناس حتى امتلأت الدَّار والسُّطوح، وكان محمد بن يحيى الذهلي في مقدمتهم. ووصل البخاري إلى المدينة، ونزل في دار، ولم يمض وقت طويل حتى بدأت مجالس الحديث. وكانت الدروس تُعقد في الدار التي يقيم فيها، فانتشر صيتها، وأخذ الطلاب يفدون إليها أفواجًا. وكان محمد الذهلي نفسه يقول للناس: اقصدوا ذلك الرجل الفاضل، واسمعوا العلم منه.
فتدفّق الناس حتى تكوَّن حول الإمام البخاري مجلسٌ علميٌّ عظيم ممّا سبّب قلةَ الناس حول الإمام الذهلي فظهر الخللُ في مجالسه، فدبّ الحسد – وهو طبع بشري –إلى قلبه ، وكان ذلك أمرًا مؤسفًا. فصار يقول للناس بعد ذلك: لا تسألوه عن شيء من الكلام ( مسائل الاعتقاد) فإنّه إن أجاب بخلاف ما نحن عليه وقع بيننا وبينه، وشمتَ بنا كلّ ناصبيّ ورافضيّ وجهميّ ومرجئيّ بخرا سان.
فقام إليه رجل وسأله عن اللفظ في القرآن فأعرض عنه البخاري مرّتين ثم سأله مرّة ثالثة، فقال: القرآن كلام الله غير مخلوق وأفعال العباد مخلوقة والامتحان بدعة.
فقال الذهلي: من زعم أنّ لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع ولا يجالس ولا يكلّم ومن ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل فاتهموه فإنّه لا يحضرُ مجلسَه إلا مَن كان على مذهبِه. حينئذ وقعت الوحشة وانقطع الناس عن مجلس البخاري .
فوقع بين الناسِ اختلافٌ، وصار هذا مِفتاحَ شرٍّ، بسبب هذا الذي سأل هذا السُّؤال، ومثل هذا يفعله بعضُ الناس اليوم؛ إذا رأى الناس مُقبلين على شخصٍ أراد إسقاطه - على حدِّ اصطلاحهم -، فيسأله سؤالًا مثيرًا يبتغي الفتنة، ثم بعدُ تقع الفتنُ، وتثار التعصبات، ويحصل العداءُ والتحريشُ، وتزداد الأمورُ شرًّا، ويُفشي الطلاب - لا سيما جهَّالهم - مثلَ هذا الكلامِ ويذيعونه، ويفسرونه، فتزداد الشُّقَّة، مع أن الخلافَ يسير جدًّا.
وكان اعتقاد الإمام البخاري واضحًا؛ فالقرآن كلام الله، وأما أفعال العباد فهي مخلوقة لله. لكنّهم خلطوا بين الأمرين ليجعلوا ذلك دليلًا على أنّه يقول بخلق القرآن.
ومضى شهر، فأصدر الذهلي إعلانًا شديدًا قال فيه:من يحضر مجلس البخاري فلا يحضر مجلسي. لقد كتب إليَّ بعض الناس من بغداد بشأن بعض أقواله، وقد حاولوا ردَّه عنها فلم يرجع، فلا ينبغي لأحد أن يقصده بعد اليوم، ومن قصده فلا يحضر درسي. فلما سمع ذلك أخذ الإمام مسلم بن الحجاج عمامته ورداءه وقام من المجلس، فلمّا خرج قام بعده أحمد بن سلمة، وكان من كبار العلماء.
قال محمد بن شاذيل: ذهبت إلى الإمام البخاري وقلت له: إن الأستاذ محمد الذهلي يُصرف الناس عنك، فما الأمر؟
فأجاب الإمام البخاري ببساطة: يبدو أنّ محمد الذهلي قد أصابه الحسدُ، وذلك في أمر العلم، والعلم عطاء من الله يفيض به على من يشاء.
فاشتد غضب الذهلي وقال: لا يمكن أن أبقى أنا وهو في بلد واحد! وكان في كلامه طابعٌ من التهديد، وقد قصد به الإمامَ البخاري. فلمّا بلغ ذلك الإمامَ اضطربت نفسه.
وجاء أحمد بن سلمة إلى الإمام البخاري وأخبره بما وقع، فقال للإمام: إنّ الذهلي رجلٌ مقبول في خراسان، وخاصة في هذه المدينة، ويبدو أنّه قد خرج عليك، وليس في وسع أحدٍ منا أن يكلّمه. فلمّا سمع الإمام البخاري ذلك أمسك بلحيته وقال: أفوض أمري إلى الله، إنّ الله بصير بالعباد. اللهم إنك تعلم أنّي ما أقمت في نيسابور تكبّرًا ولا طلبًا للرياسة، ولكن هذا الرجل يحسدني على ما آتاني الله. وقد عزمت في نفسي على مغادرة هذه البلاد، فقد كفاني ما نلت من أذى المخالفين. ثم قال: يا أحمد، سأغادر غدًا إن شاء الله، وإلا لحقكم من ذلك عنتٌ ومشقة، ولا أحب أن تتأذوا بسببي.
