من أعظم المهامّ الإنسانية مهمّةُ الكتابة؛ فهي وسيلة وحيدة يستطيع الإنسان من خلالها أن ينقل ما اكتسبه من عِلم إلى الأجيال اللاحقة عبر القرون، بل إلى قيام الساعة. وقد أدرك الإمام البخاري هذه الحقيقة إدراكًا عميقًا، فاجتهد – رغم ما أحاط به من محدوديّة في الوسائل والظروف – في أن يخلّف تراثًا علميًّا عظيمًا من المؤلفات.
والكتابة فنٌّ رفيع، لكنّها ليست بالأمر السهل؛ إذ تحتاج إلى دراسات وأبحاث طويلة، وإلى تمحيص علوم السابقين وتنقيحها، ثمّ تقديم المعرفة الجديدة بصورة لا تترك مجالًا للطعن أو النقد في المستقبل. وقد تحلّى الإمام البخاري بدرجة عالية من الدقّة والتحرّي في هذا المجال، فخرجت من قلمه مؤلفاتٌ كثيرة نفيسة، كلّ واحد منها يتميّز في بابه.
وكان ذلك في عصر لم يكن فيه التأليف العلميّ واسعَ الانتشار كما أصبح بعده، ومع ذلك فقد نشّط الإمام البخاري حركةَ التأليف في علم الحديث. ولا يمكن الجزم بعدد مؤلفاته بدقّة، إذ إنّ كثيرًا من كتب المتقدمين بقيت مخطوطات في أماكن متفرّقة أو ضاعت مع مرور الزمن.
ويرى الشيخ عبد السلام المباركفوري أنّ الإمام البخاري خلّف أكثر من خمسٍ وعشرين مؤلَّفًا مهمًّا، منها المطبوع ومنها المخطوط. وقد تنوّعت موضوعات هذه الكتب بين التاريخ، والعقيدة، وتراجم الرواة، ونقد الرواة، والآداب الاجتماعية، وبناء الشخصية، وتفسير القرآن الكريم، وغيرها من العلوم. و قال الإمام الحاكم:رحم الله الإمام محمد بن إسماعيلالبخارى فإنه الذى ألّف الأصول، و بيّن للناس، و كل من عمل بعده فإنّما أخذه من كتابه، كمسلم و غيره.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني أهمّ مؤلفات الإمام البخاري، ومنها: الجامع الصحيح، الأدب المفرد، رفع اليدين في الصلاة، القراءة خلف الإمام، برّ الوالدين، التاريخ الكبير، التاريخ الأوسط، التاريخ الصغير، خلق أفعال العباد، كتاب الضّعفاء، الجامع الكبير، المسند الكبير، التفسير الكبير، كتاب الأشربة، كتاب الهبة، أسماء الصحابة، كتاب العلل، كتاب الكنى، كتاب الفوائد، وغيرها.
وأغلب مؤلفات الإمام البخاري تدور حول سنّة النبيّ ﷺ، لأن السنة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وهي البيان العملي للقرآن الكريم. فقد قال الله تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزّل إليهم.( النحل: 44)، وقال سبحانه: من يطع الرسول فقد أطاع الله . ( النساء: 80)، وقال : قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله .(آل عمران: 31). وقال النبي ﷺ: تركت فيكم أمرين لن تضلّوا ما تمسّكتم بهما: كتاب الله وسنّة نبيّه. وقال أيضًا: خيرُ الكلامِ كلامُ الله، وخيرُ الهدي هديُ محمد ﷺ.
ومن خلال هذه النصوص يتّضح أنّ اختيار الإمام البخاري لعلم السنة مجالًا رئيسًا لتخصّصه لم يكن أمرًا عارضًا، بل كان اختيارًا واعيًا نابعًا مِن فهمه العميق لاحتياجات الأمّة العلميّة. فقد أدرك احتياجات المسلمين العلمية وسعى إلى تلبيتها، فخلّد التاريخ جهوده وسجّلها بحروف من نور.
