كان الإمام محمد بن إسماعيل البخاري يتعامل أحيانًا بالتجارة، غيرَ أنّه كان في معاملاته مثالًا للدقة والورع. ففي يومٍ وصلت إليه بضاعةٌ يريد بيعَها، فعلِم بذلك بعض التجار فجاؤوا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، فَاسْتَامُوا مِنْهُ بِضَاعَةً (طَلَبُوا شِرَاءَهَا) بِرِبْحِ خَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ لَهُمْ: انْصَرِفُوا اللَّيْلَةَ. فَجَاءَهُ تُّجَّارٌ آخَرُونَ مِنَ الْغَدِ، فَأَعْطَوْهُ رِبْحَ عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي كُنْتُ نَوَيْتُ الْبَارِحَةَ أَنْ أَدْفَعَ إِلَى الَّذِينَ أَتَوْنِي أَوَّلًا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَنْقُضَ نِيَّتِي. فَدَفَعَهَا إِلَى الأَوَّلِينَ بِرِبْحِ خَمْسَةِ آلَافٍ.
وكان شديد الاحتياط في معاملاته المالية. وقد قال مرةً: إنّي لا أقبل أن أبيع أو أشتري بالنيابة عن غيري. فتعجب محمد بن أبي حاتم وسأله: ولم ذلك، وقد أحل الله البيع؟ فقال الإمام: إِنِّي لَا أَحْمِلُ لِأَحَدٍ شَيْئًا، وَلَا أَشْتَرِي لِأَحَدٍ شَيْئًا؛ لِأَنِّي أَخْشَى أَنْ أُصِيبَ لَهُ شَيْئًا فَيَتَغَيَّرَ قَلْبِي عَلَيْهِ، أَوْ يَكُونَ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ. يعني أنه يخشى إن تولّى أموال غيره أن يقع فيها زيادةٌ أو نقصان، أو يختلط شيءٌ من حقّهم بحقّه.
حرصه على عدم إيذاء أحد
وكان حريصًا أشدّ الحرص على ألا يصيبه أحدٌ بأدنى أذى بسببه. فقد قال مرةً: إنّي لا آكل الثوم، ولا ما يشبهه.فلمّا سأله محمد بن أبي حاتم عن السبب قال: أخشى أن يتأذى الناس برائحته.
ويروي محمد بن عباس الفِرَبْري أنّه كان يومًا مع الإمام البخاري في المسجد، فرأى شعرةً صغيرة قد سقطت من لحيته، فأراد أن يرميها في أرض المسجد، فقال له الإمام: لا تلقها في المسجد، ولكن أخرجها إلى خارجه.
أدبه في الكلام على الرواة
وكان الإمام البخاري شديد التحفّظ في ألفاظه، حتى عند الكلام على رواة الحديث الذين تُردّ روايتهم. فكان قلّما يقول عن أحدٍ: «كذّاب» أو «متروك» أو «لا يُحتجّ به»، بل كان يعبّر بعباراتٍ ألطف مثل: «سكتوا عنه» و »فيه نظر« و »تركوه« و »منكر الحديث».وكان يقول: أحبّ أن ألقى اللهَ وليس في صحيفتي أنّي اغتبتُ أحدًا.
رقّة قلبه
ومن رقّة قلبه أنّه لقي مرةً المحدّث أبا معشر فقال له دون مقدمة: يا أبا معشر، اجعلني في حلٍّ. فتعجب أبو معشر وقال: ممَّ ذلك يا أبا عبد الله؟ فقال الإمام: ذكرتَ يوماً حديثاً، فحرّكتُ رأسي ويدي كأنّني أستغربُ الحديثَ أو أنكِره، فتبسّمتُ عند ذلك، فأخشى أن أكون قد أسأتُ الأدبَ معك، فاجعلني في حِلٍّ. فقال الرجل: أنتَ في حِلٍّ يا أبا عبد الله، بل جزاك الله خيراً عن دينه. هكذا كان الإمام البخاري شديد الحساسية لحقوق الناس، يخشى أن يصدر منه ما يؤذي أحدًا ولو أدنى أذى، فكان يتألم لأدنى ما قد يظنه تقصيرًا في حق غيره.
