كان الإمام محمد بن إسماعيل البخاري مثالًا حيًّا لعالمٍ تَجسّد العلمُ في سلوكه وحياته؛ فقد جمع بين رسوخ المعرفة وصفاء الإيمان، وثبت على عبادة الله وتقواه ثباتًا لا يتزعزع.
وكان شديد المواظبة على النوافل والعبادات. فقد كان يختم القرآن كلّ يوم مرّةً كاملة في النهار، ثم يقرأ في الليل -عند وقت السَّحَر - ثلث القرآن، فكأنّه كان يختم في اليوم الواحد ختمةً وثلث ختمة تقريبًا.
وأما في شهر رمضان المبارك، فكان يختم القرآن مرّةً كلّ يوم في النهار، ثم يصلّي بعد التراويح صلاةً طويلة يتلو فيها القرآن، وكان يتمّ ختمةً كاملة كلّ ثلاث ليالٍ في قيامه. وكان إذا أقبل شهر رمضان اجتمع الناس حوله، فيؤمّهم في صلاة التراويح ويطيل القراءة. وقد شهد نصر بن سعيد أنّه كان يقرأ في الركعة الواحدة نحو عشرين آية. وكان الإمام البخاري يقول كثيرًا: عند كل ختمة دعوةٌ مستجابة.
خشوعه في الصلاة
وكان إذا دخل في الصلاة غاب عمّا حوله وانشغل بربّه انشغالًا تامًا. وهذه واقعة يروي تلميذه وورّاقه محمد بن أبي حاتم: خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ إِلَى بَعْضِ بَسَاتِينِ أَصْحَابِهِ، فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ، ثُمَّ قَامَ يَتَطَوَّعُ (أي يصلي النافلة)، فَأَطَالَ الصَّلَاةَ، فَلَمَّا فَرَغَ رَفَعَ ذَيْلَ قَمِيصِهِ فَقَالَ لِي: انْظُرْ هَلْ تَرَى تَحْتَ قَمِيصِي شَيْئًا؟ فَإِذَا زُنْبُورٌ قَدْ لَسَعَهُ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا، وَقَدْ تَوَرَّمَ جَسَدُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ لَمْ تَخْرُجْ مِنَ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ مَا لَسَعَكَ؟ فَقَالَ: كُنْتُ فِي سُورَةٍ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُتِمَّهَا.
ورعه وحسن خلقه
وسأله أحد تلاميذه يومًا: هل اغتبتَ أحدًا قط؟ فقال: سبحان الله! ما اغتبتُ أحدًا قطّ إلا أن يكون ذلك على سبيل الخطأ. وأرجو ألا يكون في صحيفتي يوم القيامة اسمُ أحدٍ ظلمتُه بلساني. ورأى محمد بن يوسف الفِرَبْري - أحد كبار تلاميذه - النبيّ صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال له: إلى أين تذهب؟ قال: إلى محمد بن إسماعيل البخاري. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أقرئه منّي السلام.
ثناء العلماء عليه
لم يكن أحد من العلماء إلّا وأثنى على الإمام البخاري. فقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: لَوْ فَتَحْتُ بَابَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ مِمَّنْ عَاصَرَهُ فَمَنْ بَعْدَهُ لَفَنِيَتِ الطِّرَاسُ (الأوراق) وَنَفِدَتِ الأَنْفَاسُ، فَذَاكَ بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ. وقد بلغ من تعظيم الناس له أنّ مَن رآه أو صحبَه نال عندهم منزلةً رفيعة. ويروي محمد بن يوسف: دخلتُ يومًا البصرة على محمد بن بشار، فسألني: من أين أنت؟
فقلت: من خراسان.
قال: ومن أي بلاد خراسان؟
قلت: من بخارى.
قال: أتعرف محمد بن إسماعيل؟
قلت: نعم، أنا من قرابته. فمنذ ذلك اليوم صار يعظّمني في المجالس ويقدّمني على غيري.
مكانته عند العلماء
وسافر أحد تلاميذ عبد الله بن منير إلى بخارى في حاجة، فلما رجع قال له شيخه: هل رأيت البخاري؟ فلما قال: لا، طرده وقال: لا خير فيك! ذهبتَ إلى بلده ولم ترَ الإمام البخاري! وقال عبد الله بن أحمد الآملي - وهو من شيوخه - لوددتُ أنّي شعرةٌ في صدر محمد بن إسماعيل. جاء الإمام مسلم بن الحجاج إلى الإمام البخاري، فقبّل بين عينيه، ثم قال له: دَعْنِي حَتَّى أُقَبِّلَ رِجْلَيْكَ يَا أُسْتَاذَ الأُسْتَاذِينَ، وَسَيِّدَ المُحَدِّثِينَ، وَطَبِيبَ الحَدِيثِ فِي عِلَلِهِ. وقال أبو عمّار الحسين بن حريث: ما رأيتُ أحدًا خُلق للحديث مثل محمد بن إسماعيل. وقال أبو الطيب حاتم بن منصور: البخاري آيةٌ من آيات الله. وقال قتيبة بن سعيد: لو كان البخاري في الصحابة لكان له شأنٌ عظيم. وقال رجاء بن رجاء: البخاري آيةٌ تمشي على وجه الأرض.
إمام الحفظ والرواية
وكان علم الحديث عند الإمام البخاري كالماء العذب السهل، يحفظه ويستحضره بلا كلفة. يروي أحمد بن حمدون ،أحد أصحاب البخاري :كُنْتُ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ فِي جِنَازَةِ سَعِيدِ بْنِ مَرْوَانَ، فَمَشَى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، فَجَعَلَ الذُّهْلِيُّ يَسْأَلُهُ عَنِ الأَسَانِيدِ وَالتَّارِيخِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ يَمُرُّ فِيهِ (أي يجيب مسرعاً) مِثْلَ السَّهْمِ، كَأَنَّهُ يَقْرَأُ: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ.
