الإمامُ البخاري الذي عاد من نيسابور مثقلًا بالألم بمحنته، قصد بلدَه بخارى. فلمّا اقترب منها أقام خيمةً على مسافة فرسخ من البلد، ونزل فيها. وما إن علِم الناس بقدومه حتّى توافدوا إليه أفواجًا، يستقبلونه من مختلف الطبقات دون تمييز بين دينٍ أو نسب أو طبقة، فامتلأت قلوبهم فرحًا بعودة ابن بلدهم، ذلك العالِم الذي كان مفخرة لهم. وكان الإمام يكرِم الوافدين، فيمنحهم الدراهم والدنانير بسخاء. فبقي هناك أياما.
وأثناء إقامته هناك بعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بخارى إلى محمد بن إسماعيل أن احمِل إليّ كتابَ " الجامع " و " التاريخ " وغيرهما لأسمع منك . فقال لرسوله : أنا لا أذلُّ العلم ، ولا أحملُه إلى أبواب الناس . فإن كانت لك إلى شيء منه حاجةٌ ، فاحضر في مسجدي ، أو في داري . وإن لم يُعجبك هذا فإنّك سلطانٌ ، فامنعني من المجلس ، ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة ، لأنّي لا أكتم العلم ، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم: من سُئل عن علم فكتمه ألجِم بلجام من نار.
وبعد أيام سأل الوالي الإمامَ البخاري أن يحضر منزله ، فيقرأ " الجامع " و " التاريخ " على أولاده ، فامتنع عن الحضور عنده ، فراسله بأن يعقد مجلسا لأولاده ، لا يحضره غيرُهم ، فامتنع ، وقال : لا أخصّ أحدا .
فعند ذلك نشأت في نفس الوالي عداوةٌ مكتومة، وأخذ يترقّب الفرصة للنيل منه، مستعينًا بما يلجأ إليه أهل السياسة عادةً من وسائل. فاستعان الأمير بحريث بن أبي الورقاء وغيره ، حتّى تكلموا في مذهبه . واتفق بعد ذلك أن أرسل محمد بن يحيى الذهلي إلى خالد كتابّاً يؤلّب فيه الأمير على الإمام البخاري، فقرأ الأمير كتاب الذهلي على الناس يحرّضهم على مفارقة البخاري فأبى الناس ذلك، فأمره الأمير بعد ذلك بالخروج من بخارى.
فخرج الإمام وحيدًا قاصدًا بَيكَند، وهي بلدة من نواحي سمرقند. وأثناء رحيله رفع يديه داعيًا بحزن: اللهم إنّهم قصدوني بسوء، فرُدَّ كيدَهم عليهم.
ولم يمض شهرٌ حتى ظهرت آثار دعائه؛ إذ صدر حكمُ الخليفة بعزل الأمير خالد، فسافر إلى الحجّ، فلما بلغ بغداد قَبض عليه الموفَّق بن المتوكل أخو الخليفة المعتَمِد، وسجنه، حيث مات بعد ذلك. وقد بلغ به الذل أن سِيق يومًا على ظهر إتانٍ.
وكان خالد – على ما كان له من إنجازات في بخارى – قد أخطأ في أمر الإمام البخاري، فكان ذلك سببًا في زوال منصبِه، كما نال غيره من المشاركين نصيبهم من البلاء. أما حريث فقد ابتلي في أهله وولده، وأصابه من المصائب ما لا يوصف.
بعد المحنة التي حصلت للإمام البخاري مع أمير بخارى توجّه بعدها إلى خرتنك، وهي قرية من قرى سمرقند على فرسخين منها، وكان له بها أقرباء فنزل عندهم. فأقام مدة من الزمن، غيرَ أن الإمام كان قد شعر بوحدةٍ نفسيّة عميقة، إذ حُرم الحرّية التي يحتاج إليها في خدمة العلم. ومنذ ذلك الحين صار يقوم الليل كثيرًا، متفرّغًا للدعاء والعبادة.
وفي ليلةٍ سُمع وهو يقول في دعائه: اللهم إنّ الأرضَ قد ضاقت عليَّ بما رحبت، فاقبضني إليك. ولم يمض شهر حتى ألمَّ به المرض، وشعر بدنوّ أجله، فأوصى ببعض الوصايا، وكان من أهمّها أن يُكفَّن في ثلاثة أثواب بيض فقط، دون قميصٍ طويل أو عمامة، وكأنّه لم يُرد لنفسه مظهرًا من مظاهر الزينة أو العظمة.
قال أحمد بن حفص: حضرتُ الإمامَ البخاري عند موته، فقال لي: لا أعلم في مالي شيئًا فيه شبهة. وكان يقول ذلك تواضعًا، مصغِّرًا نفسه بين يدي. ثم مضى ذلك البحر الزاخر بالعلم إلى ربّه راضيًا بقضائه.
ودُفن الإمام في خرتنك، وما إن انتهى دفنه حتّى ظهرتْ أمور عجيبة؛ إذ فاح من تراب قبره عطرٌ كالمسك استمرّ أيامًا طويلة، كما شوهد نورٌ يشعّ من جهة القبر نحو السماء، فتوافد الناس لرؤية ذلك.
ويروي محمد بن أبي حاتم أنّ الناس أخذوا يقتطعون من تراب القبر تبرّكًا، حتى خيف انكشافه، فنُصبت الحراسة عليه، ثم أُقيم حوله سياج خشبيّ، ومع ذلك ظلّ الناس يأخذون من التراب المحيط به دون أن يبلغوا القبر نفسه. واستمرت رائحة المسك أيامًا كثيرة، وتناقل الناس خبرَها في البلاد، وعدّها بعضهم كرامةً من الله، وجوابًا على من آذوا الإمامَ في حياته. وقد جاء بعض خصومه إلى قبره نادمين، يبكون ويستغفرون الله ممّا صدر منهم في حقّه.
وكانت وفاته سنة 256هـ ليلة السبت، ليلة عيد الفطر، بعد صلاة العشاء، ودُفن نهار العيد بعد صلاة الظهر. وكان عمره اثنتين وستين سنة.
وقد ظهرت بركته بعد وفاته كذلك؛ إذ يروي أبو الفتح نصر بن الحسن السمرقندي أنّ سمرقند أصابها قحط شديد، فخرج الناس مرارًا للاستسقاء فلم ينزل المطر، فجاء رجلٌ معروف بالصلاح إلى قاضي سمرقند وقال: أرى أن تخرج أنتَ والناسُ إلى قبر الإمام البخاري في خرتنك، وتدعون الله هناك، فيسقيكم الله. فاستجاب القاضي، وخرج بالناس إلى القبر، ودعوا الله عنده. ولم يلبثوا طويلًا حتى تلبدت السماء بالغيوم، ونزل المطر غزيرًا، حتى اضطر الناس إلى البقاء في خرتنك سبعة أيام، ولم يستطيعوا العودة إلى سمرقند إلا بعد أن خفّ المطر، وكانت المسافة بينهما نحو ثلاثة أميال. وكانت تلك الحادثة دليلًا على أنّ العظماء يبقى أثرهم حيًّا حتى بعد وفاتهم.
