ولما بلغ الإمام محمد بن إسماعيل البخاري نحو الثامنة عشرة من عمره، وطئت قدماه ميدانَ التأليف. فكانت أولى مصنّفاته كتابًا جمع فيه أقوال الصحابة والتابعين وآراءهم العلمية، وسمّاه:« قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم». والصحابة هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين لزموه وتلقّوا عنه الدين، وأمّا التابعون فهم الذين لقوا الصحابة وأخذوا عنهم العلم.
وفي هذا المصنَّف المبكر تتجلّى فكرةٌ أصيلة آمن بها الإمامُ البخاري، وهي أنّ الإسلام إنّما انتقل إلى الأجيال انتقالًا حيًّا متّصلًا؛ فقد تلقّاه الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم عمليًا وعلميًا، ثم نقلوه إلى من بعدهم بأمانةٍ وضبط، وكان هذا النقل المتصل هو الأساس الذي قامت عليه السنّة النبوية. ومن هنا نشأ أوّل مصنفاته، شاهدًا على هذه الحقيقة.
وكان فكر ذلك الشاب المتوقّد يدلّ على نبوغٍ مبكّر. وقد ألّف هذا الكتابَ في المدينة المنورة، في زمنٍ شحّت فيه الوسائل، حتّى إنه كان يكتب أحيانًا على ضوء القمر بدل المصباح.
ثم ألّف بعد ذلك بقليل كتابه الثاني : «التاريخ الكبير» ، وهو موسوعة عظيمة في تراجم رواة الحديث، قصد بها بيان أحوال نقلة السنّة النبوية؛ إذ أدرك الإمام البخاري أن نقل الحديث الصحيح إلى الأجيال لا يتمّ إلا بمعرفة الرجال الثقات وتمييز الصادقين من غيرهم، فلا يؤخذ العلم إلا عن أهله المعروفين بالصدق والأمانة.
وقد قال الإمام البخاري مرةً: قَلَّ اسْمٌ فِي التَّارِيخِ إِلَّا وَلَهُ عِنْدِي قِصَّةٌ، إِلَّا أَنِّي كَرِهْتُ أَنْ يَطُولَ الكِتَابُ. وقد وصف الإمام إسحاق بن راهويه كتاب التاريخ للإمام البخاري بأنه أثرٌ عظيم الشأن. وكان الإمام البخاري لا يخرج شيئًا من تصانيفه حتى يعاودَه مراجعةً وتمحيصًا، يقول تلميذه محمد بن يوسف الفربري (راوي الصحيح): خرّجتُ (أي انتسختُ) مع أبي عبد الله البخاري كتاب التاريخ من مسودّته، فما فيه اسم إلا وله عنده قصّة، ولكنّه لم يرد أن يطول الكتاب، وبيّضتُ معه الجامع الصحيح ثلاث مرات.
وكان الاجتهاد الدؤوب أبرز سماته. وقد ذكر محمد بن يوسف البخاري أنه كان يبيت الليل، فإذا عرضت له فائدة في الحديث أو العلم قام من فراشه، حتى إنّه كان يقوم في الليلة الواحدة نحو ثماني عشرة مرّة ليكتب ما فتح الله عليه به. ولم تنقطع صلتُه بالقلم حتى في أسفاره، فكان ينهض مرارًا فيوقِد السراج ويقيّد ما يستحضره من أحاديث أو فوائد.
وقد وجد الإمام البخاري في خدمة العلم لذّةً عظيمة، فأنفق عليها مالَه كلّه، حتى اضطرّ في بعض الأحيان إلى بيع ثيابه. ويروي عمر بن حفص الأشقر: كُنَّا بِالْبَصْرَةِ نَكْتُبُ الْحَدِيثَ، فَفَقَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ أَيَّامًا، فَطَلَبْنَاهُ، فَوَجَدْنَاهُ فِي بَيْتٍ وَهُوَ عُرْيَانٌ، قَدْ نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ شَيْءٌ، فَجَمَعْنَا لَهُ الدَّرَاهِمَ حَتَّى اشْتَرَيْنَا لَهُ ثَوْبًا وَكَسَوْنَاهُ، ثُمَّ خَرَجَ مَعَنَا إِلَى كِتَابَةِ الْحَدِيثِ.
وقد مرّت عليه أوقات شديدة الضيق حتى اضطرّ أحيانًا إلى أكل أوراق النبات ليسدّ بها رمقه. وحدث مرّةً أنه مكث ثلاثة أيّام على تلك الحال، ثم جاءه رجل لا يعرفه، فأعطاه صرّةً من الدنانير وقال له: أنفقها في حاجتك. وكان يقول: كان لي دخلٌ يبلغ خمسمائة درهم في الشهر، فكنت أنفقه كلّه في طلب العلم حتى لم يبق في يدي شيء. ويُذكر أنه أثناء تأليفه كتاب التفسير كان يجهده التعب، فيضطجع على الأرض مرارًا من شدّة الإعياء.
وكان الإمام البخاري على جانبٍ عظيم من الذكاء وقوة الحفظ، حتى صار مضرب المثل في ذلك. وكان يتمتّع بقدرةٍ فائقة على الاستظهار، حتى إنّه حفظ في مجلسٍ واحد سبعين ألفَ حديث. وكان إذا نظر في كتاب مرةً واحدة رسخ معظمه في ذاكرته.
ويقول الإمام البخاري: لَمَّا قَدِمْتُ بَلْخَ، سَأَلُونِي أَنْ أُمْلِيَ عَلَيْهِمْ لِكُلِّ شَيْخٍ خَرَجْتُ عَنْهُ حَدِيثًا، فَأَمْلَيْتُ عَلَيْهِمْ عَنْ أَلْفِ شَيْخٍ أَلْفَ حَدِيثٍ، كُنْتُ أَعْرِفُ مَوَاضِعَهَا فِي كُتُبِي.
وقد أدرك معاصروه عِظم هذه الموهبة مبكّرًا. يقول الإمام البخاري: كُنْتُ عِنْدَ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ من علماء مرو وَأَنَا صَبِيٌّ، فَقَالَ لِي بَعْضُ مَنْ حَضَرَ: كَمْ كَتَبْتَ الْيَوْمَ؟ فَقُلْتُ: حَدِيثَيْنِ. فَضَحِكَ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْغِلْمَانِ، فَقَالَ إِسْحَاقُ: لَا تَضْحَكُوا، فَلَعَلَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِمَا يَوْمًا مّا. يعني: فسيأتي يوم يدهشكم فيه هذا الغلام بعلمه. وقد صدق ظنُّه؛ فقد قال الإمام ابن خزيمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بالحديث من محمد بن إسماعيل البخاري. وقال الإمام مسلم بن الحجاج:هو إمام المحدّثين.
وكان مجلسه العلميّ في خراسان يجتمع فيه نحو عشرين ألف طالب علم في وقتٍ واحد. ولمّا دخل نيسابور خرج لاستقباله أربعة آلاف فارس، واحتشدتْ وراءهم جموعٌ لا تُحصى، منهم من جاء راكبًا، ومنهم من جاء ماشيًا، شوقًا إلى لقائه والاستفادة من علمه.
