ومن قوّة ذاكرة الإمام البخاري وشدّة تصحيحه وضبطه الأحاديث ما رواه بنفسه عن واقعة حدثت في سنّه الحادي عشر عندما كان صبيا. وهو يقول: كُنْتُ أخْتَلِفُ إِلَى الدَّاخِلِيِّ وَغَيْرِهِ، فَقَالَ يَوْمًا فِيمَا كَانَ يَقْرَأُ لِلنَّاسِ: سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا حَفْصٍ، إِنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ لَمْ يَرْوِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ. فَانْتَهَرَنِي، فَقُلْتُ لَهُ: ارْجِعْ إِلَى الأَصْلِ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ. فَدَخَلَ فَنَظَرَ فِيهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ لِي: كَيْفَ هُوَ يَا غُلامُ؟ قُلْتُ: هُوَ زُبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ. فَأَخَذَ الْقَلَمَ مِنِّي، وَأَحْكَمَ كِتَابَهُ (أي صَحّحه)، وَقَالَ: صَدَقْتَ. فساد المجلسَ لحظة من الدهشة أمام قوة حفظ هذا الغلام ودقّته.
وقد شاع بين الناس أنّ البخاري إنّما يحفظ حفظًا خارقًا لأنّه يتناول دواءً يسمّى «البلاذر» يقوّي الذاكرة. فسأله محمد بن حاكم يومًا: هل تعرف دواءً يعين على الحفظ؟ فقال البخاري:لا أعلم دواءً لذلك، غير أنّ الذي وجدته أنفع للحفظ هو شدّة التأمل وصدق الرغبة.
ولم يكن أحد من معاصريه يضاهيه في قوة الحفظ وسعة العلم. كان ذلك في أيّام طلبه العلمَ في البصرة؛ يروي عنه زملاؤه في تلك الأيام:كان محمد بن إسماعيل البخاري يختلف معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام، فلا يكتب، فكنّا نقول له: إنك تختلف معنا ولا تكتب، فما تصنع؟ فلمّا كان بعد ستة عشر يوماً قال لنا: إنكم قد أكثرتم عليّ وألححتم، فأخرِجوا إليّ ما كتبتم. فأخرجْنا إليه ما كان عندنا، فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلّها عن ظهر قلب، حتّى جعلنا نُحصي (نصحّح) كُتبنا من حفظه!
وكان علماء البصرة يتبعونه أحيانًا في الطرقات طلبًا للحديث، فإذا ظفروا به أوقفوه واجتمعوا حوله يستمعون إلى ما عنده من العلم، وكان يومئذٍ لا يزال شابًا. وكان يقول: أستخرج ما أحتاج إليه من العلم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن الخبر الشائع امتحانُ علماء سمرقند له؛ إذ اجتمع أربعمائة عالم وعقدوا مجلسًا استمرّ تسعة أيام، واتّفقوا على أن يخلطوا أسانيدَ الأحاديث بمتونها امتحانًا له، فعرضوا عليه الأحاديث مقلوبة، فكان يردّ كلَّ حديث إلى إسناده الصحيح ومتنه الصحيح، حتى أقرّوا له بالفضل ولم يستطيعوا مجاراته.
ووقع امتحانٌ آخر له في بغداد؛ إذ اجتمع عشرة من العلماء، وأعدّ كلّ واحد منهم عشرة أحاديث، فصار المجموع مائة حديث، وغيّروا أسانيدها ومتونها، ثم جلسوا في مجلسٍ عام. فقام الأول فقرأ أحاديثه، فكان البخاري يقول عن كلّ حديث: لا أعرفه هكذا، حتى فرغ العشرة جميعًا. فلما انتهوا التفت البخاري إلى الأول فقال: أما أحاديثك فليستْ كما ذكرتَ، وإنّما صوابها كذا وكذا. ثم ذكر لكلّ حديث إسنادَه الصحيح ومتنَه الصحيح، حتى فرغ من مائة حديث. فعرف القوم منزلته، وأقرّوا له بالإمامة، وخضعوا لعلمه.
وقد جرى له امتحان آخر في نيسابور، وكان امتحانًا في العقيدة؛ إذ حاول بعض الحاسدين أن يثيروا حوله الشبهات، فعقدوا مجلسًا كبيرًا ودعوْه إليه. فقام أحدهم وسأله: يا أبا عبد الله، ما تقول في القرآن؟ أهو مخلوق أم غير مخلوق؟ وكان مذهب أهل السنة أنّ القرآن كلام الله غير مخلوق. فلم يجبه البخاري أوّل مرّة، فأعاد الرجل السؤال، ثم أعاده ثالثة، فقال البخاري صريحًا: القرآن كلامُ الله، غيرُ مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة. وامتحان الناس في ذلك بدعة. فخجل السائل وانصرف، وتفرّق الناس.
