لا ينبغي لطالب العلم أن يتكبّر أو يتعالى، فالتواضع هو الذي يمكّنه من الارتقاء إلى مراتب الكمال. ومن أراد بلوغ الذّرى في المعرفة، وجبَ أن يبقى شغفُه بالعلم متّقدًا، وأن ينهل من الحكمة حيثما وجدها. وهكذا كان الإمام البخاري مثالًا في التواضع العلمي. كما قال الإمام البخاري: لا يكون المحدّث كاملا حتّى يكتب عمّن هو فوقه وعمّن هو مثله وعمّن هو دونه. وهذا المعنى نفسُه أكّده الإمام وكيع بن الجراح إذ قال: لا يكون الرجل عالما حتى يحدّث عمّن هو فوقه وعمّن هو مثله وعمّن هو دونه. وكان للإمام البخاري رحلات طويلة في طلب الحديث، ولذلك وجد له شيوخ كثيرون في مختلف أقطار العالم الإسلامي.
بدأ الإمام البخاري سماع الحديث سنة 205هـ، وكانت بدايته بحفظ مؤلفات عبد الله بن المبارك عن ظهر قلب، ثم أخذ بعد ذلك يسمع الحديث سنة 210هـ من كبار علماء بخارى، ومنهم: محمد بن سلام البيكندي ومحمد بن يوسف الفريابي وعبد الله بن محمد المسندي وهارون بن الأشعث وغيرهم.
وأخذ العلم في بلخ عن عددٍ من العلماء، منهم: مكي بن إبراهيم البلخي ويحيى بن بشر النسوي ومحمد بن أبان وحسن بن نجاح ويحيى بن موسى وقتيبة بن سعيد. ولما وصل إلى مرو أخذ الحديث عن عددٍ من الأئمة، من أبرزهم: عبد الله بن عثمان العبدي وعلي بن الحسن بن شقيق وصدقة بن الفضل ومحمد بن مقاتل.
أما شيوخه في نيسابور فمنهم: يحيى بن يحيى النيسابوري وبشر بن الحكم وإسحاق بن راهويه ومحمد بن رافع ومحمد بن يحيى الذهلي. كما أخذ العلم في الري عن إبراهيم بن موسى وغيره.
وقد امتدت سلسلة شيوخه إلى مدن كثيرة مثل بغداد وواسط والبصرة والكوفة ومكة والمدينة ومصر والشام. وقد قال الإمام البخاري مرة: كتبت الحديث عن أكثر من ألفٍ وثمانين رجلًا.
ويمكن تقسيم هؤلاء الشيوخ إلى خمس طبقات:
الطبقة الأولى: من حدّثه عن التابعين مثل محمد بن عبد الله الأنصاري.
الطبقة الثانية: من كان في عصر هؤلاء لكن لم يسمع من ثقات التابعين كآدم بن أبي إياس وأبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر وسعيد بن أبي مريم وأيوب بن سليمان بن بلال وأمثالهم.
الطبقة الثالثة: هي الوسطى من مشائخه وهم من لم يلق التابعين بل كبار تبع الأتباع كسليمان بن حرب وقتيبة بن سعيد ونعيم بن حماد وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد ابن حنبل واسحاق ابن راهوية وأبي بكر وعثمان بن أبي شيبة وأمثال هؤلاء.
الطبقة الرابعة: رفقاؤه في الطلب ومن سمع قبله قليلا كمحمّد بن يحيى الذهلي وأبي حاتم الرازي ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة وعبد بن حميد وأحمد بن النضر وجماعة من نظرائهم وإنما يخرّج عن هؤلاء ما فاته من مشايخه أو ما لم يجد عند غيرهم.
الطبقة الخامسة: قوم في عداد طلبته في السنّ والإسناد سمع منهم للفائدة كعبد الله بن حماد الآملي وعبد الله بن أبي العاص الخوارزمي وحسين بن محمد القباني وغيرهم.
وهكذا لم يترك الإمام البخاري مصدرًا موثوقًا إلا استفاد منه، سواء في تحصيل الحديث أو في توثيقه وتثبيته.
وقد قال الإمام البخاري عن الأحاديث التي تلقاها من شيوخه: كتَبْتُ عن ألفِ شيخٍ وثمانمائةِ شيخٍ، ليس فيهم إلا صاحبُ حديثٍ، وأسانيدُها محفوظةٌ عندي محفوظاً متيناً. أما الذين أخذوا العلم عنه فلا يمكن حصرهم عددًا، فقد أفاد منه عدد لا يحصى من العلماء، وكان كثير من كبار المحدثين مدينين له في علم الحديث.
وقد بلغ عدد من روى صحيح البخاري عنه مباشرة أكثر من سبعين ألفًا من العلماء، وكان يجتمع في مجلسه في الغالب نحو عشرين ألف شخص لطلب الحديث وكتابته.
ومن أشهر تلاميذه:
الإمام مسلمُ بن الحجاج (204 - 261)
أبو زُرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي (-264)
الإمام أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي (195 - 277)
الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي (209 - 279)
الإمام أبو بكر عبد الله بن محمد ابن أبي الدنيا (208 - 281)
الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي (198 - 285)
الإمام أبو بكر ابن أبي عاصم (206 - 287)
الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرٍو البزار (-292)
الحافظ أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة (205 - 293)
الإمام محمد بن نصر المروزي (202 - 294)
الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (223 - 311)
الحافظ أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي (214 - 317)
الإمام يحيى بن محمد بن صاعد (228 - 318)
الإمام محمد بن يوسف الفَربري (-320) راوي الصحيح عنه.
وهذه السلسلة من التلاميذ طويلة لا يكاد يُرى لها نهاية.
ومن خصائص الإمام البخاري أنه أحسن استثمار وقته، وكان يحث على اغتنام الفراغ، ويقول في معنى شعري:
اغتنم في الفراغ فضل ركوعٍ فعسى أن يكون موتُك بَغْتَهْ
كَمْ صحيحٍ رأيتَ من غير سُقْمٍ ذهبت نفسُه الصحيحةُ فَلْتَهْ
وكان يحذر من الغفلة، فيقول:لا تكن كالبهائم، فإنها لا تدرك مصيرها، حتى تُساق إلى المذبح.كما كان يحث على حسن الخلق مع الناس، فيقول: عامل الناس بخلق حسن، ولا تكن كالكلب ينبح عليهم ويهجم.
