كانت نفسُ تلك الأمِّ موجوعةً لا يهدأ نزفُها، تستبدّ بها الحسرة كلّما تذكّرتْ أمرَ ولدها الحبيب محمّد. كان نور عينيه قد خبا؛ فقد وُلِد مبصرًا، ثم ما لبث أن فقد بصرُه حتّى لم يبقَ له منه شيء. وكانت مرارةُ فقد الأب في صباه لا تزال تُلقي بظلالها على حياته، فجاءت هذه المصيبة تزيد البلاء بلاءً. بذلت الأمّ كلَّ ما تستطيع من أسباب العلاج، فراجعتِ الأطباءَ المهرة، وبذلوا وسعهم، غير أنّ النتيجة لم تكن إلا خيبةً ويأسًا.
ولم يبقَ بعد ذلك إلا بابُ الدعاء. فأقبلت تلك الأمُّ الصالحة على الله بقلبٍ منكسر، ترفع يديها، ودموعها تسيل، تُلحُّ في الدعاء آناء الليل وأطراف النهار.
وذات ليلةٍ رأت في منامها نبيَّ الله إبراهيم عليه السلام، كأنّما جاءها بالبشرى من عند الله، فقال لها: يا أمَّاه، قد انقضى همُّك، فإنّ الله سيُعيد إلى ولدك بصرَه، وقد استجاب دعاءَك الخالص. فانتبهت الأمُّ مذعورةً، وأسرعت إلى ولدها تحتضنه، تلاحظ عينيه وتسأله بلهفة: يا بنيّ، هل ترى شيئًا؟ فأجابها: نعم يا أمّاه، لقد عاد إليَّ بصري. فقالت والدموع تترقرق في عينيها: الحمد لله رب العالمين، له الحمد والثناء كلّه. ثم تنفست الصعداء بعد طول كرب.
وهذه الحادثة من أخبار طفولة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، الذي اشتهر فيما بعدُ بلقب الإمام البخاري.
وُلِد الإمام البخاري سنة 194هـ، في القرن الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنّه من خير القرون. وكان مولده في الثالث عشر من شهر شوال، يوم الجمعة، بعد صلاة الجمعة، اجتمع لها شرف الوقت والشهر. وكان مولده في مدينة بخارى الواقعة في بلاد ما وراء النهر، ضمن حدود أوزبكستان اليوم. توفي والده إسماعيل وهو صغير، فنشأ يتيمًا في حِجر أمّه، فأحاطته بعنايتها ومحبّتها، وكانت له المعلّمَ الأول والمربّي الأسبق.
ومنذ نعومة أظفاره ظهرت عليه أمارات النبوغ، فغلب عليه حبُّ العلم والبحث. يقول محمد بن أبي حاتم،: قلتُ لأبي عبدالله: كيف كان بَدْء أمرك؟ قال: ألهمتُ حفظَ الحديث وأنا في الكتَّاب، فقلت: كم كان سنّك؟ فقال: عشر سنين، أو أقلّ، ثم خرجتُ من الكتَّاب بعد العشر، فلما طعنت في ست عشرة سنةً، كنتُ قد حفظتُ كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمّي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بها، وتخلَّفت في مكّة في طلب الحديث.
ومنذ ذلك الحين بدأت رحلاته المتواصلة في طلب الحديث. ورحل البخاري إلى الشام ومصر وبغداد والكوفة والبصرة. وأقام بالبصرة خمس سنين، وبالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أحصي كم دخلتُ إلى الكوفة وبغداد مع المحدّثين.
ولما سأله جعفر بن محمد القَطَّان عن شيوخه، قال: كتبتُ عن ألف شيخ وأكثر ، عن كلّ واحد منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلا أذكرُ إسناده .هكذا نشأ الإمام البخاري في ظل الإيمان والعلم والصبر، حتى صار إمام المحدثين، وحافظ السنّة النبوية، وأحد أعلام الإسلام الخالدين.
