تسكن بنو غِفار في وادي الصفراء بين مكة والمدينة، وأبو ذرّ من أحدِ أسيادِ هذه القبيلة. ولمّا علِم خبر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم دعا أخاه أنيسا، فقال له: يا أخي انطلقْ إلى هذا الرجل الذي يدّعي أنّه نبيّ وكلّمه، وائتني بخبره، فانطلقَ فلقيه، ثمّ رجع. يقول أبو ذرّ فقلتُ لأخي : ما عندك؟ فقال: والله لقد رأيت رجلا يأمر بالخير، وينهى الشرّ ويدعو إلى مكارم الأخلاق، ويقول كلامًا ما هو بالشعر. فقال له: وماذا يقول الناس فيه؟ فقال: يقولون: إنّه ساحر، وكاهن، وشاعر. وكان أنيس شاعرا، ثم قال: ليس بشاعر ولا كاهن ولا ساحر، والله إنه لصادق وإنّهم لكاذبون، فقال أبو ذرّ: والله ما شفيتَ لي غليلاً، ولا قضيتَ لي حاجة، فهل أنتَ كافٍ عيالي حتى أَنطلقَ فأَنظرَ في أمره ؟ قال: نعم، ولكن كُن مِن أهل مكّة على حذر. وهم على عداوة منه يظلمون من يطلبه.
يقول أبو ذرّ: فأخذتُ جرابا وعصا، ثم أقبلتُ إلى مكة، فجعلتُ لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد. وأخيرا اقتربتُ من أضعف رجل في المسجد فسألتُه سرّا: أين هذا الرجل الذي تدعونه الصابئ؟! فأشار الرجل إليّ، فصرخ : الصابئ ! الصابئ! فمال عليّ أهلُ الوادي بكلّ مَدَرة وعَظم حتى خرَرتُ مغشيّا عليّ. قال : فارتفعتُ حين ارتفعتُ كأنّي نُصُب أحمرُ ، فأتيتُ زمزم فغسلتُ عن الدماء وشربتُ من مائها ، ولقد لبثتُ ثلاثين بين ليلة ويوم، وما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنتُ حتى تكسّرت عُكَنُ بطني (أي تثنّت وانطوت الطيّ الذي في البطن من السمن) وما وجدتُ على كبدي سَخْفةَ (خِفّة ) جوع.
فبينا أهلُ مكة في ليلة مقمرة مضيئة - أي في نوم عميق - دخلتُ بين الكعبةِ وأستارِها ، فما يطوف بالبيت أحدٌ، وامرأتان منهم تدعوان إسافًا ونائِلَة ( صنمان)، فأتتا عليّ في طوافهما، فقلتُ مستهزءا هذين الصنمين: أنكِحوا إحداهما الأخرى . فما تناهتاعن قولهما بل استمرّتا في طوافهما ودعائهما ، فأتتا عليّ مرّة ثانية في طوافهما، فقلتُ معيّبا إلههما بكلام فاحش، فانطلقتا تصيحان: يا ويلتاه! لو كان ههنا أحد من قومنا ليعذّبنّ هذا المستهزء تعذيبا شديدا.
فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهما قادمان إلى الكعبة، سألا للمرأتين: ما لكما؟ قالتا: هنا الصابئ بين الكعبة وأستارها، فسألا: ماذا قال ذلك الرجل؟ قالتا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم!.
وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استلم الحجرَ وطاف بالبيت هو وصاحبُه ، ثم صلّى ، فلمّا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاتَه أتيتُ فقلتُ : السلام عليكَ يا رسول الله ، أشهدُ أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا رّسول الله ، فرأيتُ الاستبشارَ في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال أبو ذرّ : فكنتُ أولَ مَن حيّاه بتحيّة الإسلام، فقال : وعليكَ السلام ورحمة الله . ثم قال : مِمّن الرجل؟ قلتُ : من غِفار، فأَشار بيده فوضع أصابعَه على جبهته، فقلتُ في نفسي : كرِهَ أن انتَميتُ إلى غِفار! . فذهبتُ آخذُ بيدِه فقدَعَني (منعني )صاحبي، وكان أعلم به منّي ، ثم رفع رأسَه فقال : متَى كنتَ ههنا؟ قلتُ : كنتُ من ثلاثين بين ليلة ويوم . قال : فمَن كان يُطعمُك؟ قلتُ : ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنتُ حتّى تكسرتْ عُكَنُ بطني وما أجد على بطني سخفةَ جوع . قال : مباركة ، إنّها طعامُ طُعْم وشِفاءُ سُقْم .
وفي رواية ابن عباس عن أبي ذر قال : أقبلتُ حتّى أتيتُ مكّة فجعلتُ لا أعرفه وأكرَه أن أسأل عنه ، وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد ، واضطجعتُ . قال : فمرّ بي عليّ فقال : كأنّ الرجلَ غريب؟ قلتُ : نعم . قال : فانطلقْ معي إلى المنزل، فانطلقتُ معه لا يسألُني عن شيء ولا أُخبره، فلمّا أصبحتُ احتملتُ قِربتي وزادي إلى المسجد أسألُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس أحدٌ يخبرني عنه بشيء ، فظللتُ ذلك اليوم حتّى أمسيتُ فعدتُ إلى مضجَعي فمرّ بي عليّ فقال : أمَا نالَ للرجل أن يعرف منزلَه بعدُ؟ قلت : لا . قال : انطلقْ معي . فذهبتُ معه لا يسألُني عن شيء ولا أُخبره عن شيء ، فلمّا كان اليوم الثالث فعل ذلك ، فأقامه فذهب معه ثم قال له : ألا تحدّثني ما الذي أَقدمَك هذا البلد؟ فقلتُ له : إنْ كتمتَ عليّ أخبرتُك . وفي رواية : إن أعطيتني عهدا وميثاقا لتَرشدنّي فعلتُ . ففعل فأخبرتُه فقال : أما إنّكَ قد رشدتَ إنّه حقّ وإنّه رسولُ الله ، فإذا أصبحتَ فاتّبعني فإن رأيتَ شيئا أخافُه عليكَ قمتُ كأنّي أُريق ماءً . وفي رواية : قمتُ إلى الحائط كأنّي أُصلحُ نعلي وامض أنتَ، فإن مضيتُ فاتّبعني حتى تدخُل مدخَلي .
فمضى ومضيتُ معه حتّى دخلَ ودخلتُ معه على النبيّ صلى الله عليه وسلم فقلتُ له : اعرِض عليّ الإسلام ، فعرضَ فأسلمتُ مكانِي فقال : يا أبا ذرّ! اكتُمْ هذا الأمرَ، وارجِع إلى قومك فأَخبِرْهم بأمري ، فإذا بلغكَ ظهورُنا فأقبِل، فقلتُ : والذي بعثك بالحقّ ، لأصرخنّ بها بين ظهرانيهم.
فخرجتُ حتّى أتى المسجد وقريش فيه، فناديتُ بأعلى صوتي : أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدا رسول الله . فقالوا : قُوموا إلى هذا الصابئ . فثار القوم فضربتْ لأموتَ وأدركني العبّاس فأكبّ عليّ ونجّاني منهم. فلمّا أصبحتُ الغد رجعتُ، فقلتُ مثل ما قلتُ بالأمس ، فقالوا : قُوموا إلى هذا الصابئ، فصنَع بي ما صنَع بالأمس ، وأدركني العباس فأكبّ عليّ ونجّاني كما فعل بالأمس.
وفي تلك الليلة، استأذن أبو بكر النبيّ صلى الله عليه وسلم في استضافتي، فقال أبو بكر : يا رسول الله إيذن لي في طعامه الليلة . فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وانطلقتُ معهما ، ففتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، وكان ذلك أولَ طعام أكلتُ بها . ثم أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنّي وُجِّهت لي أرضٌ ذاتُ نخل، ولا أراها إلّا يثرب، فهل أنتَ مبلِّغ عنّي قومَك، عسى الله أن ينفعَهم بك ويأجرَك فيهم؟
يقول أبو ذرّ: فرجعت إلى غفار فأتيتُ أنيسا، فقال: ما صنعتَ؟ قلتُ : قد أسلمتُ وصدّقتُ . فقال : ما لي رغبة عن دينك (أي لا أكرهه بل أدخل فيه) فإنّي قد أسلمتُ وصدّقتُ . فأتينا أمَّنا فقالت : ما بي رغبة عن دينكما فإنّي قد أسلمتُ وصدّقتُ ، فاحتملنا (أي احتملنا أنفسَنا ومتاعَنا على إبلنا وسِرنا )حتّى أتينا قومَنا غِفارا فأسلمَ نصفُهم، وقال نصفُهم الباقي : إذا قدِم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ أسلمنا . فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأسلَم نصفُهم الباقي، فلمّا سمع هذا الخبر، جاءتْ قبيلة أسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله إخوانُنا نُسلِم على الذي أَسلَموا عليه . فأسلَموا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : غِفَار غَفَرَ الله لها، وأسلَمُ سالمها الله.
نرى في رواية البخاري عن عبد الله بن الصامت يروي عن أبي ذرّ الغفاري يقول: قد صلّيتُ يا بن أخي قبل أن أَلقى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين، قلتُ: لمن؟ قال: لله، قلتُ: فأين توجّه؟ قال: حيث يوجّهني ربّي عزوجل، أصلى عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيتُ نفسي كأنّي خِفَاء ( كساء) حتّى تعلوني الشمس. وهو خامس من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم من السابقين.
طفيل بن عمرو الدوسي
كان رجلا شريفا شاعرا لبيبا رئيس قبيلة دوس، وكان لقبيلته إمارة في بعض نوحي اليمن، قدم مكة عام 11 من النبوة، فاستقبله أهلها، وبذلوا له أجل تحية وأكرم التقدير، وكان معروفا لدى الجميع بلباقته وشرفه وتأثيره، فاقتربت منه زعماء قريش، فقالوا له: يا طفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وقد فرّق جماعتنا، وشتّت أمرنا، وإنما قوله كالسحر، يفرق بين الرجل وأبيه، وبين الرجل وأخيه، وبين الرجل وزوجه، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمعنّ منه شيئا.
يقول طفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه، حتى حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا، خوفا من أن يبلغني شيء من قوله، قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا هو قائم يصلّى عند الكعبة، فقمت قريبا منه، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاما حسنا، فقلت في نفسي: واثكل أمي! والله إني رجل لبيب شاعر، ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته، فمكثت حتى انصرف إلى بيته، فتبعتُه، فقلتُ : إنّ قومَك قد قالوا لي كذا وكذا ، فعرضت عليه قصة مقدمي، وتخويف الناس إياي، وسدّ الأذن بالكرسف، ثم سماع بعض كلام الله، ما أجمل هذا الكلام! ثمّ قلت له: اعرض عليّ أمرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا أقول فاسمع . ثم قرأ : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد إلى آخرها و قل أعوذ بربّ الفلق إلى آخرها وقل أعوذ بربّ النّاس إلى آخرها، وعرض عليّ الإسلامَ، فلا والله ما سمعتُ قولا قطّ أحسنَ منه ولا أمرا أعدلَ منه فأسلمتُ، وقلتُ : يا نبيّ الله إنّي امرؤ مُطاع في قومي ، وإنّي راجعٌ إليهم فداعِيهم إلى الإسلام فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم . فقال : اللهم اجعل له آية .
فخرجتُ إلى قومي في ليلة مطيرة ظلماء حتّى إذا كنتُ بثنيّة ، وقع نورٌ بين عينيّ مثل المصباح . فقلتُ : اللهمّ غيّر وجهي إنّي أخشى أن يظنّوا أنّها مُثلة وقعتْ في وجهي، فتحوّلَ ، فوقع في رأس سوطِي كالقنديل المعلّق ، وأنا أهبط عليهم من الثنيّة حتّى جئتُهم فلمّا نزلتُ أتاني أبِي فقلتُ : إليك عنّي يا أبت! فلستَ منّي ولستُ منك . فقال : لِم يا بنيّ؟ فقلتُ : قد أسلمتُ وتابعتُ دينَ محمد . قال : أي بنيّ فدِيني دينُك . فقلتُ : اذهبْ فاغتسلْ وطهّرْ ثيابَك ففعلَ، ثمّ جاء ، فعرضتُ عليه الإسلام فأَسلَم . ثم أتتْني صاحبتي فقلت : إليك عنّي! فلستُ منكِ ولستِ منّي قالت : ولِم بأبي أنتَ وأمّي؟ قلتُ : فرّق بيني وبينَك الإسلامُ، وتابعتُ دينَ محمد، قالت : فدِيني دينُك . فقلتُ : اذهبي فتطهّري ففعلتْ فعرضتُ عليها الإسلامَ فأسلمتْ ولَم تُسلم أمّي . ثم دعوتُ دوسا فأبطئوا عليّ ثم جئتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقلتُ : يا نبيّ الله! إنّه قد غلب على دوس الزنا، فادع الله عليهم . فقال : اللهمّ اهدِ دوسا وائتِ بهم . وارجعْ إلى قومِك وارفُقْ بهم .
فرجعتُ فلم أزل بأرض قومي أدعوهم حتّى هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ومضى بدرٌ وأحد والخندق ، فقدمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن أسلمَ ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ، حتّى نزلتُ المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس ، ثم لحقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر.





