بعد شهرين ونصف تقريبا من بيعة العقبة الثانية، اجتمع جميعُ نوّاب القبائل القرشية في دار الندوة – بيت قصي بن كلاب ، ليتدارسوا أوضاع مكة بدقّة، ولإعداد خطّة حاسمة للقضاء على النبيّ صلى الله عليه وسلم وإزالة الدعوة الإسلامية من وجه الأرض نهائيا،
اقترح أبو البختري بن هشام من النواب: احبِسوه في الحديد، وأغلقوا عليه بابًا، ثم تربّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهير والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم. فقال شيخ نجديّ من ذاك المجلس: لا، والله ما هذا لكم برأي، والله لو حبستموه كما تقولون ليخرجنّ أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثمّ يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا إلى غيره فتشاوروا.
فتدخّل أبو الأسود فقال: إذن، نُخرجه من بين أظهرنا فنُنفيه من بلادنا، فإذا خرج عنّا فو الله، ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع إذا غاب عنا، وفرغنا منه، فأصلحنا أمرنا. فقام ذاك الشيخ النجدي وقال: والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حُسن حديثه، وحلاوةَ منطقه، وغلبتَه على قلوب الرجال بما يأتي به، والله لو فعلتم ذلك ما أمِنتُ أن يَحلّ على حيّ من العرب فيغلب بذلك عليهم من قوله وحديثه حتى يبايعوه، ثمّ يسير بهم إليكم حتى يهاجمكم بهم، فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، أديروا فيه رأياً غير هذا.
فقال أبو جهل بن هشام: والله إنّ لي فيه لرأياً ما أراكم وقعتم عليه بعدُ، قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن تأخذوا من كلّ قبيلة فتى شابًّا جلداً نسيباً وسيطًا، ثم نعطي كلّ فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل جميعاً، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً، فقال الشيخ النجدي: القول ما قال هذا الرجل، هذا هو الرأي ولا أرى غيره. وكان ذلك الشيخ في الحقيقة إبليس نفسُه جاء في صورة شيخ نجديّ، ولم يعترض أحد بعد ذلك.
وقد حضر الاجتماعَ كبار ممثّلي القبائل، منهم: عتبة وشيبة وأبو سفيان من بني عبد شمس، طعيمة بن عدي وجبير بن مطعم والحارث بن عامر من بني نوفل، النضر بن الحارث من بني عبد الدار، أبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام وزمعة بن الأسود من بني أسد، أبو جهل من بني مخزوم، نبيه ومنبّه، ابنا الحجّاج من بني سهم، أُمية بن خلف من بني جُمَح.كما شارك في النقاش نوّاب من قبائل أخرى، كبيرة وصغيرة. وانتهى اللقاء بانصراف الجميع على قلب رجل واحد.





