جاء إذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة بعد أن أكرم الله تعالى أهل يثرب بالبيعة لاسيما بيعة العقبة الثانية والتي فيها كان الميثاق الذي أخذ منهم بنصرة النبي صلى الله عليه وسلم وأن يمنعوه ممّا يمنعون منه أنفسَهم وأولادَهم وأموالَهم، ولاحظ النبيّ ﷺ أنّ يثرب قد تكون ملاذًا للمؤمنين، فأذن الرسول ﷺ لمجموعات صغيرة بالهجرة إلى المدينة، بدأت الهجرة من مكّة أفرادا وجماعات، وحاول المشركون بكلّ الوسائل أن يسدّوا المهاجرين ، فأخذوا بعضهم من الطريق وأرجعوهم إلى مكة، وفصّلوا بين الأزواج، واحتجزوا بعضهم في منازلهم. ومع ذلك، خافوا من نشوب حرب أهلية بين القبائل إذا قتلوا المسلمين المهاجرين.
لم يكن واضحًا لدى قريش هل يهاجر النبي ﷺ إلى يثرب أم لا، مع المؤمنين، وخاصة، في ظِلّ ما بقي النبيُّ ﷺ في مكة عندما أذن المؤمنين للهجرة إلى الحبشة ولم يغادرها آنذاك. وعندما استأذن أبو بكر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم للهجرة ، قال له: لا تعجل ، لعلّ الله أن يجعل لك صاحبا.
أخذت قريشًا شكوكٌ حول تنظيمٍ مخطّط بين المسلمين إذا انضمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، انّه سيتمّ هناك تشكيل قوة جماعية وسياسية جديدة ، ولذا، ما زالوا يراقبون كلّ حركة للنبي صلى الله عليه وسلم، وفكّروا عن خطورة ازدياد المؤمنين في المدينة يوما فيوما، وانضمامِ المزيد من القادمين من مكّة حتى يتشكلوا قوة متماسكة. وناقشوا عن عواقب ما إذا وصل محمد صلى الله عليه وسلم أيضا إليها.
وأيضا أهل مكة أصحاب سفر وتجارة وهم يتاجرون إلى الشام، وقوافلُهم كانت تمرّ إلى الشام بطريق يثرب، وكانوا على وعي تامّ ما للمدينة من الموقع الاستراتيجي بالنسبة إلى المحجة التجارية، إذا اعترض المسلمون في المدينة قوافلهم التجارية، أو فرضوا حصارا اقتصاديا على مكة، علما بأنهم قاموا بتعذيب المسلمين بالحصار بالشعب قرابة ثلاثين شهرا، وذاقوا لهم أشدّ أنواع الاضطهادات. وهذه الظروف زادت مخاوف قريش في أمر المهاجرين.
كان أول من وصل إلى المدينة من مكة هو مصعب بن عمير، إلا أن هجرتَه كانت بمهمة خاصة وذلك لتعريف أهل يثرب بالإسلام وتعليمهم القرآن. ثم هاجر بعده أبو سلمة بن عبد الأسد، وذلك بحسب رأي ابن إسحاق، قبل بيعة العقبة الثانية بسنة. لكن قريشًا منعت زوجته هندا من اللحاق به، فاحتُجزت في مكة سنةً كاملة. وبعد مرور سنة، خرجت وحدها من مكة، ماشيةً حتى وصلت إلى منطقة التنعيم، وهي من أطراف الحرم، وهناك صادفها عثمان بن طلحة، ثمّ رافقها عثمان في رحلتها إلى المدينة. وكان آنذاك مشركًا ثمّ أسلم.
تصف هندٌ عن هذه الرحلة لاحقا . فقالت: فوالله ما صحبتُ رجلا من العرب قطّ أكرم من عثمان بن طلحة ولا أشرف : كان إذا بلغ منزلا من المنازل ينيخ بعيري ، ثم يستأخر عنّي ، حتى إذا نزلتُ عن ظهره واستويتُ على الأرض دنا إليه وحطّ عنه رحله ، واقتاده إلى شجرة وقيّده فيها، ثم يتنحّى عنّي إلى شجرة أخرى، فيضطجع في ظلّها . فإن حان الرواح قام إلى بعيري فأعدّه ، وقدّمه لي ، ثم يستأخر عنّي ويقول : اركبي ، فإذا ركبتُ واستويتُ على البعير ، أتى فأخذ بخطامه وقاده. وما زال يصنع بي مثل ذلك كلّ يوم حتى بلغنا المدينة ، فلما نظر إلى قرية بقباء لبني عمرو ابن عوف قال : زوجُك في هذه القرية، فادخليها على بركة الله ، ثم انصرف راجعا إلى مكة.
من أوائل المهاجرين إلى المدينة عبد الله بن جحش وأسرته. فقد هاجر معه زوجته وأبنائه وجميع أسرته، وكانت زوجته الفَارِعَة بنت أبي سفيان زعيم قريش، وكان من بينهم أخوه أبو أحمد، الذي كان ضعيف البصر، لكنه مع ذلك كان يتنقل في شوارع مكة دون دليل أو مرافق. وبعد أن هاجر عبد الله وأسرته إلى المدينة، استولى أبو سفيان على بيت عبد الله بمكة. وقد قيل إنه لم يغتصبه، بل اشتراه من بني عامر، وهو ما يراه بعض الرواة. فلمّا علم عبد الله بن جحش بالأمر، اشتكى إلى النبي ﷺ. فقال له رسول الله ﷺ: أما ترضى أن يعطيك الله به بيتاً في الجنة؟ فسُرّ عبد الله بذلك، واحتسب ذلك عند الله.
عند فتح مكة، جاء أبو أحمد بن جحش - أخو عبد الله - ليتحدث إلى النبي ﷺ بشأن دار بني جحش التي استولى عليها أبو سفيان. وقد ذكر ابن هشام: فلما فتحت مكة كلّم أبو أحمد بن جحش رسول الله صلى الله عليه وسلم في دَارِهم ، فأبطأ عليه الرسول ﷺ، فقال الناس: يا أبا أحمد إنّ رسول الله ﷺ يكره أن ترجعوا في شيء من أموالكم أصيب منكم في الله عز وجل. فأمسك أبو أحمد عن الكلام في ذلك.





