لم يلبث أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر من عند أم معبد حتى جاء أبو معبد زوجها يسوق أعنزا عجافا، يتمايلن في مشيتهن هزلا مخهن قليل، فلما رأى اللبن أبو معبد عجِب، وسأل لزوجته عاتقة ( عاتقة بنت خالد هو اسمها الحقيقي من قبيلة خزاعة) : ما هذا يا أم معبد؟ أنّى لكِ هذا؟! والشاء بعيدة المرعى، ليس بها حمل وليس بالبيت ذات لبن !
فقالت: لا، والله! إلّا أنّه مرّ بنا رجل مبارك فمِن حاله كذا، وكذا، فقال: صِفيه يا أمّ معبد! فقالت: رأيت رجلا ظاهر الحسن والبهجة، مشرق الوجه، حسن الخلق ، لم تُعبه عظم البطن ، ولم تزر به صغر الرأس، وسيم قسيم، شديد سواد العينين، وفي أشفاره طول وغزارة ، فليس في صوته غلظ، شدة بياض العينين، وأسود أجفان العينين، أكحل، دقيق الحاجبين ومقرونهما، شديد سواد الشعر، في عنقه طول، وفي لحيته كثافة ، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلّم سما وعلاه البهاء، وكأن مَنطقه خرزات نظم يتحدّرن، حلو المنطق وواضحه، لا قليل الكلام ولا كثيره، أجهر الناس، وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، لا يبغض ولا يُعرض عن أحد، عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفّون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا لأمره، مخدوم محشود، لا عابس، ولا مفنّد. فقال أبو معبد: هذا والله صاحب قريش، لو رأيته لاتّبعتُه، ولأجهدنّ إن وجدتُ إلى ذلك سبيلا .
نزل النبي صلى الله عليه وسلم من بيت أمُ مَعبد، واتجه إلى سهل قُديدٍ حيث امتدّ هذا السهل حوالي مئة وخمسين كيلومترًا باتجاه بحر الأحمر. وشمال هذا الوادي يحدّها حرّة المشلّل.





