في يوم الجمعة، 26 من شهر صفر، في السنة الأولى للهجرة، الموافق للثامن من سبتمبر عام 622م، خرج النبي صلى الله عليه وسلم من منزله في مكة المكرمة، حيث كان يعيش مع زوجته خديجة رضي الله عنها. ثم وصل إلى الحزورة وهو سوق بمكة يقع عند فناء بيت ابنة عمه، أم هانئ بنت أبي طالب، ويقع هذا المكان اليوم بجوار باب عبد العزيز في المسجد الحرام، في الموقع المعروف الآن باسم باب الوداع.من هناك، توجه النبي صلى الله عليه وسلم سيرًا على الأقدام إلى بيت أبي بكر الصديق رضي الله عنه، هذا المنزل أصبح لاحقًا مسجدًا عرف باسم مسجد أبي بكر، ويقوم الآن في موقعه مجمع أبراج مكة .
ومن بيت أبي بكر، كان من المفترض التوجّه شمالًا نحو المدينة المنورة عبر طريق جبل كُدَي، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر سلكا طريق الجنوب، حتى وصلا إلى جبل ثور، وهناك دخلا غار ثور واختبآ فيه. وفي اليوم الثالث، جاء عبد الله بن أُريقط إلى الغار براحلتيهما، ليبدأوا رحلة الهجرة نحو المدينة المنورة.
في ليلة الأحد، 29 من شهر صفر، الموافق 11 من سبتمبر، واصل النبي صلى الله عليه وسلم رحلته من غار ثور. كان معه صديقه أبو بكر الصديق، وعامر بن فُهيرة مولى أبي بكر، وعبد الله بن أُريقِط دليلُ الرحلة. سلكوا طريقًا غير مألوف لا يسلكه المسافرون عادة، واتجهوا نحو الجهة الساحلية الغربية، قريبًا من شاطئ البحر الأحمر، في مسار غير معتاد لتجنب أنظار قريش.وفي الطريق، رفع النبي صلى الله عليه وسلم أكف الدعاء، مناجيًا ربّه:
الحمد لله الَّذي خلقني ولم أَكُ شيئاً! اللَّهمَّ أعنِّي على هول الدُّنيا، وبوائق الدَّهر، ومصائب اللَّيالي والأيام! اللَّهمَّ اصحبني في سفري، واخلفني في أهلي، وبارك لي فيما رزقتني، ولك فذَلِّلني، وعلى خلقي فقوِّمني، وإليك ربّ فحبِّبني، وإلى النَّاس فلا تكلْني! ربَّ المستضعفين! وأنت ربّي، أعوذ بوجهك الكريم الَّذي أشرقت له السَّموات والأرض، وكُشِفت به الظُّلمات، وصلُح عليه أمر الأوَّلين، والآخرين أن تحلَّ عليَّ غضبك، أو تُنزل بي سخطك! أعوذ بك من زوال نعمتك، وَفُجَاءَة نقمتك، وتحوُّل عافيتك، وجميع سخطك، لك العُقبَى عندي خير ما استطعت، لا حول، ولا قوَّة إلا بك.
في اليوم الأول من مغادرة غار ثور انطلق الركب النبوي من الغار، و في يمينه جبال بشيمات - وهي سلسلة جبال متوسطة الارتفاع في جنوب غرب مكة- ، وتابعوا رحلتهم حتى اجتازوا وادي مكة المسمى بوادي إبراهيم، وعندما وصلوا إلى وادى عرنة، توجّه الركب شمالا حيث أصبحت جبال بُشيمات عن يمينه وجبال أبو عظام عن يساره، مرورا على روضة أمّ الهشيم الواقعة جنوب وادي فاطمة ديار قبيلة خزاعة. قبل أن يصلوا إلى منطقة تُدعى اليوم مرّ الظهران، مرّوا بمكان له أهميةٌ كبيرة في السيرة النبوية، حيث جرى فيه صلح الحديبية في السنة السادسة من الهجرة. أما الآن، فهو جزء من منطقة تُسمى شُمَيْسِي، وتقع بالقرب من حدود الحرم المكي، حيث وُضعت هناك العلامات لبيان حدوده.
بعد مغادرتهم مرّ الظهران، توجّه الركب المبارك نحو منطقة تُعرف بـالمُرّار، وسلكوا الطريق الذي يمرّ بين جبلَي مُكَسِّر وضَاف. كانت هذه المنطقة عُرفت لاحقًا باسم الفَجّ الكريم، وهو الطريق الذي سلكه النبيّ صلى الله عليه وسلم ومعه 1400 من أصحابه عام صلح الحديبية، لأداء عمرة القضاء.
ثمّ واصلوا السير في نفس اليوم من سهل المُرّار عبر منطقة تُعرف بـحرّة ضَجْنَان، ( الحرة هي أرض تتكوّن من صخور بركانية سوداء) أو ما يُعرف أيضًا بـ"حرّة المحسنية". وهو اسم يُطلق على المنطقة الجبلية المعروفة بـجبل ضَجْنَان. وقد جاء في حديث الإسراء والمعراج أن النبي صلى الله عليه وسلم التقى بأحد قوافل قريش من هذا المكان أثناء عودته من البيت المقدس إلى مكة ليلة الإسراء. وتقع حرّة ضَجْنَان على ارتفاعٍ يبلغ نحو 240 مترًا عن سطح البحر، وعلى بُعد يقارب خمسين كيلومترًا من مكة المكرمة. ويبلغ طول هذه الحَرّة التى مرّوا بها ما يُقارب عشرة كيلومترات.
ثم دخلوا إلى وادي السَّقْي، وواصلوا مسيرهم عبر سلسلة جبال الخَشّاش. ومن تلك الجبال، كان الطريق يمّر بجانب منطقةٍ منبسطةٍ تتّجه إلى الغرب قليلًا، وهي أيضا متصلةٌ بهذه الحرّة. ومن هذه الحرّة بالذات، في السنة السادسة من الهجرة، التقى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وعددهم نحو 1400، بفرقةٍ تضمّ عددهم 200من فرسان قريش بقيادة خالد بن الوليد ، خرجوا من مكة بعد أن عرفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قادمٌ إلى مكة لأداء العمرة. لكن اللقاء لم يتحوّل إلى قتال، بل انتهى الأمر بـصلح الحديبية. وفي طريق العودة من الحديبية، مرّ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مرةً أخرى بهذه المنطقة، وهناك نزل عليه الوحي بسورة الفتح (إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا)، التي تبشّر للمسلمين بالنصر والتمكين.
عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن أباه، قال لأبي بكر رضي الله عنه: كيف صنعتُما ليلة سريتَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: خرجنا فأدلجنا فأحيينا يومنا وليلتنا حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة فضربتُ ببصري هل أرى ظلّا نأوي إليه، فإذا أنا بصخرة فأهويتُ إليها فإذا بقيّة ظلّها، فسوّيتُه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرشتُ له فروة، ثم قلتُ: اضطجع يا رسول الله! وأنا أنفض لك ما حولك، ثم خرجتُ هل أرى أحدا من الطّلب، فإذا بِراعٍ مقبل بغنمه يريد من الصخرة ما أردناه : فلقيتُه فقلتُ له: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من أهل مكة، فسمّاه، فعرفته فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم. قلت: هل أنتَ حالب لي؟ قال: نعم. فأمرتُه فاعتقل شاةً منها. فقلتُ: انفض الضرعَ من التراب والقذى، فحلب لي في قعب معه كثبة من لبن ومعه إداوة ، أرتوى فيها للنبي صلى الله عليه وسلم يشرب منها ويتوضّأ، على فمها خرقة ( للتصفية)، فأتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم، وكرهتُ أن أوقظه من نومه، فوقفتُ حتى استيقظ، فصببتُ على اللبن من الماء حتى برد أسفله، فقلت : يا رسول الله اشرب من هذا اللبن. فشرب حتى رضيت. ثم قال: ألم يأن الرحيل؟ قلت: بلى. قال: فارتحلنا بعد ما زالت الشمس.
في اليوم الثاني من الرحلة، دخلوا إلى حدود مدينة عسفان، وذلك في يوم 13 سبتمبر الموافق لـ 2 ربيع الأول. واختار النبي صلى الله عليه وسلم طريقا غير طريق معتاد بالتجار والمسافرين، فتجاوزا عسفان وسلكا طريقًا عبر وادي الغولاء. ومن هناك، توجّهَ كلاهما غربًا مارَّين بمنطقة حرّة نقرة الواقعة غرب أمَج، ثم واصلا المسير عابرين وادي عُوَيجاء إلى أن اقتربا من جبل الأَخلّ.
وكان للنبي صلى الله عليه وسلم نزول في بقعة عَسفان يوم الحديبية ، وفيها نزلت الآية 102 من سورة النساء التي تبين كيفية صلاة الخوف. وقد جاء في الحديث أيضا ذكر عَسفان لتحديد مسافة القصر بأنها ما بين مكة وعسفان، وهذه المسافة تقدر 48 ميلا هاشميا ، أي ما يعادل تقريبا 132 كيلو مترا، إذ يحسب ميلا هاشميا بما يقارب 2.75 كيلو مترأ .
ثم واصلوا السير حتى وصلوا إلى وادي الغَوْلاء، وهي منطقة تقع بمحاذاة الطريق الشرقي لقوافل التجار، ثم دخلوا إلى وادي العُوَيجاء، حيث يكونجبل الأخلّ عن يسار النبي ﷺ . وبعدها تابعوا المسير بمحاذاة جبل جُمدان. لمّا مرّ النبي ﷺ مرّة بهذا الجبل، قال لمن معه: سيروا! هذا جُمدان، سبق المفرّدون! قالوا: وما المفرّدون يا رسول الله ! قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات.
في خيمة أم معبد
وبعده دخل النبي ﷺ وأصحابه إلى قرية أمَج، ثم اتجهوا غربًا إلى منطقة حرة البكّاوِيّة من وادي قديد. ومن هنا رأوا خيمتين ، فكانتا لأمّ معبد الخزاعية، فتوجّه النبي ﷺ وأصحابه نحوهما. فسأل النبيّ ﷺ أمّ معبد، صاحبة الخيمة : هل عندكم شيء من اللحم أو التمر نشتريه؟ فلاحظت أم معبد علامات التعب والضعف على الضيوف، فتحدثت بشفقة عن حالها، فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما بخِلنا به عليكم.
فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة ضعيفة في جانب الخيمة، فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟
قالت: شاة أتعبها المرض وخلفها الجهد عن الغنم.
قال: هل بها من لبن؟
قالت: هي أجهد من ذلك.
قال: أتأذنين لي أن أحلبها.
قالت: بأبي أنت وأمي! إن رأيت بها حليبا فاحلبها.
فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمسح بيده ضرعها وظهرها، وسمّى الله تعالى، ودعا لها في شاتها، فتفاجت عليه ودرّت واجترّت. ودعا بإناء يربض الرهط، فحلب فيه ثجّا حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويتْ، وسقى أصحابه حتّى رووا، ثم شرب آخرَهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ثم أراضوا، ثم حلب فيه ثانيا بعد بدء حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها، ثم بايعها، وارتحل عنها.
وروى أبو نعيم عن أم معبد، أنها قالت : بقيت الشاة التي لمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرعها عندنا، حتى كان زمان الرمادة، أصابت الناس مجاعة شديدة، وانقطعت الأمطار، فجف الزرع والعشب، وأصبحت الأرض بيضاء كالرماد ، وهي سنة ثماني عشرة من الهجرة ، في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وكنا نحلبها صبوحا وغبوقا، وما في الأرض قليل ولا كثير. وقال هشام بن حبيش : لقد رأيت تلك الشاة بعينيّ .





