وكان رجوعه صلى الله عليه وسلم من الطائف إلى مكة في ذي القعدة من السنة العاشرة للنبوة ليستأنف عرض الاسلام على القبائل والأفراد، ولاقتراب موسم الحج كان الناس يأتون إلى مكة رجالا وعلى كل ضامر من كل فج عميق، لقضاء الحج، فانتهز رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الفرصة ليعرض الإسلام على القبائل والأفراد. ومن أهم تلك القبائل بنوعامر، ومُحارب ، وفَزارة، وغسّان، ومرّة، وحنِيفة ، وسُليم، وعبْس ، وبنو نصر، وبنو البكاء، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعذرة، وحضارمة.
دعا الرسول صلى الله عليه وسلم هؤلاء القبائل إلى الإسلام كلّ سنة في مواسم الحج فلم يستجب منهم أحد. وأتى في منازل قبيلة بني حنيفة فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، ولم يقبلوا، بل، لم يكن أحد من العرب أقبحَ عليه ردّا منهم. وأتى كذلك إلى بطن بني كلب، يقال لهم بنو عبد الله ، وقال لهم: يا بني عبد الله، إنّ الله قد أحسن اسم أبيكم ، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، فلم يقبلوا واحدٌ منهم الاسلام. أمّا بنو عامر فشرطوا لإسلامهم على أن يكون لهم الأمر بعده صلى الله عليه وسلم ، فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم لهم: الأمرُ إلى الله ، يضعُه حيثُ يشاءُ، فقالوا: لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا الاسلام. ثمّ لمّا رجعت بنو عامر بعد الحج إلى منازلهم تحدّثوا إلى شيخ لهم - لم يواف الحجَّ- عن هذا الأمر، فقال واضعا يديه على رأسه: يا بني عامر هل لها من تلاف! لقد فات لكم شيئ عظيم! والذي نفس فلان بيده! ما تقولها إسماعيليّ قطّ، وإنها لحقّ! فكيف صار رأيكم على هذا الوجه؟!
سويد بن صامت
وإن لم يستمع إلى دعوته صلى الله عليه وسلم أحدٌ من أهل مكة، وجد النبيّ صلى الله عليه وسلم بعض الأنصار خارج مكة بعد موسم الحج، ومن أهمّهم سويد بن صامت، كان شاعرا لبيبا من سكّان المدينة (يثرب)، يسمّيه قومه (الكامل)، لجلده وشعره وشرفه ونسبه، جاء مكة حاجّا أو معتمرا، وعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام، وجرى حوار بينهما، وقال: لعلَّ الذي معكَ مثل الذي معي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما الذي معك؟ قال: حكمة لقمان. قال اعرضْها عليّ، فعرضها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا الكلام حسن، والذي معي أفضلُ من هذا، قرآن أنزله الله تعالى عليّ، هو هُدى ونور، فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآنَ، ودعاه إلى الإسلام، فأسلم، وقال: إن هذا لقول حسن. فلمّا قدم المدينة لم يلبث أن قُتل يوم بعاث الذي جرى بين قبيلتي الأوس والخزرج ، وكان إسلامه في أوائل سنة 11 من النبوة.
إياس بن معاذ
كان إياس غلاما حدثا من سكان يثرب، قدم مرّة مكة في وفد من الأوس، فلمّا علِم الرسول صلى الله عليه وسلم بمقدمهم جاءهم فجلس إليهم، فقال لهم: أنا رسول الله، ثمّ دعاهم إلى عبادة الله وحده، وتلا عليهم القرآن، فقال إياس لقومه: أي قوم، هذا والله خير ممّا جئتم له. فقام من الوفد أبو الحيسر أنس بن رافع وأخذ حفنةً من تراب فرمَى بها وجهَ إياس، فصمت إياس ولم بجب له، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم، وانصرف الوفد إلى المدينة، وبعد رجوعهم إلى يثربَ لم يلبث إياس أن مات، وكان يهلّل ويكبّر ويحمد ويسبّح عند موته، فلا يشكّون أنّه مات مسلما.





