في العام الرابع عشر من النبوة. -السابع والعشرين من شهر صفر- خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق من بيتهما قاصدَين غار ثور. يقع الغار في قمّة جبل على بُعد حوالي ثلاثة كيلومترات إلى جهة الجنوب من الكعبة في مكة. والطريق من مكة إلى المدينة يتّجه عادة نحو الشمال، لكن النبيّ صلى الله عليه وسلم اختار الاتّجاه نحو الجنوب إلى غار ثور لأنّ الأعداء كانوا سيبدؤون البحثَ في اتّجاه المدينة أولاً، ففهم ذلك واختار الاتّجاه المعاكس لتضليلهم.
في اللحظات الأخيرة، سار النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق معًا، وكان الصديق يسير بحذرٍ شديد، فتارةً يمشي أمام النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يعود إلى الخلف، وأحيانًا ينتقل يمينًا أو يسارًا .وكان يقوم بهذا الدور الحامي ليتأكّد ما إذا كان هناك أيّ خطر كامِن في الطريق، أو إن كان أحدٌ يتعقّبهما.
وبفضل الله تعالى ، أصبحت خطةُ قريش الخبيثة باءت بالفشل، فكما أرادوا أن يخدعوا، خُدِعوا هم أنفسهم، ويعرض القرآن الكريم هذا الموقف في سورة الأنفال، حيث يقول الله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ( الآية: 30).
شعر مشركو قريش بالحيرة والاضطراب، وكانوا مستعدّين لتتبّع النبي صلى الله عليه وسلم بكلّ وسيلة مُمكنة، فانطلقوا يبحثون عنه في كل اتجاه .وفي هذا الوقت، اقترب النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق من غار ثور، فقال الصديق:
يا رسول الله، هل يمكن أن تبقى قليلاً خارج الغار؟ سأدخل أولاً، فإن كان في الداخل ما يؤذي، أتحمّله أنا.
فدخل أبو بكر إلى جوف الغار، وتفقّده بعناية، سدَّ الثقوب الصغيرة في الجدران بقِطع من ثوبه الذي مزّقه لأجل ذلك، ولمّا بقي ثقبٌ واحد، سدّه بقدَمه. ثم دَعى النبي صلى الله عليه وسلم للدخول، وهيأ له مكاناً ليرتاح،
فوضع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه على فخذ الصديق ونام.
هكذا، استراح نبيّ الصدق صلى الله عليه وسلم، والصدّيق الصادق رضي الله عنه، في غار ثور، بعد أن اجتمعا على الإيمان، والتوكل، والثقة بالله.
عندما رأى أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم ينام بهدوء، شعر له بالراحة والاطمئنان، ولكن لم تمضِ لحظات حتى بدأ يشعر بألم شديد في قدمه التي كان يسدّ بها فتْحة في الغار. كان هناك شيء يلدغه، لكنه لم يُزِح قدمه.
فقد فكّر: إن حرّكتُ قدمي، ربما يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم، وإن خرج ما في الجُحر، فقد يؤذيه. رغم شدة الألم، تحمّل، ولكن الدموع انهمرت من عينيه دون أن يشعر، فسقطت دمعة على وجه النبي صلى الله عليه وسلم، فاستيقظ، وسأله بلطف: ما بك يا أبا بكر؟ فأخبره أن شيئًا كان يلدغه من داخل الجُحر. فلمّا رفع قدمه، تبيّن أنّه كان ثعبانًا مختبئًا فيه. فقد كان هذا الثعبان يلدغ الصديق بصمت، وهو يحتمل الألم كي لا يُوقظ النبيّ صلى الله عليه وسلم، عندها، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمواساة صاحبه الوفيّ، وبصق على موضع اللدغة، فزال الألم بإذن الله تعالى. ثم مزّق النبيّ صلى الله عليه وسلم طرفًا من ثوبه، وربطه بقدم أبي بكر، ورفع يديه إلى السماء ودعا:
اللهم اجعل أبا بكر رفيقي في الجنة، كما كان رفيقي في الغار. وكان ذلك من أرقّ مشاهد الحبّ والوفاء بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وأقرب الناس إليه في الدنيا والدين.
أما في بيت أبي بكر الصدِّيق، قام عبد الله بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر بمسؤولياتهما على أكمل وجه. كان عبد الله يتولّى مهمة جمع الأخبار، فيتسلّل ليلاً إلى غار ثور حاملاً آخر المستجدّات إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبيه، ثم يعود قبل طلوع الفجر، وينزل الجبل، ليتنقّل في مكة نهارًا ويستمع لما يقوله الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويراقب تحرّكات قريش. أمّا عامر بن فُهيرة، مولى أبي بكر، فكان يرعى الأغنام في طريق الغار، حتى يُخفي آثار أقدام عبد الله ويطمسها. وكان كذلك يحلب الشياه، ويغلي اللبن ثم يقدّمه للنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبِه في الغار.
وكانت أسماء بنت أبي بكر تقوم بدور عظيم.فعندما حان وقت الطعام، أعدت الطعام في سرية تامة، وقطعت قطعة قماش إلى نصفين، ولفّت بهما الطعام وربطته جيدًا، ومن هنا لُقّبت بـ »ذات النطاقين« سارت في جنح الليل نحو غار ثور، حذرة من أن يتعقبها أحد، فكانت تُخفي آثار أقدامها بين الحين والآخر. وعندما وصلت إلى فم الغار حاملة الطعام، استقبلها النبي صلى الله عليه وسلم، وباركها ودعا لها بخير، تقديرًا لتضحيتها وشجاعتها في خدمة الحق والرسالة. هكذا، كانت أسماء — رغم صغر سنها — من أعظم رموز الصبر والإخلاص في قصة الهجرة المباركة.
هكذا، شارك الجميع – رجالاً ونساءً وعبيداً – في ملحمة الهجرة، كُلٌّ بدوره، مخلصًا في مهمّته، ليحفظ الله نبيّه ويُتمّ نوره.
سارع مشركو قريش في كلّ اتجاه بحثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتّى وصلوا في نهاية المطاف إلى مقربة من غار ثور،
فلم يكن بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبِه سوى أمتار قليلة - مسافة لو نظروا فيها بدِقّة، لرأوا ما بداخل الغار! - لكن الله عز وجل، بحكمته وقدرته، صرف أنظارهم عن داخل الغار، بأسباب ظاهرها بسيطة، لكنها كانت جُنودًا من جُنده. فقد أرسل الله عنكبوتًا، فنسج خيوطه على فم الغار، وبجوارها، كانت هناك حَمامتان قد وضعتا بيضهما.
ولمّا اقترب بعض شباب قريش من فم الغار – وكان بعضهم على بعد نحو أربعين مترًا – نظروا نحو الأعلى، فرأوا خيوط العنكبوت، ورأوا الحَمامتين ساكنتين عند الفم، فقال بعضهم لرفقائه في أسفل الوادي: لو دخل أحد هنا، لما بقي هذا العنكبوت ولا هذه الحَمام. من المستحيل أن يكون أحد داخل هذا الغار!
هكذا، صارت حماية الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم بأبسط المخلوقات، دون أن تُراق قطرة دم، أو يُشهر سيف،
﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ [المائدة: 67]. قصة تُخلّد الثقة المطلقة بالله، وتُعلّمنا أن النصر لا يحتاج دائمًا إلى القوة، بل إلى الإيمان والتوكل.
بينما كان المشركون يُراقبون فم الغار، كان النبي ﷺ قائمًا في صلاته، يُناجي ربّه في خشوع وسكينة لا يزعزعها الخوف ولا يُعكّرها القلق. أما أبو بكر الصدّيق، فكان يجلس إلى جانبه، وقلبه يرتجف خوفًا، لا على نفسه، بل على نبيّه ﷺ. لم يكن يعرف ماذا سيحدث، لكن خطوات الأعداء وصوتهم، كانوا يقتربون من فم الغار شيئًا فشيئًا.
فجأة، صعد أُميّة بن خلف فوق الغار، ووقف في موضعٍ لو نظر منه نحو الأسفل، لرأى من بداخله بوضوح! كان موقفًا عصيبًا، واشتدّ القلق في قلب الصدّيق، لكنه لم يُرد أن يُقلق رسول الله ﷺ، فبقي يُتمتم بهمّه. ثم همس له: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه، لرآنا! فالتفت إليه النبي ﷺ بكلّ طمأنينة وقال: يا أبا بكر، ما ظنُّك باثنين، اللهُ ثالثُهُما؟ .
فأجاب أبو بكر رضي الله عنه بتأثر: ما أخاف على نفسي، ولكن أخاف عليك يا رسول الله! فأجابه النبي ﷺ: لا تحزن، إنّ الله معنا. كانت هذه الكلمات كافية لتُطفئ نار القلق في قلب الصدّيق، وتملأه يقينًا وثباتًا، بأن العناية الإلهية فوق كلّ حساب.
هكذا، في لحظةٍ فارقة من التاريخ، اجتمع الإيمان، والتوكل، والمحبة، في غارٍ صغير… لكنه حمل في داخله أمان الأمة، وسرّ النصر، وبداية فجر جديد.
وقد ورد ذكر هذا الموقف في القرآن الكريم، في سورة التوبة، حيث يقول الله تعالى: إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ، وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى، وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. ( الآية : 40)
كانت آثار أقدام النبي ﷺ تُشبه آثار أقدام نبي الله إبراهيم عليه السلام الموجودة في "مقام إبراهيم"، ولهذا السبب تعقّب المشركون من قريش هذه الآثار حتى وصلوا إلى مدخل الغار. وعندما وصلوا إلى هناك، أصابتهم الحيرة، فقالوا متسائلين: إلى أين ذهب محمد من هنا؟ إلى اليمين؟ أم إلى اليسار؟
في النهاية، قال أُميّة بن خلف لرفاقه: ما رأيكم بهذا الغار؟ فقال أحدهم: انظروا، هذا بيت العنكبوت نسج شبكتَه هنا منذ زمن، من قبل أن يولَد محمد! فكيف يدخل أحدٌ إلى هنا ولا يتمزّق هذا النسيج؟ فقالوا: لا حاجة لأن نُدقق أكثر، ثم عادوا أدراجهم.
وفي رواية لأبي نُعَيْم، إن أبا بكر رضياللهعنه رأى رجلًا واقفًا مواجهاً الغار، فقال: يا رسول الله، إنه يرانا! فأجابه النبي ﷺ بطمأنينة: كلا، إنّ الملائكة تسترانه الآن بأجنحتها. فلم يمضِ وقت حتى إذا بالرجل نفسه واقفًا أمام الغار يتبول مستقبلهما، عندها قال النبي ﷺ: يا أبا بكر، لو رآنا ما فعل هذا!
بعد أن أمضى النبيُّ صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصدّيق رضي الله عنه يومين في غار ثور، الذي يقع على ارتفاع 748 مترًا عن سطح البحر، آن الأوانُ للانتقال نحو المدينة. وكانت الرحلة تحتاج إلى قرارات دقيقة وتنظيم محكم. كان من الضروري الاستعانة بشخص يعرف الطرق المختلفة التي تصل من مكة إلى المدينة.
فوقع الاختيار على عبد الله بن أُريقط، وهو رجل من قبيلة بني الديل، وكان على غير ملة الإسلام آنذاك، لكنّه كان معروفًا بالثقة والمهارة في الدلالة على الطريق، وبحسب الاتفاق السابق، حضر في اليوم الثالث أمام الغار بالجملين للهجرة إلى المدين.





