في حديثنا عن الإسراء والمعراج، لقد سِرنا عبر الروايات والأخبار الواردة عن هذه الحادثة في المصادر الإسلامية، ومن المهم أيضًا أن نتعرّف على بعض الجوانب الفلسفية المرتبطة بها.
أولًا: هل كانت هذه الرحلة جسدية؟
نعم، لقد كانت جسدية. لم تكن مجرّد رحلةٍ روحية أو رؤيا في المنام. قال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ، وكلمةُ عَبْد لا تستخدم للدلالة على الروح فحسب، بل تجيئ للإشارة إلى أمر شارك فيه الجسد والروح معا، فيتّضح من خلال تعبير القرآن ذاته، أن هذه الرحلة كانت جسدية. إضافة إلى ذلك، فإن سبب إنكار أهل مكة وجحودهم عن وقوع الإسراء والمعراج، دلالة على أنهم اعتبروا هذه الرحلة جسدية حقيقية. ولو قدّرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم أنه رأى بيت المقدس وما في السماء العلوية في رحلة روحية أو في المنام، لما كان هناك داعٍ للاعتراض أو السخرية.
لقد حاول البعض تفسير الإسراء تفسيرًا علميًا من خلال طرح احتمالات النوم التنويمي (Hypnotic Sleep). ، لكن لا يعدو من أن يكون تجربة نفسية أو حالة ذهنية فقط ، ولا يمكن أن يكون جسيديا مساويًا للإسراء الحقيقي. بل حتّى إن افترضنا إمكانية تنظيم القوانين الكونية بطريقة خاصة بحيث يُمكن لإنسان أن يقطع مسافة شهور في لحظة واحدة، فإن ذلك أيضًا لا يمكن اعتباره مساويًا للإسراء. بل ، نلاحظ من خلال هذا ، أنه إذا كان من إمكانية العلم الذي خلقه تبارك وتعالى قادرًا على مثل هذه الأمور، فكيف يعجز خالق هذا الكون ومدبِّره أن يمنح لعبده المخلص ما هو أعظم من ذلك!.
نحن نعرف أن النبي ﷺ أخبر الناس الذين كانوا يعيشون في ذلك الزمان عن رحلة الإسراء والمعراج. في البداية أنكروها، ثم بدأوا يطرحون الأسئلة. فأزال رسول الله ﷺ جميع شكوكهم بكلّ وضوح كمن رأى هذه المشاهدَ بعينه حتى اضطرّوا إلى إقرارها. ثمّ،حاولوا إنكارها من خلال طرح اتهامات سخيفة وذلك بمضايقة صدرهم عن إقرار نبوّة النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته. كل هذه الحوادث مسجّلة في سجل التاريخ حتى لا يستطيع أحد أن ينكرها ، بل، تساعد أيّ منصف في إدراك الحقيقة.
ثانيا: هل رأى النبي ﷺ ربّه؟
نعم، هناك من يحملون فكرة خاطئة من أهل البدع من الفرق الإسلامية، ويزعمون أنّه لا يمكن رؤية الله تعالى حتّى في الآخرة. ولم يبق الآن لأصحاب هذه الفكرة بقية، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ومن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى في الآخرة للمؤمنين. ورواها أحد وعشرون صحابيا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وجاءت أيضا أيات في القرآن الكريم بهذا الشأن.
ثم إنّه بقي هنا حوار حول رؤية النبي ﷺ ربَّه؛ هل وقعت بعينيه أو بفؤاده؟. قال الإمام النووي في هذا الصدد: الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ر أى ربّه بعيني رأسه ليلة المعراج . وفي حديث رواه الطبراني بسند مقبول، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنّ محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربّه مرتين: مرة ببصره، ومرة بفؤاده.
هنا أهمية كبيرة لرأي عمر القاضي البلنكوتي الذي خاض في هذه المناقشات، وكتب بشكل خاص في مسائل العقيدة الإسلامية، فدوَّن في قصيدة مدحه صلى الله عليه وسلم قائلاً: ورآه عينًا وفؤادًا ... أي أنّ النبيّ ﷺ رأى ربّه ببصره وفؤاده.أخذه عمر القاضي هذا التعبير مستندًا إلى فهمه لمعنى الآية من سورة النجم: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ( الآية: 11)، والتي تفيد أن ما رآه النبي ﷺ بعينه لم يُنكره قلبُه.
أيا كان الرأي، فإنّ معنى رؤية الله لا يعني أبدا التقاء جسدين، فالله منزَّه عن أي صفات مخلوقة. ولا تُطرح عليه أسئلة مثل :كيف؟ وأين؟، لأنه متعالٍ عن المكان والزمان. فالمكان والزمان كلاهما من مخلوقاته تعالى، ولم يكونا موجودين إلا بعد أن خلقهما الله. أمّا الله سبحانه وتعالى، فهو الأزليّ الذي لا بداية له.
لم تفهم قريش مغزى الإسراء حتى أنّ بعض من كانوا مع النبي ﷺ لم يصدقوا ذلك. وقد استغلت قريش هذا الوضع جيدا لنشر الدعايات ضدّه، ومارسوا كلّ أنواع الاضطهاد ضدّ أصحابه. كما أنّ القبائل التي عرض عليها النبي ﷺ نفسه ودعاها إلى الإسلام، مثل ثقيف، وكندة، وكلب، وعامر، وحنيف، لم يكن ردّهم إيجابيا كماذكرنا قبل، وحتى أنّ قريشا أفسدت جميع محاولات النبي صلى الله عليه وسلم لدعوة القادمين إلى مكة في موسم الحج بالتشويش والتضييق عليهم. أما بعض من تأثروا بأفكار النبي ﷺ، فقد تردّدوا في إعلان إسلامهم علنًا، خشية التشريد أو الانفراد عن المجتمع.





