شدّدت قريش طلب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأعلنوا مائة إبل مكافأة لمن يقتل محمدا وصاحبه الصديق أو يحضرهما حيين، فانتشرت قريش في كل اتجاه رغبة في المكافأة، فوصل بعضهم إلى دار أم معبد، فسألوها عن مرور رجل بهذا الطريق أوصافه كذا وكذا، فقالت: لا أدري عن ذلك، ولكن مرّ بنا رجل حلب شاة لنا لا لبن فيها فأدرّت الحليب. فقالوا: هذا هو الرجل الذي نحن نطلبه.
يقول سراقة بن جعشم كان فارسًا ماهرًا، عارفًا بمسالك الصحراء ودروبها: جاءنا رُسل كفّار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ديةً كلّ واحد منهما مائة ناقة من الإبل لمن قتله أو أسره ، فبينا أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال : يا سراقة إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل- وفي لفظ : ركبة ثلاثة- أراها محمدا وأصحابه . قال سراقة : فعرفت أنّهم هم ، فأومأت إليه بعينيّ أن اسكت ، فسكت ، ثم قلت له : إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا يبتغون ضالّة لهم .( كانت خطة سراقة أن يُلقي القبض عليهما دون أن يشعر به أحد، لينال الجائزة كلّها لنفسه)
يتبع سراقة قوله: ثم لبثتُ في المجلس ثم قمت فدخلت بيتي فأمرت جاريتي أن تُخرج بفرسي سرّا وهي من وراء أكمة فتحبسها عليّ بُعيد بيتي، وأخذتُ رمحي فخرجت به من ظهر البيت حتى أُتيت فرسي فركبتها ، فأسرعت في السير حتى رأيت ظلهما، فلمّا دنوت منهما أهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرّهم ، أم لا أضرّهم . (كان للعرب عادة معروفة في الاستقسام بالأزلام. فكانوا يضعون ثلاثة سهام في جعبة واحدة: على أحدها مكتوب "افعل"، وعلى الثاني "لا تفعل"، والثالث لا كتابة عليه. ثم يجرون القرعة. فإن خرج السهم الذي عليه "افعل"، اعتبروه فألاً حسناً، وإن خرج "لا تفعل"، عدّوه نذيرَ شؤم، وإن خرج السهم الثالث الذي لا كتابة عليه، أعادوا القرعة مرة أخرى حسب عادتهم. )
فخرج الذي أكره : أني لا أضرهم ، وكنت أرجو أن أردّه فآخذ المائة ناقة ، فركبتُ فرسي وعصيت الأزلام فرفعتها تقرّب بي حتى إذا سمعتُ قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغت الركبتين فخررتُ عنها ، ثم زجرتُها فنهضتُ فلم تكد تخرج يديها، فلما استوتْ قائمة أسرعت بناقتي فاقتربت برسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا ساخت ناقتي حتى الركبتين، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره- ألا أضرهم. قال : فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد مُنع منّي وأنّه ظاهر، فناديتُهم بالأمان وقلت :أنظروني فوالله لا آذيتكم ولا يأتيكم منّي شيء تكرهونه .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : قل له وما تبتغي منا؟ فقلتُ : إنّ قومَك قد جعلوا فيكما الديةَ، وأخبرتُهما أخبارَ ما يريد الناسُ بهم وعرضتُ عليهم الزادَ والمتاعَ، فلم يرزآني شيئا ولم يسألاني إلّا أن قال : أخفِ عنّا. فعلمتُ أن دينَه سيغلب ويصير الملك في يده، فسألتُه أن يكتب لي كتابَ موادعة آمَن به ، وذلك لأستجير به عندما يغلب الإسلام على جميع الملوك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اكتب له يا أبا بكر - وفي رواية : فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم ، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وعندما أردت الرجوع بكتابة الأمان سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف بك يا سُراقة، إذا لبستَ بسِواري كسرى؟ فسألتُ متعجبا: كسرى بن هرمز؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم. فرجع سراقة بهذا الكتاب إلى مكة ،وأرجع عن الطريق كلَّ من لاقاهم من قريش يطلبون النبي صلى الله عليه وسلم والصدّيق، أخذا بوعده صلى الله عليه وسلم بإخفاء أمرهما، فأصبح ظالما وأمسى ناصرا.
يقول سراقة : فلم أذكر شيئا مما كان حتى إذا كان فتح مكة، على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرغ من حنين والطائف خرجتُ لألقاه ومعي الكتاب الذي كتب لي، فلقيته بالجعرانة. قال : فبينا أنا عامد له دخلتُ بين ظهري كتيبة من كتائب الأنصار ، فطفقوا يقرعونني بالرماح ويقولون : إليك إليك حتى إذا دنوتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته، فرفعتُ يدي بالكتاب . ثم قلتُ :يا رسول الله هذا كتابك لي وأنا سراقة بن مالك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يومُ وفاءٍ وبِرٍّ أدن منّي» ، فدنوت منه فأسلمتُ.





