مضى النبيُّ صلى الله عليه وسلم وصاحبُه الصديق في رحلته إلى المدينة فتجاوزوا من وادي قُديد إلى حرّة المشلّل ، وهذه هي طريق القوافل المارّة بين اليمن ودمشق، ويعرف اليوم باسم القُديديّة، ولم يمضيا بعيدا بوادي المشلّل حتّى دخلوا إلى وادي الكُلَيّة، ومن هنا لقِي سراقةُ بن مالك النبيَّ صلى الله عليه وسلم وصاحبَه. يُروى أنّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال عندما أدركهم سراقةُ بصوت مرتفع : لقد لحقَنا يا رسول الله ! فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: لا تحزَن إنّ الله معنا.
توجّه الركبُ منه إلى الشرق ودخلوا إلى وادي القرار، وهذا الطريق في جانب حرة العصرية ، ومضوا إلى القدام ثم اتجهوا إلى الشمال فوصلوا الجحفة ، وهو المكان الذي تنزلت فيه آية :إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ (سورة القصص 85) وذلك تسلية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم إذ بدى عليه اشتياقه إلى مكة.
دخل طريق الهجرة إلى أرض ذات طبيعة تُشبه طبيعة المدينة. وفي الطريق، ظهرت ينابيع وجداول مياه. ما زال الركب يسير عبر الجبال والوديان، حتى وصل إلى منطقة جبلية تُدعى المرّة ، ومن الجهة الغربية، ينساب جدول ماء يُعرف باسم ماء الأحياء.
بعد اجتياز المناطق الجبلية في المُرّة ، انحدر المسار نحو وادٍ يُعرف باسم لَقف. ويُلاحظ في هذا الطريق عدد من المعالم البارزة. من أهم المسارات الفرعية فيه: ريع أبو دُويمَة وريع الحُميَّا. كما يُعدّ وادي الساد من المواقع المهمة في هذا المسار. بعد ذلك، انضموا إلى مجرى ماء المُصيدرة ، وواصلوا السير خارجًا عبر جبل خُشوم. هذه المنطقة، الواقعة بين التلال المرتفعة والتي يقصدها المسافرون طلبًا للظل، تُعرف باسم (مُستظلّات خُشوم ، يبلغ طول ممر الحُميَّا حوالي 600 متر، ويقع على ارتفاع 108 أمتار فوق مستوى سطح البحر.
مرّ النبي ﷺ عبر وادي الساد، الذي يبلغ طوله نحو 150 مترًا، ثم ساروا مسافة أربعة كيلومترات عبر وادي الفَرْع حتى وصل إلى وادي لقف. ثم انعطفوا غربًا باتجاه جبل المليساء، وهو جبل مشهور بصخوره الصغيرة الملساء. ومن هناك، واصلوا المسير مسافة سبعة كيلومترات حتى بلغوا قرب بئر رضوان. وفي ليلة الأربعاء، الرابع عشر من سبتمبر، الموافق لليلة الثالث من ربيع الأول، نزل رسول الله ﷺ وأصحابه هناك واستراحوا. وفي صباح الخميس، الرابع من ربيع الأول، تابعوا سيرهم.
ثم تحرّكوا من ضفّة مَدلَجة لَقف نحو الأمام، فعبروا مِرجَحين هما: مِرجَح مِجَاح ومِرجَح ذوي العَصَوين وهما شعبتان إذا اجتمعا تسمّى واد العصا، حتى وصلوا إلى موضع يُعرف باسم أمّ كَثد. وهذا الطريق الجبليّ المعروف باسم ممرّ أم كشَد. وبعد مغادرة أمّ كشَد، سلكوا وادي ثقيب، ثم دخلوا إلى مضيق أُجَيْرِد. ومن هناك، اتّجهوا نحو الشمال الشرقي عبر ممَرّ يُعرف باسم بطن رِيّ، الذي يربط بين وادي أُجَيْرِد ووادي ذِي سَلَم.
سار الركب عبر وادٍ صخري يمتد نحو ستة كيلومترات ضمن وادي ذِي سَلَم، حتى وصلوا إلى مجرى مائي جاف يُعرف باسم مَدْلَجَة تعهن. وبعد ذلك، دخلوا إلى وادي تعهن، ثم اتجهوا نحو وادي القَاحة إلى هذه المنطقة، يُشير الشاعر البوصيري في مطلع قصيدته الشهيرة البُردة إلى ذي سلم، إذ يقول أمن تذكر جيران بذي سلم. في هذا الموضع، ينمو نبتة السَّلَم بكثرة، وهي نبات شوكي معروف في مناطق الحجاز، ولا تزال هذه النباتات تملأ الوادي حتى اليوم. بعد مغادرة ذِي سَلَم، واجه الركب ثالث مجرى مائي جافّ في طريقهم، وهو ما يُعرف باسم مَدْلَجَة تِعهن، والذي يُؤدي إلى وادي تِعهن.تُحاط مَدْلَجَة تِعهن بجبلين:من الشرق: جبل الكَبْش من الغرب: جبل الخمراء.
بعد ذلك، وصل الركب إلى الغُثرِيانة، هو فجّ يأتي من وادي القاحة إلى وادي تِعْهن، ويُعرف هذا الطريق أيضًا باسم دَربِ الأنبياء، أو طريق القوافل والأنبياء الذي مرّ عن طريقه الأنبياء والحكماء والعلماء متّجهين إلى مكة المكرمة. وقد مرّ به الركبُ النبوي قاطعا بئر الطَلُوب متّجهًا إلى وادي القاحة وهو واحد من أودية منطقة الحجاز الكبيرة وينطلق من الشمال وينتهي بالالتقاء بوادي الفرع، ومن هذا الموضع الواقع في الطرف الشمالي من وادي القاحة، يتفرع طريقان نحو المدينة المنورة؛ طريق المُنْصَرَف، ويُعرف لاحقًا باسم المُسَيْجِد، وطريق التجاري القديم الذي يمرّ عبر شِعْب الفَيْض وريع العَقَنقل. اختار رسول الله ﷺ ورفاقُه الطريق الأقصر، فاتّجهوا شمالًا عبر المُنْصَرَف نحو المدينة.
في يوم الجمعة، الموافق 16 سبتمبر، الخامس من ربيع الأول، وصل رسول الله ﷺ وصحبُه إلى قرية الأَرْج. ثم تابعوا مسيرَهم حتى دخلوا إلى وادي رِيم. ومن هذا الموضع، التقى أبو معبد زوجُ أمّ معبد، برسول الله ﷺ. ومن أمره أنّه عندما سمع من أمّ معبد وصْف الرجلِ الغريبِ الذي جاء في البيت، وأدرك فورًا أنه النبيّ المنتظر، فأسرع لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قطع مسافة تُقارب 170 كيلومترًا ليصل إلى هذا الوادي، وهناك تعرّف على النبي ﷺ وأسلم في الحال. وكان اسمه أَكثَم بن عبد العُزّى.
بينما كانت القافلة تواصل رحلتها، اعترى أبا بكرٍ رضي الله عنه خاطرٌ شغَل بالَه؛ كيف نعامل – عندما نقترب إلى المدينة - لئلا يعرف الناس بسرعة أنّ هذا هو رسول الله؟ وكيف نجيب إذا سألوا عن الركب؟ فإنّ الكذب لا يجوز! فوصل أبو بكر إلى حيلة لطيفة، فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم رديفا على الناقة، فإذا سُئل مَن أنت؟ يقول: باغي أي طالب حاجة، وإذا سُئل مَن رديفُك؟ يجيب : هادٍ أي يهدينى الطريق يعني طريق الخير، لأنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر أشغِل الناس عنّي.
روى البخاري حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ يُعْرَفُ، وَنَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَابٌّ لَا يُعْرَفُ، قَالَ: فَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ فَيَقُولُ يَا أَبَا بَكْرٍ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ، قَالَ: فَيَحْسِبُ الْحَاسِبُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي الطَّرِيقَ وَإِنَّمَا يَعْنِي سَبِيلَ الْخَيْرِ .
اقتربت الهجرة إلى هدفها النهائي. في صباح يوم الاثنين، الموافق 19 سبتمبر، تناول النبي ﷺ ورفاقه وجبة الفطور في منطقة الجثجاثة، ثم تابعوا سيرهم عبر الطريق المؤدي إلى جهة الشمال الشرقي من منطقة قُبَاء إلى طريق الظبي. وصلت مسيرة الهجرة إلى اليوم الثامن والأخير،وعندما اقترب الركب من مشارف المدينة، تابعوا المسير عبر طريق الظبي، وهو طريق يوصل إلى منطقة العُصْبَة، ويمرُّ بمساكن بني أُنيف، وأخيرا إلى المحطة النهائية وهي قباء.
وحين اقتربوا من قباء، انعطفوا شرقًا باتجاه جبل عِير ، ثم اتجهوا شمالًا نحو قباء، إلى أن وصلوا إلى جبل عِير، الذي يُعدّ من الحدود الطبيعية للحَرَم المدني. أثناء رحلته إلى قباء انتقل الرسول ﷺ بالقرب من منطقة بني أُنيف الواقعة في منطقة العُصْبَة هو أحد الأحياء القديمة المعروف بأنه كان مستقراً لقبائل الأنصار، ولاحظ المؤرخون أنه أحد أول المناطق التي نزل بها المهاجرون من مكة حين وصلوا المدينة. ويقع مسجد العصبة التاريخي بالعصبة بقباء، بمحافظة المدينة المنورة، ويعرف بمسجد التوبة أومسجد النور أو مسجد بني جحجبا، ويعدُّ من المساجد المأثورة التي صلى فيها النبي ﷺ وقد بُني هذا المسجد قبل وصوله إلى المدينة واتخذه بنو جحجبا مسجدًا لهم وكان يؤمهم فيه سالم مولى أبي حذيفة. وهنا أيضا بئر الهُجيم أو بئر جحجبا، هي بئر أثرية، في المدينة المنورة، وهي مجاورة من مسجد العُصْبة .
قبل الوصول إلى قباء مرّ الركب بالقرب من دِيَار بني أُنيْف، حيث أنشئ هناك مسجدهم المعروف بمسجد بني أُنيْف أو مسجد مُصبِّح، لما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى فيه الصبح، عندما جاء مهاجرا إلى المدينة، ورد أيضا أن النبي ﷺ أتى هذه المنطقة زائراعندما مرض الصحابي طلحة بن البراء رضي الله عنه.





