روي عن علي بن طالب رضي الله عنه قال: ما علمتُ أحدا هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب، فإنّه لما همّ بالهجرة، تقلّد سيفه، وتنكّب قوسه وانتضى في يده أسهما، وأتى الكعبة وأشرافُ قريش بفنائها، فطاف سبعا، ثم صلّى ركعتين عند المقام، ثمّ أتى حلقهم واحدة واحدة، فقال: شاهت الوجوه، من أراد أن تثكله أمّه وييتّم ولده، وترمل زوجتَه.. فليلقني وراء هذا الوادي، فما تبعه منهم أحد.
عن عبد الله بن عمر ، عن أبيه عمر بن الخطاب ، قال : اتعدت ، لما أردنا الهجرة إلى المدينة ، أنا وعياش بن أبي ربيعة ، وهشام بن العاصي بن وائل السهمي التناضبَ من أضاة بني غفار ، فوق سرف ، وقلنا : أيّنا لم يصبح عندها فقد حُبس فليمض صاحباه . قال : فأصبحتُ أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب بسرف ، وتأخر عنّا هشام ، فعلمنا أنه قبضه وحبسه المشركون.
فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء ، وخرج خلفنا أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى المدينة، حتى قدما علينا المدينة ، فقالا لعياش: إن أمَّك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك ، ولا تستظل من شمس حتى تراك ، فعليك أن ترجع إلى مكة، فصدّقهما عياش بما كان بينهم قرابة، فرقّ لأمها وأراد أن يرجع معهما ، يقول عمر فقلتُ له : يا عياش ، إنه واللهِ ما أراد القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم ، فوالله لو قد آذى أمك القملُ لامتشطت ، ولو قد اشتد عليها حرّ مكة لاستظلت، فقال : أبرّ قسم أمّي ، ولي هنالك مال فآخذه . فقلت: والله إنّك لتعلم أنّي لمن أكثر قريش مالا ، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما . قال : فأبى علَيّ إلا أن يخرج معهما ؛ فلما أبى إلا ذلك ، قلت له : أما إذ قد فعلتَ ما فعلتَ ، فخذ ناقتي هذه ، فإنها ناقة نجيبة ذلول ، فالزم ظهرها ، فإن رابك من القوم ريب ، فانج عليها . فخرج عليها معهما ، حتى إذا كانوا ببعض الطريق ، قال له أبو جهل : يا ابن أخي ، والله لقد استغلظت بعيري هذا ، أفلا تعقبني على ناقتك هذه ؟ قال : بلى . قال : فأناخ ، وأناخا ليتحول عليها ، فلما استووا بالأرض عدَوا عليه ، فأوثقاه وربطاه ، فلما دخلا به مكة موثَّقًا، نادى أبو جهل: يا أهل مكة، هكذا فافعلوا بسفهائكم، كما فعلنا بسفيهنا هذا. ثم حبسه مع هشام بن العاص في بيت بلا سقف.
وفي هذا السياق نزلت الآيات من سورة الزمر: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ۚ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ، وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِن رَبِّكُمْ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ. ( الزمر: 55 -53)
يقول عمر رضي الله عنه: عندما نزلت هذه الآيات، كتبتُها على لوح، وأرسلت بها إلى هشام بن العاص. ويقول هشام: تلقّيت الرسالة عند باب داري، ولم أفهم معناها فورًا. فدعوتُ الله أن يشرح لي معناها. ثم قرأتها بتدبّر، ففهمت أنّها تتحدث عنّا. فذهبت إلى ناقتي، وركبتها، وتوجّهت إلى حضرة النبي ﷺ.
يقول ابن هشام في تاريخه جانبا آخر لهذه الحادثة، حيث يقول : حدثني من أثق به: أن رسول الله ﷺ قال وهو بالمدينة: من لي بعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص؟ فقال الوليد بن المغيرة: أنا لك يا رسول الله بهما. فخرَج إلى مكة مستخفياً، فالتقى امرأةً تحمل طعاماً، فسألها: إلى أين أنتِ يا أمة الله؟ فقالت: أريد الوصول إلى هذين المحبوسين – (تقصد عياشا وهشاما) فاتّبعها حتى عرف موضعهما، فكانا محبوسين في بيت بلا سقف. فلما صارت الليلة، تسلّق عليهما، ثم أخذ مروة (حجارة) ووضعها عند قيديهما، ثم ضربهما بسيفه فقطعهما. فكان الناس يدعون سيفه: ذو المروة. ثمّ حمّل الوليدُ عيّاشا وهشاما على بعيره وساقهما، حتى تعثّر فجُرح إصبعه. فقال: هل أنت إلا إصبعٌ دميت – وفي سبيل الله ما لقيتَ! ثم أتى بهما إلى المدينة، ولقّاهما رسول الله ﷺ.
واصلت هجرة الصحابة إلى المدينة انفرادًا وجماعةً. وقد حاولت قريش إعاقة بعضهم وإرجاعهم إلى مكة، ومنهم: صُهَيْب بن سنان الرومي،عندما قرر صُهَيْب الهجرة مع الصحابة، استوقفه مشركو مكة بسبب ثروته التي كسبها بالتجارة. قالوا له: ألم تكن فقيرًا حين قدمت من الروم؟ ثم ارتفعت ثروتك هنا، فلن نسمح لك بالمغادرة ومعك مالُك .رد صُهَيْب بثبات وعزيمة: خذوا كلَّ مالي، دعوني أرحل إلى المدينة .فوافقوا، فترك لهم كلَّ ما يملك، ثم انطلق إلى المدينة، حتى وقبيل مسجد قباء، قابله النبي ﷺ وفرح بصدقه وقال له: لقد ربحتَ يا صهيْب، لقد ربحتَ!





