مضى أحد عشر عاماً بعد النبوة. كانت ليلة السابع والعشرين من شهر رجب ليلةَ عزاء وسلوى للنبي ﷺ، الذي مرَّ بتجارب قاسية في طريق الدعوة. لقد كانت ليلة المواساة، حين دعا خالقُ الكونِ النبيَّ ﷺ إلى المقام الأعلى، وهيّأ له فرصةً لمناجاة ربّه عزّوجلّ. فجرى الإسراءُ والمعراجُ ليكون ذلك دعما ومواساة في مسيرته الدعوية.
الإسراء: هو رحلة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام بمكّة إلى المسجد الأقصى بمدينة القدس في جزء من اللّيل، ثمّ رجوعه من ليلته في وقتٍ قصير وبطريقة إعجازية. وسمّى الله السورة رقم 17 من القرآن الكريم باسم « الإسراء»، وتشير الآية الأولى من هذه السورة إلى حادثة الإسراء حيث يقول تعالى : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. ( الإسراء: 1). أمّا المعراج: هو إصعاده صلى الله عليه وسلم من المسجد الأقصى إلى السموات السبع، وما فوق السبع من السدرة المنتهى والبيت المعمور، حيث فرضت فيه الصلوات الخمس، ثم رجوعه إلى بيت المقدس في جزء من الليل، وتشير الآيات رقم : 18- 1 من سورة النجم إلى هذا الحدث العظيم.
وقع الإسراء والمعراج للسابع والعشرين من شهر رجب، في السنة الحادية عشرة من النبوة. فقد انتقل النبيّ ﷺ من المسجد الحرام في مكّة إلى بيت المقدس على دابّة خاصة تُسمّى «البُراق»، ومعه جبريل عليه السلام مرافقًا له في الرحلة. وفي المسجد الأقصى، صلّى النبيّ ﷺ بالأنبياء إمامًا ، حيث حضر هناك جميع الأنبياء من الأمم السابقة.
ثم عرج النبي ﷺ مع جبريل إلى العوالم العلوية من فوق الصخرة المميزة داخل قبّة الصخرة الواقعة في ساحة المسجد الأقصى، فلمّا وصلا إلى السماء الدنيا فاستفتح له جبريل، ففُتح له، فرأى هنالك آدم أبا البشر، فسلّم عليه، فرحّب به، وردّ عليه السلام، وأراه الله أرواح الشهداء عن يمينه، وأرواح الأشقياء عن يساره.
ثم عرج به إلى السماء الثانية، فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم، فلقيهما وسلّم عليهما. ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف، فسلّم عليه ، فردّ عليه ورحّب به. ثمّ عرج إلى السماء الرابعة، فرأى فيها إدريس، فسلّم عليه ورحّب به، ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فرأى فيها هارون بن عمران، فسلّم عليه ورحّب به. ثم عرج به إلى السماء السادسة، فلقي فيها موسى بن عمران، فسلّم عليه ورحّب به، فلمّا جاوزه بكى موسى، فقيل له ما يبكيك؟ فقال : أبكي لأنّ غلاما بُعث من بعدي يدخل الجنة من أمّته أكثرَ ممّا يدخلها من أمّتي. ثمّ عرج به إلى السماء السابعة، فلقي فيها إبراهيم عليه السلام، فسلّم عليه ورحب به. ثم رفع إلى شجرة تسمّى بسدرة المنتهى ، ثم رفع إلى البيت المعمور، وهو بيت مبارك يحجّ إليه سبعون ألف ملك كلّ يوم، ولا يعودون إليه مرّة ثانية، ويستمرّ هذا حتى القيامة. ثمّ عرج به إلى الرحاب القدسيّ جل جلاله، حتّى سمع خرير الأقلام التي تُكتب بها أوامرُ الله ومقاديره.
بلغَ النبي ﷺ المقامات العُليا المخصّصة للمناجاة مع الله تعالى، حيث جرى هناك أدنى لقاء بين العبد وربّه. خاطب النبي ّﷺ ربّه بكلمات التحيات المباركة؛ التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، فتلقّى النبيّ صلى الله عليه وسلم تحية ردٍّ من عند الله تعالى ؛ السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته، وفُرضت الصلوات لأمّته خمسين صلاة كلّ يوم، كهدية من عند الله تعالى . وعند عودته، التقى بموسى عليه السلام، فأخبره عن فرض خمسين صلاة، فقال له موسى عليه السلام: إنّ أمّتك لن تطيق ذلك، فارجعْ إلى ربّك فاسأله التخفيف. فاستشار النبيّ ﷺ جبريل عليه السلام، ثم عاد إلى الله مرارًا يطلب التخفيف. تكرّر هذا الذهاب والإياب تسع مرّات، وفي كلّ مرة خفّف الله عددَ الصلوات، وأخيرًا، تقرّر أن تكون خمسَ صلوات فقط في يوم وليلة تعدل خمسين صلاة.
وعندما اقترح موسى عليه السلام مرّة أخرى أن يسأل الله مزيدًا من التخفيف، قال النبي ﷺ: سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ. ثم عاد النبي ﷺ مكرّمًا بهذه الهديّة العظيمة. هكذا أصبحت الصلواتُ الخمس مفروضةً من الله تعالى بدل خمسين صلاة في يوم وليلة.
في رحلة المعراج، شاهد النبيّ ﷺ كثيرا من العجائب. ورأى أحوال العاصين وأهوالهم وكيفية عذابهم في جهنّم بسبب ما ارتكبوا من الآثام والمظالم. ومنهم الذين اقترفوا الكبائر، مثل الزنا وأكل أموال اليتامى وغيرها من الجرائم الخطيرة.
بعد الانتهاء من الرحلة السماوية، عاد النبي ﷺ مع جبريل إلى بيت المقدس، ثمّ ركب الدابة وعاد إلى مكّة. وخلال العودة إلى مكة، صادف قافلة تجاريّة لقريش، وكان على ظهر أحد جِمالهم كِيسَانِ، أحدهما أسودُ والآخر أبيضُ. وعندما مرّ بقرب القافلة، اضطربت الجِمال، ورأى رجلاً من القافلة يقودُ ناقة ضالّة عن القافلة، فسلّم النبي ﷺ عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت محمد؟
قبل الفجر بقليل وصل النبي ﷺ في مكة. لم يكن هناك أي احتمال أن يُصدّق المشركون هذا الخبر العجيب. فاحتار النبي ﷺ في أمره. يقول ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لمّا كانت ليلة أُسري بي إلى السماء أصبحتُ بمكة فضِقتُ بأمري وعرفتُ أنّ الناس يكذّبوني. فبينما يقعد النبيّ صلى الله عليه وسلم معتزلا حزينا، مرّ به أبو جهل فجلس إليه فقال كالمستهزئ: هل استفدتَ من شيء؟ قال: نعم، أُسري بي الليلة، قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس. قال أبو جهل: ثمّ أصبحتَ بين أظهرنا؟ قال: نعم. قال: أتحدّث قومَك بما حدّثتَني به؟. قال: نعم. قال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلمّوا!، فانقضّت المجالس وجاءوا حتّى جلسوا إليهما.
قال أبو جهل: حدِّث قومَك بما حدّثتَني قال: نعم، أُسري بي اللهُ، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس. قالوا: ثمّ أصبحتَ بين أظهرنا؟ قال: نعم. فبقي النّاس بين مصفّق وبين واضع يدَه على رأسه متعجّبا. فقال مطعم بن عدي: كلّ أمرك قبل اليوم كان مقبولا غير قولك اليوم، أشهد أنّك كاذب، نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مُصعدًا شهراً ومُنحدرًا شهراً، تزعم أنّك أتيته في ليلة! واللات والعزى، لا أصدّقك وما كان هذا الذي تقول قطّ.فقال له أبو بكر : يا مطعم ، بئس ما قلتَ لابن أخيك ، جبهته وكذّبتَه ، أنا أشهدُ أنّه صادق أمين.
ثم طلب القوم من النبي ﷺ أن يصف بيت المقدس، وكانوا يعلمون أنّه لم يسافر إليه من قبل أبدا، بينما كان منهم من زاره مرارًا. فبدأ النبي ﷺ يصفه لهم بكلّ دقّة: عدد درجاته، أبوابه، وعدد أبوابه في كلّ جهة، وبُعدَه عن الجبل القريب، وغير ذلك من التفاصيل. وصار أبو بكر كلّما وصف شيئًا يقول مؤكدًا قوله :صدقْتَ، صدقت، أشهد أنكَ رسول الله.
واعترف القوم جميعا أن ما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسراء صِدق وواقع. رغم كل هذا، سعى رجل من المشركين إلى أبي بكر، فقال له: أو تصدّقه أنّه ذهب إلى بيت المقدس، وجاء في ليلة قبل أن يصبح؟ قال: نعم، إني أصدّقه بما هو أبعدُ من ذلك، أصدّقه بخبر السماء في غدوة أو روحة. وهذا التصديق الجازم والإيمان الراسخ والثبات على الحقّ صار سببا لتلقيبه باسم «الصدّيق».
ثم عاد الناس ليسألوا النبي ﷺ عن أمور أخرى، فقالوا: يا مطعم! دعنا نسأله عما هو أغنى لنا من بيت المقدّس، يا محمد! أخبرنا عن عيرنا، قادمة من الشام إلى مكة، هل صادفتَها في طريقك؟ وأين بلغت الآن؟ ومتى تصل إلى مكة؟ فقال النبي ﷺ: نعم، أتيت على عير بني فلان بالروحاء قد أضلّوا ناقة لهم ، وانطلقوا في طلبها ، فانتهيتُ إلى رحالهم ليس بها منهم أحد ، وإذا قدح ماء فشربتُ منه ، فسلُوهم عن ذلك.
فرأيت قافلة فلان، يقدمها جمل أسود ، عليه غِرَارتانِ من البضائع؛ إحديهما سوداء والأخرى بيضاء. لقد وصلوا البارحة إلى التنعيم (موضع على بُعد سبعة كيلومترات تقريبًا من مكة المكرمة، عند حدود الحرم المكي) ويفترض أنّهم الآن في الثنيّة ( أحد مداخل المسافرين إلى مكة المكرمة)، فسأل القوم: ومتى سيصلون إلى مكة؟ قال النبي ﷺ:غالبًا يوم الأربعاء. فانتظر الناس حتى يوم الأربعاء. ومرّ النهار ولم تصل العير، حتى لم يبق من النهار إلا ساعة، ففجأة ظهرت العيرُ كما وصف النبي ﷺ، ووجدوا فيها كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من وصف البعير والكيسين والبضاعة. ومع ذلك، لم يصدّقو الحقّ، ولم يهتدوا إليه، بل أعادوا قولهم السابق: هذا سحرٌ مبين.





