يُعَدّ ديفيد أ. كينغ (David A. King) من أبرز الأكاديميّين البريطانيين الذين تناولوا بالدراسة الأصيلة تاريخ العلوم الإسلامية وحضارتها، ولا سيّما علم الفلك الإسلامي. ومن أهم أعماله في هذا المجال كتابه الموسوعي ذي المجلدين: In Synchrony with the Heavens: Studies in Astronomical Timekeeping and Instrumentation in Medieval Islamic Civilization ، الذي خصّصه لدراسة ضبط الزمن والأدوات الفلكية في الحضارة الإسلامية الوسيطة. وفي مقدمة المجلد الأول، يوضح كينغ بجلاء ما يميّز الدراسات العلمية عند المسلمين، ومدى أصالتها، فيقول ما خلاصته: إنّ تصورًا شائعًا قد انتشر بين بعض مؤرخي العلوم، بل وفي أوساط الرأي العام، مفادُه أنّ التقدم العلمي عند المسلمين لم يكن أصيلًا، وأنّ دورهم اقتصر على ترجمة التراث السابق إلى العربية وإعادة صياغته فحسب.
ويمضي ديفيد أ. كينغ في تفنيد هذا التصور، مؤكدًا أنّه تصوّر خاطئ من أساسه. فصحيح أن المسلمين ورثوا تقاليد معرفية يونانية وفارسية وهندية، غير أنّ مسيرتهم العلمية لم تكن مجرّد امتدادٍآليّ لتلك التقاليد، كما يُصوَّر أحيانًا. بل إنّ المسلمين – على حدّ تعبيره – قاموا بإنشاء علوم جديدة، وأسّسوا مناهج مبتكرة، وحقّقوا اكتشافات أصيلة ظلّ عطاؤها متواصلًا بلا انقطاع حتّى القرن الخامس عشر الميلادي، واستمر تأثيرها العلمي والفكري إلى حدود القرن التاسع عشر. وقد تركزت غالبية هذه الإنجازات في العالم الإسلامي الشرقي، ولا سيما في مراكز العلم الكبرى مثل بغداد والقاهرة.
ويؤكد كينغ أنّ النهضة الأوروبية في القرن التاسع عشر لم تكن حدثًا معزولًا، بل جاءت نتيجة مباشرة لدراسة الأوروبيين المتأخرين للإسهامات العلمية والتقنية العميقة التي قدّمها المسلمون في عصور سابقة، ثمّ الانطلاق منها نحو اكتشافات جديدة. ولهذا، حين بدأ الباحثون الأوروبيون في القرنين التاسع عشر والعشرين دراسة المجتمعات العربية والإسلامية بدافع علمي جادّ، أصابتهم الدهشة من حجم التقدم الذي أنجزه المسلمون في حقول العلم المختلفة.
وعند مقارنة التحوّلات التي شهدتها أوروبّا بعد القرن الخامس عشر – وهو القرن الذي يُنسب إليه عادة بدء النهضة الأوروبية – بما كان المسلمون قد حقّقوه قبل ذلك بقرون، تتجلى صورة مدهشة: إذ يظهر التقدّم العلمي الإسلامي شامخًا ومتقدمًا على نحو لافت، بما يكشف عن عمق أثره في تشكيل المسار اللاحق للحضارة الإنسانية.
وقد أفرد ديفيد أ. كينغ في هذين المجلدين، اللذين يناهزان الألف صفحة، عرضًا تفصيليًا للإنجازات الفلكية الإسلامية وللشخصيات العلمية التي قادتها. ولأجل ذلك أمضى قرابة عشر سنوات متنقلًا بين المدُن الإسلامية الكبرى، ولا سيما القاهرة، مقيمًا فيها، ومطالعًا مكتباتها ومجموعاتها النفيسة من المخطوطات.
وعلى الرغم من تصنيفه ضمن المستشرقين، فإنّ كتابات كينغ تخلو من النزعة الاستعلائية أو النظرة الاختزالية التي شاعت لدى كثير من المستشرقين. فقد تعامل مع التراث العلمي الإسلامي بمنهجية دقيقة، وحرص بالغ على التحقيق والتوثيق، وهو ما يميّز أعماله عن غيرها.
وفي المجلد الثاني من كتابه عن علم الفلك الإسلامي، يبيّن كينغ أنّ تنوّع الأدوات الفلكيّة التي ابتكرها المسلمون ودقّتها واستخداماتها العملية بين القرن التاسع والتاسع عشر، يكشف عن مستوى علميّ بالغ التقدم. ويؤكّد أن جميع الأدوات الفلكية التي استُخدمت في أوروبا حتى عام 1550م كانت، بشكل مباشر أو غير مباشر، مستندة إلى ابتكارات العلماء المسلمين. ويضرب مثالًا على ذلك بأداة قياس المسافات النجمية التي طُوّرت في أوروبّا في القرن السادس عشر، والتي تعود جذورها العلمية إلى اكتشافات الخوارزمي في بغداد في القرن التاسع.
وبعد عرضه لهذه الحقائق العلمية، ينتقد كينغ بوضوح المركزية الأوروبية في كتابة تاريخ المعرفة، التي منحت أوروبّا احتكار الريادة العلمية، وفي المقابل همّشت المنجزات الكبرى للحضارة العربية الإسلامية. ويشير إلى أنّ هذه الرؤية الأوروبية المتمركزة حول الذات قد لا تتأثر بسهولة بمثل هذه الدراسات، إلا أن توثيق الحقيقة العلمية يظلّ ضرورة لا غنى عنها.
ومع ذلك، فإنّ الجهود الأكاديمية الرامية إلى إنصاف التراث العلمي الإسلامي ما تزال متواصلة. ومن ثمارها صدور موسوعة ضخمة في ستة عشر مجلدًا عن الأدوات العلمية الإسلامية، نُشرت في مدينة فرانكفورت الألمانية. وقد أورد كينغ في أعماله قوائم بأسماء باحثين أوروبيين في ألمانيا وفرنسا وغيرهما ممن أسهموا في دراسة هذا المجال بجدية علمية.
ومن مؤلفات كينغ المهمة أيضًا كتابه: World-Maps for Finding the Direction and Distance to Mecca: Innovation and Tradition in Islamic Science ، الذي يتناول في عشرة فصول تطور علم رسم الخرائط في الحضارة الإسلامية. ويبيّن فيه كيف أسهمت الحاجة إلى تحديد اتّجاه مكة المكرّمة – بوصفها المركز الروحيّ للمسلمين – في تطوّر علم الجغرافيا ورسم الخرائط، سواء لتحديد المسافات أو الطرق البرية والبحرية.
ويشير كينغ إلى أنّ اكتشافات البيروني قبل نحو ألف عام قدّمت تصورًا دقيقًا لما ينبغي أن تكون عليه الخريطة العالمية. كما يوضح أنّ اهتمام أوروبّا الجادّ بالجغرافيا الإسلامية لم يبدأ إلا في القرن السادس عشر، وأنّ رحلات باحثين فرنسيين مثل جان شاردان وجان باتيست تافيرنييه إلى إيران في القرن السابع عشر كانت سببًا في تعرّفهم على مفاهيم خطوط الطول والعرض من خلال العلماء المسلمين. كما نُشرت جداول نصير الدين الطوسي الجغرافية في أكسفورد عام 1712م، وهو ما يعكس حجم التأثير العلمي الإسلامي في أوروبّا.
وهكذا، فإنّ ديفيد أ. كينغ – على الرغم من انتمائه الثقافي الأوروبي – يُعَدّ اليوم من أبرز العلماء المعاصرين الذين قدموا إسهامًا أصيلًا في إبراز التراث العلمي العربي الإسلامي، ونقله إلى العالم الحديث بموضوعية وإنصاف. ولا تزال معظم أعماله متاحة باللغة الإنجليزية، ويمكن تحميلها مجانًا عبر الإنترنت، مما يجعلها في متناول الباحثين والمهتمين في مختلف أنحاء العالم.



