يُعدّ علم الفيزياء من العلوم التي نشأت وتطوّرت على أساس المبدأ الكليّ القائل إنّ «كلّ موجود في الكون خاضع للتغيّر والتحوّل». وقد شهد هذا العلم ازدهارًا ملحوظًا في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، وكان لتلك الجهود أثرٌ بالغ في التمهيد لنهضة أوروبّا العلمية في العصور اللاحقة. وفيما يلي نتعرّف إلى بعض أعلام الفيزياء الذين أسهموا إسهامًا حاسمًا في بناء هذا العلم.
1- ابن الهيثم (965–1040م)
يُعدّ الحسن بن الهيثم من أبرز علماء الفيزياء في العصور الوسطى، ويُلقَّب عن جدارة بـ أبي علم البصريات. ولم يكن فيزيائيًا فحسب، بل كان أيضًا رياضيًا وفيلسوفًا وفلكيًا متمكنًا. صحيح أنّ بطليموس قدّم بعض الملاحظات الأوّلية في الفيزياء والبصريات، إلّا أنها بقيت متناثرة بلا نسقٍ علميّ متكامل، حتى جاء ابن الهيثم فأقام لهذا العلم بنيانه المتين على أسسٍ تجريبيّة دقيقة.
ويُنسب إلى ابن الهيثم وضع صياغة مبكرة لقانون الحركة (motion) حين قرّر أنّ: الجسمَ يستمرّ في حركته ما لم تؤثر فيه قوة توقّفه أو تغيّر اتجاهه، وهو مبدأ يلتقي في جوهره مع ما عُرف لاحقًا في الفيزياء الحديثة بقانون العطالة. كما كان ابن الهيثم أوّل من جعل علم الضوء (البصريات) علمًا قائمًا بذاته، قائمًا على الملاحظة والتجربة لا على الافتراض الفلسفيّ المجرد.
وقد تُرجِم كتابه العظيم «كتاب المناظر» إلى الإنجليزية سنة 1989 بعنوان The Optics of Ibn al-Haytham
على يد الأستاذ لتاريخ العلوم المتخصص في تاريخ البصريات والعلوم في الإسلام في العصور الوسطى. وأستاذ جامعة هارفارد آي. إي. صبرا (A. I. Sabra). وفي مقدمة هذا العمل أشار إلى حقائق علمية بالغة الأهمية، من أبرزها: أنّ أهم تطوّر شهده علم البصريات بعد بطليموس كان على يد ابن الهيثم، وأنّ عمق نظريّاته لم يُدرك إدراكًا كاملًا إلا في القرن الثاني عشر حين قام العالم الإيراني كمال الدين الفارسي بشرحها وتحليلها. وفي ذلك العصر نفسه ظهرت الترجمة اللاتينية لكتاب «المناظر» بعنوان Perspectiva، وكان لها تأثير هائل في علماء أوروبّا منذ القرن الثالث عشر. ومع أنّ مؤلفات بطليموس كانت مترجمة إلى اللاتينية قبل ذلك، فإنّها بهتت أمام قوة المنهج التجريبي والدقة التحليلية التي جاء بها ابن الهيثم.
وقد استند كبار علماء أوروبا في القرون الوسطى، مثل روجر بايكن الإنجليزي، وفيتيلو الألماني، وجون بيكَهام الفرنسي، في أبحاثهم حول الضوء والإبصار إلى أعمال ابن الهيثم اعتمادًا مباشرًا. وفي القرن الرابع عشر تُرجم «كتاب المناظر» أيضًا إلى الإيطالية، وظلّ عبر القرون اللاحقة مصدر إلهام لعلماء الفيزياء والرياضيات على السواء.
ابن الهيثم والظواهر الجوية والبصرية
لم يقتصر اهتمام ابن الهيثم على الضوء وحده، بل امتدّ إلى ما يُعرف اليوم بـ الظواهر الجوية (Atmospheric phenomena)، مثل الحرارة، وتكوّن السحب، وحركة الرياح. ومن أبرز اكتشافاته في هذا المجال تحديده أنّ الشفق المسائي ينتهي عندما يكون مركز الشمس على انخفاض يقارب 19 درجة تحت الأفق. كما قدّم تفسيرًا علميًا لتكوّن قوس قزح اعتمادًا على انكسار الضوء وانعكاسه في قطرات الماء.
أما في مجال الإبصار، فقد أحدث ابن الهيثم ثورة حقيقية. إذ كان الرأي السائد قبله يقول إنّ الرؤية تتمّ بخروج أشعة من العين إلى الشيء المرئيّ. غير أنّه، مستعينًا بمعارف الطبّ والتشريح، أثبت أنّ الرؤية تتمّ بدخول الضوء من الجسم إلى العين، وأنّ العين تعمل بوصفها عدسةً ضوئية تستقبل الأشعة وتعالجها داخل الجهاز البصري.
وبذلك وضع ابن الهيثم الأساس العلمي الحديث لفهم الضوء والرؤية، وفتح الطريق أمام تطوّر الفيزياء البصرية في الشرق والغرب على السواء.
2- أبو الريحان البيروني (973–1050م)
كان أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، المعاصر لابن الهيثم، أحد أعظم علماء فارس في القرن الرابع الهجري/الحادي عشر الميلادي. وقدّم إسهامات جليلة في الجغرافيا والفلك، كما كان له حضور بارز في الفيزياء الطبيعية. ورغم أنّ بعض مؤلفاته الفلسفية في الفيزياء قد فُقدت عبر العصور، فإنّ مراسلاته العلمية مع ابن سينا، التي وصلتنا لاحقًا، حفظت لنا ثروة كبيرة من تحليلاته الدقيقة في هذا المجال.
اتخذ البيروني موقفًا نقديًا واضحًا من تصورات أرسطو حول الحركة وطبيعة المكان، ورفض كثيرًا من مسلّماته. ويُنسب إليه أوّل تحديد علميّ دقيق لنصف قطر الأرض باستخدام الحسابات المثلثية، في إنجاز يُعد من أعظم ما وصل إليه علم القياس الأرضي في العصور الوسطى. كما خالف أرسطو في قوله بأزلية الكون، مؤكّدًا — من منطلق الرؤية الإسلامية — أن الكون مخلوق بإرادة الله، وأن قوانينه لا تقوم بذاتها استقلالًا عن الخالق.
وفي تحليله للتغيرات التي تطرأ على سطح الأرض، يقول البيروني: إنّ مركز ثقل الأرض يتبدّل تبعًا لتوزّع الموادّ على سطحها، وبهذا يمكن أن تتحوّل مناطق البرّ إلى بحر، ومناطق البحر إلى برّ. غير أنّ هذه التحولات وقعت في عصور سحيقة سبقت التدوين التاريخي، مما يجعل الجزم بتفاصيلها أمرًا متعذرًا. وهي رؤية تنطوي على وعي مبكر بفكرة ديناميكية القشرة الأرضية وتغيّرها عبر الأزمنة الجيولوجية الطويلة.
3- أبو الفتح الخازني ( 1115 – 1155م)
بعد البيروني وابن الهيثم، برز في ميدان الفيزياء عالمٌ كبير عاش في إيران في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، هو أبو الفتح عبد الرحمن الخازني. وقد تخصّص في الهيدروستاتيك (علم توازن الموائع) وفي الميكانيكا، وقدم أبحاثًا دقيقة في خصائص الأجسام والسوائل والوزن والكثافة.
يُعد كتابه الشهير «ميزان الحكمة» من أعظم ما أُلِّف في الفيزياء في الحضارة الإسلامية. فقد ناقش فيه قضايا القوة، والكتلة، والوزن، ومراكز الثقل، والجاذبية، بعد أن استعرض آراء من سبقه من علماء المسلمين، وأضاف إليها تحليلاته التجريبية الدقيقة.
ويرى عدد من الباحثين المعاصرين أنّ «ميزان الحكمة» كان له تأثير غير مباشر في تطوّر الفكر الفيزيائي الأوروبّي، بل ويذهب بعضهم إلى أنّه أسهم في تهيئة الأرضيّة الفكريّة التي قامت عليها لاحقًا فيزياء إسحاق نيوتن. فالعنوان الذي اختاره الخازني للفصل الأول من كتابه هو: المبادئ الأساسية للفيزياء والرياضيات، وهو عنوان يلتقي دلاليًا مع عنوان كتاب نيوتن الشهير في القرن السابع عشر: Mathematical Principles of Natural Philosophy. وكلاهما نظر إلى الجاذبية بوصفها قوة فيزيائية تحكم حركة الأجسام.
أما سيرة الخازني فهي لافتة في دلالتها الحضارية؛ إذ كان في الأصل عبدًا يونانيًا، فلمّا دخل في كنف الحضارة الإسلامية أُعتق، وانفتحت أمامه أبواب المعرفة. فنبغ في العلوم، وتأثر بإنجازات البيروني وسابقيه، ثم انطلق في أبحاثه الخاصة حتى أصبح أحد أعمدة الفيزياء والميكانيكا في عصره.
ويُعدّ كتاب ميزان الحكمة إلى اليوم من أعمق المؤلفات الكلاسيكية في الميكانيكا والهيدروستاتيك، وواحدًا من الشواهد الكبرى على نضج المنهج العلمي في الحضارة الإسلامية.



