شهدت العصورُ الوسطى نهضةً علميةً بارزة في ميدان الرياضيات، وكان في طليعة روّادها العالِمُ الفارسي محمد بن موسى الخوارزمي (ت. نحو 850م). فقد وضع بكتابه الشهير «المختصر في حساب الجبر والمقابلة» الأساسَ لعلم الجبر بوصفه علمًا قائمًا بذاته، بعد أن كانت الهندسة تمثّل المحور الرئيس للرياضيات عند الإغريق.
ومثّل منهجُ الخوارزمي تحوّلًا جذريًا؛ إذ نقل التفكير الرياضي من معالجة الأشكال الهندسية إلى تحليل المعادلات والرموز العددية، فاتحًا بذلك آفاقًا جديدة لتطبيق الرياضيات في شتى العلوم والمعاملات.
يُعَدُّ الجبرُ علمًا موحَّدًا يبحث في المقادير والعلاقات والبنى الرياضية، وقد أحدث ظهوره نقلةً نوعيةً في تاريخ الفكر الرياضي. فمن خلاله توسّعت دائرةُ الاستخدام الرياضي لتشمل مجالاتٍ لم تكن مطروقة من قبل، وأصبح لاحقًا أساسًا لتطوّر معظم الفروع الرياضية الحديثة.
ثم جاء بعده العالِمُ الفارسي أبو بكر الكَرَجي (ت. نحو 1029م)، فحرّر الجبر من اعتماده على الأساليب الهندسية، وأرسى دعائمه على منهجٍ حسابيٍّ عدديّ. ويُنسب إليه تطويرُ استعمال الرموز الجبرية، وإدخالُ مفاهيم القوى مثل x، x2،x3 فضلًا عن تنظيم تعليم الجبر وتأصيله في المؤسسات العلمية. وفي القرن الثاني عشر، برز الرياضيُّ السموأل بن يحيى المغربي، الذي عمّق مباحث الجبر ووسّع تطبيقاته، مسهمًا في ترسيخ منهجيته وتحليل عملياته بصورةٍ أدقّ وأكثر انتظامًا.
كما يُعَدُّ عمر الخيّام )ت. 1131م) من أعلام هذا الحقل؛ فإلى جانب شهرته الأدبية برباعيّاته، كان عالمًا رياضيًا متميّزًا. وقد اهتمّ بدراسة المعادلات التكعيبية وتصنيفها، ووضع طرائق هندسية لحلّها، مما مهّد لتطوّر نظرية المعادلات في الرياضيات.
وقد تابع هذا المسارَ العالِمُ شرف الدين الطوسي (ت. 1213م)، فعمّق دراسة المعادلات الجبرية، وفتح الباب أمام نشوء ما يُعرف اليوم بـ الهندسة الجبرية، حيث تُدرَس المنحنيات الرياضية باستخدام المعادلات الجبرية.
تطوّر الرياضيات في ظل الإسلام
في القرن التاسع الميلادي، برز في بيت الحكمة ببغداد ثلاثةُ إخوة عُرفوا باسم بنو موسى، وقد عُدّوا من أعلام الرياضيات والميكانيكا في الحضارة الإسلامية. جمعوا بين التعمّق النظري في الحساب والهندسة، وبين الإبداع العملي في تصميم الأجهزة والآلات العلمية.
ومن تلامذتهم العالِمُ الكبير ثابت بن قُرّة (ت. 901م)، الذي كان من روّاد تطوير النظريات العددية. ومن أبرز ما اشتهر به اكتشافُ ما يُعرف اليوم بـ الأعداد المتآخية (Amicable Numbers)، وهي أزواج من الأعداد يرتبط كلٌّ منها بالآخر بعلاقةٍ حسابيةٍ خاصة.
وقد توسّعت هذه النظرية في القرن الثالث عشر على يد العالِم كمال الدين الفارسي، الذي توصّل إلى الزوج الشهير من الأعداد المتآخية: 17296 و18416. وقد ظلّت هذه الاكتشافات مرجعًا لعلماء الرياضيات في أوروبّا، واستند إليها لاحقًا علماء القرن الثامن عشر في أبحاثهم العددية.
وفي القرن العاشر الميلادي، شهدت الرياضيات الإسلامية ازدهارًا كبيرًا، وكان من أعلامها ابن الهيثم (ت. 1040م)، الذي أسهم في تطوير نظريات الأعداد والتحليل الرياضي مثل 2k-1. ومن نتائجه ما يُعدّ أصلًا لما عُرف لاحقًا في أوروبا بـ مبرهنة ويلسون (p-1) = -1 ، والتي نُسبت في الغرب إلى الرياضي الإنجليزي جون ويلسون في القرن الثامن عشر.
كما طوّر المسلمون في تلك الحقبة نظامَ الأرقام العربية الهندية الذي أدخل الصفر ضمن المنظومة العددية، مما أحدث ثورةً في العمليات الحسابية، وسهّل عمليات الضرب والقسمة والتعاملات التجارية. وقد انتقل هذا النظام إلى أوروبّا منذ القرن العاشر، وأصبح الأساس الذي قامت عليه الرياضيات الحديثة.
وقد دخلت هذه المعارف إلى أوروبّا عبر ثلاثة مسارات رئيسة:
1. عن طريق جربرت الأورليّاقي (Gerbert of Aurillac)، الذي درس في الأندلس ونقل علوم الحساب إلى روما.
2. عبر ترجمة كتاب الخوارزمي «الجبر والمقابلة» إلى اللاتينية على يد روبرت أوف تشستر.
3. ومن خلال العالم الإيطالي ليوناردو فيبوناتشي (ت. 1250م)، الذي تعلّم الرياضيات في شمال أفريقيا، ونشر في كتابه Liber Abaci منهج الأعداد العربية في أوروبّا.
زار ليوناردو فيبوناتشي مكتباتِ القاهرة والإسكندرية، وألّف باللاتينية كتابًا في الأرقام العربية. وقد أشار إلى هذه الحقائق عالمُ الرياضيات الأوروبي المعاصر كارل مننغر في كتابه «Number Words and Number Symbols».
وفي العصور الوسطى، تطوّرت الرياضيات في ظلّ الحضارة الإسلامية تطورًا شاملاً، حتى غدت علمًا قائمًا بذاته. ومع اعتماد الصفر وانتظام المنظومة العددية على أسسٍ دقيقة، انفتح أمام علماء المسلمين مجالُ الابتكار في مفاهيم جديدة، مثل دراسة الجذور التربيعية وغيرها من التطبيقات الجبرية والهندسية. وقد كان من أبرز روّاد هذا الاتجاه أبو الوفاء البوزجاني وعمر الخيّام.وفي القرن الخامس عشر، برز في سمرقند العالِمُ الفذّ جمشيد الكاشي، الذي وضع أسسَ الحساب العشري وطوّر طرائقَه بدقةٍ لافتة. وقد ظلّت أشكالُ الكسور العشرية التي توصّل إليها مرجعًا اعتمد عليه علماءُ أوروبّا في القرون اللاحقة، ومنهم روفيني وهورنر في القرن التاسع عشر.



