منذ أقدم العصور، ارتبطت معرفة الإنسان بالأرض برحلاته، وبمراقبته للسماء، وبمتابعته لتقلبات الطبيعة من مطرٍ ورياحٍ وتبدّل في أحوال المناخ والسطح. غير أنّ ظهور الإسلام شكّل منعطفًا جديدًا في هذا المجال، إذ فتح آفاقًا أوسع للملاحظة العلمية وللتفكير المنهجي في بنية الأرض والكون.
وكانت البحوث الجغرافية في العصور السابقة للإسلام، ولا سيما تلك التي أسهم بها اليونان والرومان، قد بلغت ذروتها، ثم بدأت في الأفول بحلول القرن الخامس الميلادي. ومع هيمنة الكنيسة على الحياة الفكرية في أوروبا، دخلت العلوم الطبيعية مرحلة من الجمود استمرّ قرابة قرنين. أمّا مع بعثة النبيّ محمد ﷺ، وما تبعها من انبعاث حضاريّ، فقد شهد علم الجغرافيا – في سياقه الإسلامي – نموًا غير مسبوق. فالقرآن الكريم زاخرٌ بالآيات التي تشير إلى بنية الأرض، وحركة الشمس والنجوم، ونظام الأفلاك، والبحار، والجبال، ممّا أرسى أساسًا معرفيًا وتأمليًا دفع المسلمين إلى استكشاف العالم الطبيعي بوعي علمي.
وقد كان من ثمرات هذا التوجيه القرآنيّ أن انبرى علماء مسلمون كبار إلى التأليف في شؤون الأرض والكون، فأسهموا في ترسيخ علم الجغرافيا بوصفه علمًا قائمًا على الملاحظة والتحليل.
ويشير الإمام جلال الدين السيوطي (ت 911هـ / 1505م) في كتابه الشهير «الإتقان في علوم القرآن» إلى أن! كثيرًا من آيات القرآن تتضمّن إشارات دقيقة إلى حقائق كونية وأرضيّة، مما يدلّ على عمق الرؤية القرآنية للكون والطبيعة.
وتجري الأبحاث في علم الجغرافيا في العصر الحديث من زاويتين متكاملتين: الأولى الجغرافيا الطبيعية، التي تعنى بدراسة الأرض والسماء والنجوم والكواكب والظواهر الفيزيائية المرتبطة بها. والثانية الجغرافيا البشرية (الأنثروبولوجية)، التي تبحث في علاقة الإنسان بالأرض من حيث التاريخ والمجتمع والعمران والتفاعل مع البيئة.
وقد انطلقت الجهود الجغرافية في الحضارة الإسلامية من القرآن والسنة، ثم تسارعت وتيرتها مع توسّع الدولة الإسلامية، ولا سيما في ظلّ الخلافة العباسية، حيث غدت بغدادُ مركزًا عالميًا للبحث والمعرفة. وفيما يلي نماذج من أبرز العلماء الذين أسهموا في تطوير الجغرافيا الطبيعية:
1- محمد بن جابر البتّاني (858 - 929م)
كان البتّاني من أعظم علماء الفلك والجغرافيا الرياضية في الإسلام، برع في رصد النجوم، وتحديد مواقع الكواكب، ودراسة ميل محور الأرض وحركتها. وقد وصفه الفلكيّ الفرنسي في القرن الثامن عشر لالاند بأنّه أعظم راصدٍ للنجوم عرفه التاريخ.
واعتمد العالم الإيطالي ريجيومونتانوس Regiomontanus في القرن الخامس عشر على جداول البتّاني الفلكية (الإفيميرس)، وهي الجداول التي استخدمها كريستوفر كولومبوس في رحلاته البحرية الكبرى، ممّا يبرز الأثر العملي الواسع لاكتشافات البتّاني في الجغرافيا والملاحة.
2- أبو الحسن عليّ بن الحسين المسعودي (896 -956م)
كان المسعودي، في القرن العاشر الميلادي، مؤرخًا وجغرافيًا موسوعيًا عاش في مصر، وطاف أقاليم شتى من العالم الإسلامي وخارجه. وقد درس بعناية ما ورد في المصادر اليونانيّة والرومانيّة عن الأرض، ثم أعاد صياغته في ضوء مشاهداته وتحقيقاته الخاصة.
سجّل المسعودي أوضاع الأرض والكواكب، وأسهم في تطور علم الجيومورفولوجيا (علم أشكال سطح الأرض)، حيث درس طبيعة الأقاليم المختلفة، وقارن بين تضاريسها ومناخاتها، ووضع تقارير دقيقة عن خصائصها. كما تناول ظواهر التعرية وتبدّل سطح الأرض عبر الزمن، وكتب عن الرياح الموسمية في الهند وما لها من أثر في الحياة الاقتصادية والبيئية.
وكانت كتاباته تنظر إلى الإنسان والطبيعة في إطارٍ واحد متكامل، سابقًا بذلك المفاهيم البيئية الحديثة التي تؤكّد أنّ نشاط الإنسان ينبغي أن يكون منسجمًا مع النظام الطبيعي، لا مدمّرًا له.
3- أبو الريحان البيروني (973 - 1039م)
ألّف أبو الريحان البيروني سبعةً وعشرين كتابًا في علوم الأرض والجغرافيا. ومن بينها أربعة كتب في علم بنية الأرض (الجيولوجيا)، وأربعة في الخرائط، وأربعة في علم المناخ، فيما تناولت بقية مؤلفاته موضوعات مثل المذنّبات وأعمال المساحة والقياس. وقد أمضى أربعين عامًا في الترحال المتواصل، باحثًا عن المعلومات الدقيقة المتعلقة بهذه العلوم. وهو أوّل من قرّر، بناءً على الملاحظة والتجربة، أنّ الضوء ينتقل أسرع من الصوت.
وفي كتابه الشهير «كتاب الهند» الذي ألّفه سنة 1030م، قدّم تفسيرًا علميًا للأحجار المستديرة المنتشرة في السفوح الجنوبية لجبال الهيمالايا، مبينًا أنّها اتخذت هذا الشكل نتيجة الجريان المستمرّ للمياه القادمة من الجبال عبر مدد زمنية طويلة. أمّا أعظم مؤلفاته على الإطلاق فيُعدّ كتاب «الآثار الباقية عن القرون الخالية»، حيث تناول فيه بالتفصيل أوضاع الأمم القديمة وحدودها الجغرافية وبنية أراضيها.
ويُعَدّ البيروني في نظر العلم الحديث أبا علم القياس الجيوديسي (Geodesy)، أي العلم الذي يبحث في شكل الأرض وأبعادها. وقد درس دراسة دقيقة الأحافير التي عُثر عليها في الجزيرة العربية وجرجان وخوارزم وسواحل بحر قزوين، وسجّل الفروق بينها، وانتهى إلى أنّ كثيرًا من المناطق التي هي يابسة اليوم كانت فيما مضى مغمورة بالمياه البحرية. كما رصد ظاهرة الفيضانات، وبيّن أنّ فيضان نهر النيل يعود إلى الأمطار الغزيرة التي تهطل على جبال القمر في قلب إفريقيا، حيث يؤدّي امتلاء المنابع هناك إلى طغيان النهر. ويقول المؤرخ الشهير جورج سارتون في وصفه: كان البيروني جغرافيًا وفيلسوفًا ذا عبقرية نادرة، وإنّ أكثر البحوث الجغرافية حداثةً في العصر الحديث تقوم في أساسها على مكتشفاته.
4- ابن سينا (980 - 1037م)
الحسين بن عبد الله بن سينا، المعروف بالشيخ الرئيس، كان عالمًا موسوعيًا فذًا من بخارى، برع في الطبّ والفلسفة والعلوم الطبيعية والفلك، يُعرف بكونه أحد روّاد الطبّ الحديث، حيث وضع أسسًا منهجية في التشخيص والعلاج، وألف موسوعات علمية غيرت مسار العلوم، أبرزها: القانون في الطب.
وهو من أبرز العلماء الذين أسهموا إسهامًا عميقًا في علم أشكال سطح الأرض (الجيومورفولوجيا)، وهو العلم الذي يدرس التغيرات التي تطرأ على القشرة الأرضية وخصائصها. وقد قرر أنّ تكوُّن الجبال يتمّ على صورتين رئيسيتين: إحداهما نتيجة الزلازل الكبرى التي تؤدي إلى ارتفاع أجزاء من سطح الأرض، والثانية بسبب فعل المياه والرياح التي تؤدي عبر الزمن إلى تراكم الصخور وتكوّن المرتفعات.
كذلك تكلم ابن سينا عن أن هناك علاقة بين السمع وتموج الهواء، فلولا هذا التموج لما كان هناك انتقال للصوت، ولا استماع له. ولقد اخترع ابن سينا آلة تشبه آلة الورنير التي تستعمل في زماننا لقياس أصغر من أصغر وحدة في قسم من أقسام المسطرة، لقياس الأطوال بدقة متناهية.
5- محمد الإدريسي (1100 - 1165م)
كان الإدريسي عالمًا جغرافيًا بارزًا، أصلحَ الأخطاءَ الكثيرة في نظريات بطليموس، وطوّر علم الجغرافيا على أساس الملاحظة الدقيقة والمعطيات الواقعية. وقد قدّم أوصافًا دقيقة لمصادر نهر الدانوب ونهر النيجر، كما رسم خريطة عالمية شهيرة، أبرز فيها بحر قزوين والمناطق المجاورة له بتفصيل بالغ الدقة.
6- أبو الفداء (1271–1331م)
يُعدّ أبو الفداء أحد ألمع الجغرافيين المسلمين في العصور الوسطى. وقد اشتهر كتابه في الجغرافيا «تقويم البلدان » الذي يُعرف أيضًا بتاريخ الإنسان وجغرافيته ، حيث قسّم مدن العالم المعروفة في عصره إلى ثمانيةٍ وعشرين إقليمًا، وذكر لكلّ مدينة خطّ عرضها، وخطّ طولها، وخصائص مناخها. وقد تُرجم هذا الكتاب إلى اللغات الأوروبيّة سنة 1650م، وكان له أثر بالغ في الدراسات الجغرافية الغربية.
7- ابن بطوطة (1308- 1368م)كان ابن بطوطة أعظم رحّالة في العالم الإسلامي، إذ جاب إفريقيا الغربية وشرق آسيا والعالم العربي، وسجّل في رحلاته التاريخ والجغرافيا وأحوال المجتمعات. وقد قطع ما يقارب 75 ألف كيلومتر، وهو رقم لم يُسبق إليه في عصره. ويُعد كتابه الشهيررحلة ابن بطوطة (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ) مصدرًا غنيًا للمعلومات في الجغرافيا الطبيعية، والزراعة، والاقتصاد، والعمران، وأحوال الشعوب.



