كيف أمكن للنهضة الأوروبية أن تتحقّق؟ هذا هو محور أبحاث المؤرّخ الأمريكي والمتخصّص في تاريخ العلوم والرياضيات جورج صليبا. وبعد دراسته في جامعة كولومبيا، وجّه اهتمامه إلى تتبّع تطوّر الأفكار العلمية من العصور القديمة إلى العصر الحديث. وفي سياق هذا البحث، وقف صليبا على عظمة الإسهامات العلمية التي قدّمها المسلمون، فأمعن النظر فيها، ووسّع دائرة دراسته، إلى أن توّج جهوده بتأليف كتاب عالمي الشهرة بعنوان:«الإسلام والعلم وتكوّن النهضة الأوروبية»، الصادر سنة 2007، والذي قامت بنشره معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، أحد أبرز الجامعات العلمية والتقنية في العالم المعاصر.
ولا يقتصر صليبا في كتابه على بيان أثر الاكتشافات العلمية للمسلمين في قرون التنوير الأوروبية فحسب، بل يبرهن – بالأمثلة والتحليل – على أن إنجازات علماء المسلمين في العصور الوسطى ما تزال، إلى يومنا هذا، تقف وراء تحوّلات علمية كبرى ذات طابع ثوري. وفي هذا السياق، يستشهد بأحد أعلام القرن العشرين، وهو عالم الرياضيات ومؤرّخ العلوم البارز أوتو إي. نويغباور(Otto E. Neugebauer,)، الذي كان من أبرز من درسوا أعمال نيقولا كوبرنيكوس دراسة دقيقة.
وأثناء بحث نويغباور في النظريات الكوبرنيكية، تعرّف إلى أعمال العالم والمهندس السوري الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي، ابن الشاطر. فبدأ بدراسة كتابه الفلكي الموسوم بـ «نهاية السؤال في تصحيح الأصول»، وهو من المصنّفات الرائدة في علم الهيئة. ولمّا لم يكن نويغباور متمكنًا من اللغة العربية، استعان بصديقه إدوارد كينيدي، أستاذ الجامعة الأمريكية في بيروت، لقراءة فصول الكتاب وتحليل مضامينه فصلًا فصلًا.
وقد أدرك نويغباور، من خلال هذا البحث، أنّ ابن الشاطر كان قد توصّل – قبل كوبرنيكوس بقرون – إلى فهم دقيق لحركات الشمس والقمر ونماذجها الرياضيّة، وأنّ هذه التصورات كانت، على نحو مباشر أو غير مباشر، عونًا لنيقولا كوبرنيكوس في بناء نظريته. وعلى إثر ذلك، كتب دراسة معمّقة بعنوان «نظرية ابن الشاطر في الشمس والقمر»، بيّن فيها بوضوح وجود ترابط علميّ ظاهر بين أعمال العلماء المسلمين واكتشافات كوبرنيكوس، رغم الفاصل الزمني الذي يقدَّر بمئتي إلى ثلاثمئة عام.
وقد توصّل نويغباور إلى هذه الحقيقة حين انتقل من المصادر الثانوية إلى النصوص الأصلية، لتنكشف أمامه معالم هذا الامتداد العلمي الواضح. وهنا يبرز السؤال المشروع : من الذي سعى إلى طمس هذه الحقيقة الجليّة، وإخفاء هذا الجسر المعرفي الممتد بين الحضارة الإسلامية والنهضة الأوروبية؟
أثارت هذه الاكتشافات فضول أوتو نويغباور وزادت من شغفه بالبحث، فانتقل إلى دراسة أعمق للتراث العلمي الإسلامي. فتناول بالتحليل الدقيق كتاب «التذكرة في علم الهيئة» للعالِم الإيراني الكبير في القرن الثالث عشر الميلادي نصير الدين الطوسي. وفي هذا المصنَّف عُرضت النظرية الرياضية الشهيرة المرتبطة بالحركة الدائرية، والتي عُرفت لاحقًا في تاريخ العلم باسم «ازدواجية طوسي» (Tusi Couple).
وعندما أخضع نويغباور أعمال نصير الدين الطوسي ونيقولا كوبرنيكوس لدراسة مقارنة معمّقة، تبيّن له وجود ترابط وثيق بين اكتشافاتهما؛ بل توصّل إلى نتيجة لافتة، مفادها أنّ الإشكالات التي لم يتمكّن الطوسي من حلّها، لم ينجح كوبرنيكوس نفسه في تجاوزها أيضًا، رغم الفاصل الزمني بينهما.
وفي دراسة علمية أجراها العالِم الألماني ويلي هارتنر سنة 1973، عقد مقارنة تفصيلية بين أعمال كوبرنيكوس ونصير الدين الطوسي. وبعد تقييم ما كتبه الطوسي في القرن الثالث عش، وما دوّنه كوبرنيكوس في القرن السادس عشر، خلص هارتنر إلى ملاحظة دقيقة قال فيها: « لم يتغيّر سوى ترميز الحروف المستخدمة في عرض النتائج، أمّا المضمون العلمي فواحد. فحيث استخدم الطوسي حرف الألف العربي، استخدم كوبرنيكوس الحرف اللاتيني (A)».
وانتهى هارتنر إلى استنتاج حاسم، وهو أن كوبرنيكوس كان على اطّلاع مباشر بأعمال نصير الدين الطوسي وبحوثه العلمية. ولأنّ كوبرنيكوس لم يكن يعرف العربية، فمن المرجّح أنّه اعتمد على الترجمات اللاتينية لمؤلفات الطوسي. بل إنّ الرسوم البيانية التي رسمها كلٌّ منهما لا تكاد تُظهر فروقًا جوهرية تُذكر.
ومنذ عصر التنوير الأوروبّي، سادت محاولات كبرى لصياغة سردية تاريخية تُقصي الإسلام عن مسار الحضارة الإنسانية، وتسعى إلى طمس إسهاماته، وتقديم أوروبّا بوصفها المركز الأوحد للمعرفة، مع اختزال ما قبلها في الإرث اليوناني-الروماني القديم. غير أنّ القرن العشرين شهد تحوّلًا نوعيًا؛ إذ بدأت دراسات متعمّقة ومتخصّصة في تاريخ كلّ علم على حدة، فانكشف ما كان مخفيًا ومغيّبًا طويلًا.
وعلى هذا الأساس، لم يعد نصير الدين الطوسي ولا ابن الشاطر مجرّد أسماء منسيّة في بطون المخطوطات، بل باتا، في نظر كثير من الباحثين الغربيين المعاصرين، عبقريتين علميتين من الطراز الرفيع، شكّلتا ركائز أساسية في البناء المعرفي الذي قامت عليه النهضة العلمية الحديثة.



