انتهج العلماء والحكّام المسلمون منهجًا علميًّا رصينًا يقوم على استيعاب المعارف النافعة التي توصّل إليها السابقون، وتمحيصها، وتصحيح أخطائها، والبناء عليها دون جمود أو تقديس أعمى. ومنذ القرن الثامن الميلادي، شهد العالم الإسلامي – ولا سيما في بغداد – نهضة علمية متعددة المستويات، كانت من أبرز تجلياتها الاكتشافات المدهشة في علم الفلك.
علم الفلك قبل الإسلام
يُعدّ علم الفلك من أقدم فروع المعرفة الإنسانية، إذ إنّ التأمل في السماء والنجوم سبق بكثير نشوء الدراسات المنهجيّة المنظمة. فقد شكّلت الأجرام السماوية مصدر دهشة وإعجاب لدى الإنسان القديم، ومع تطور الحضارات بدأ البشر يراقبون حركة الكواكب والنجوم، ويستخلصون منها استنتاجات مرتبطة بحياتهم ومعاشهم. وقد تطورت هذه الدراسات بطرائق مختلفة في عدّة مراكز حضاريّة كبرى، أبرزها: الهند، والصين، وروما، ومصر.
وخلال الفترة الممتدّة ما بين الألف الرابع قبل الميلاد والألف الأول قبله، ازدهرت حضارات كبرى في الصين والهند وبلاد الرافدين ومصر. وارتبطت الدراسات الفلكية آنذاك بالزراعة وتنظيم شؤون الحكم، فكان الناس يراقبون السماء لمعرفة مواسم الأمطار، وفيضانات الأنهار، وتقلّبات الحرارة والبرودة، ثم يدوّنون هذه الملاحظات بدقة متزايدة.
ومنذ الألف الثالث قبل الميلاد، تطوّرت دراسات فلكيّة ملحوظة في الهند في إطار حضارة وادي السند. وفي القرن الثاني قبل الميلاد، قام علماء في عهد سلالة «شونغا» الحاكمة في مملكة «ماغَدها» بتصنيف النجوم ووضع قوائم لها. ثم جاء العالم الهندي الكبير أريابهاتا (476–550م)، الذي قدّم إسهامات محوريّة في تطور علم الفلك، وخلّد اكتشافاته في كتابه الشهير «أريابهاتيا»، حيث عرض نظرياته الفلكية في 121 بيتًا شعريًا بالسنسكريتية.
وفي العالَم اليوناني، أسهم أرسطو إسهامات بارزة في علم الفلك، واشتهرت كتاباته في تفسير المذنّبات. وفي القرن الثالث قبل الميلاد بدأت محاولات منهجية لتصنيف النجوم، ثم بلغت ذروتها في القرن الثاني الميلادي على يد بطليموس، الذي صنّف في الإسكندريّة نحو 1022 نجمًا تصنيفًا دقيقًا. وتُعدّ أعمال بطليموس من أهمّ ما ورَثه العالَم قبل الإسلام في هذا المجال.
وكان النموذج السائد آنذاك هو النموذج المركزي للأرض (Geocentric Model)، القائل بأنّ الأرض هي مركز الكونِ وتدور حولَها الكواكب الأخرى، وهو الرأي الذي تبنّاه كلّ من أرسطو وبطليموس. كما قدّم هيبارخوس إسهامًا مهمًا بصناعته أوّلَ خريطة دقيقة نسبيًا للنجوم. وفي الصين، قامت أسرة شانغ الحاكمة (1600–1050 ق.م) بتصنيف النجوم وإطلاق أسماء عليها، ممّا يعكس عمق الاهتمام الفلكي في تلك الحضارة.
وهكذا، امتدّ تاريخ علم الفلك قرونًا طويلة تحت رعاية الإمبراطوريات الكبرى في العالم القديم. غير أنّ أوروبا شهدت منذ القرن الخامس الميلادي حالة من الركود العلميّ والفكريّ، عُرفت في التاريخ باسم العصور المظلمة، وكان من أبرز أسبابها انهيار الإمبراطوريّة الرومانيّة. ولم يستعدّ العالم زخمه العلمي الحقيقي إلا مع بزوغ فجر الإسلام، الذي أطلق حركة معرفيّة جديدة أعادت للعلم روحه، ومهّدت لنهضة فلكية غير مسبوقة في التاريخ الإنساني.
بدايات البحث الفلكي عند المسلمين
انطلق العلماء المسلمون في أبحاثهم الفلكية الدقيقة وهم يستحضرون التراث العلمي الذي خلّفه العالم اليوناني بطليموس، المتوفى في الإسكندرية سنة 168م، ولا سيما إسهاماته في علم الهيئة (الفلك). ولم يقتصر اعتمادهم على التراث اليوناني، بل أفادوا كذلك من المعارف التي راكمها الهنود والصينيون والفرس في هذا الميدان. وفي القرن الثامن الميلادي تُرجمت المؤلّفات الفلكية من اليونانيّة والفهلوية إلى العربية ترجمةً دقيقة مشفوعة بالشرح والتعليق، وكان من أبرز من قاد هذه الحركة العلمية أبو الحسن التميمي وأبو معشر البلخي، اللذان اضطلعا بدور مِحوري في الترجمة والتدوين والتفسير.
وقد انطلقت الدراسات الفلكية عند المسلمين بدوافع دينية وعقليّة متكاملة. يشير ستيفن ب. بلايك في كتابه «علم الفلك والتنجيم في العالم الإسلامي» الصادر عن جامعة إدنبرة، إلى حقيقة لافتة، مفادها أنّ ذكر الشمس والقمر والنجوم في القرآن الكريم أوجد لدى المسلمين وعيًا مبكرًا بحرَكات الأجرام السماوية، بوصف ذلك جزءًا من الممارسة الدينية اليومية.
ويضيف أنّ عددًا من الفرائض والشعائر الإسلامية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحركة الشمس والقمر والأرض؛ فبداية شهر رمضان تُحدَّد وفق التقويم القمري، وأوقات الصلوات الخمس مرتبطة بتغيّر مواضع الشمس في السماء، كما أنّ اتجاه القبلة نحو الكعبة المشرّفة في مكّة المكرّمة يحدّد هيئة الصلاة، وموضع الذبح، وطريقة دفن الموتى. وقد أسهمت هذه المتطلّبات الشرعيّة في صقل مهارات المسلمين في علم الفلك، ودفعهم إلى بلوغ درجة عالية مِن الإتقان فيه.
وخلال العصر العبّاسي، ومع اتّخاذ بغداد مركزًا للحكم والعلم، برز محمّد بن إبراهيم الفزاري (ت 806م) بوصفه أوّل فلكيّ رسميّ في الدولة العبّاسية. وفي عهد الخليفة أبي جعفر المنصور، استُقدم علماء من الهند كانوا متمكّنين من علوم الفلك، فتمّ الوقوف على معارفهم بدقّة، ثم نُقلت إلى العربية في إطار مشروع علمي منظّم. كما جرى البحث في التراث اليوناني والفارسي، وإعادة قراءته في ضوء القرآن والسنة، للتمييز بين الصحيح والزائف، والانطلاق نحو أبحاث جديدة أكثر دقة.
وقد وضع الفزاري أوّل الجداول الفلكيّة المنظّمة، التي غدت أساسًا لِما تلاها من دراسات في هذا العلم. ومن أشهر مؤلفاته كتاب «المدخل الكبير»، الذي تُرجم في القرن الحادي عشر الميلادي إلى اللاتينية واليونانية، وأثّر تأثيرًا بالغًا في تطور الفلك الأوروبي.
وكان من معاصريه يعقوب بن طارق، الذي قدّم بدوره إسهامات معتبرة في علم الفلك في بغداد. وفي عهد الخليفة المأمون (813–833م) حُظيت الدراسات الفلكية بدعم غير مسبوق، إذ وفّر الخليفة كلَّ الوسائل اللازمة لترجمة المؤلفات العلمية من مختلف لغات العالم إلى العربية. وكانت أمّهات الكتب الفلكية آنذاك مكتوبة باليونانية والسنسكريتية والفهلوية، فجُمعت ونُقلت إلى العربية عبْر حركة ترجمة واسعة النطاق.
غير أنّ هدف الخلفاء العباسيين والعلماء العاملين تحت رعايتهم لم يكن مجرّد جمع المعارف السابقة، بل السعي إلى فهم الكون بأقصى درجات الدقة، وتوظيف هذا الفهم في تحقيق اكتشافات جديدة. ومن ثمّ شهد علم الفلك منذ القرن التاسع الميلادي تطوّرًا غيرَ مسبوق في ظلّ الحضارة الإسلامية. ولم تقتصر هذه النهضة على بغداد وحدها، بل امتدّت إلى مصر، والأندلس، وإيران، وسمرقند، وغيرها من المراكز العلميّة الكبرى في العالم الإسلامي.
ومن أعلام القرن التاسع في هذا الميدان العالم الفارسي أبو العباس الحسن بن هاشم النيرِيزي، الذي ألّف بالعربية عملًا موسوعيًا مفصلًا عن آلة الإسطرلاب، في أربعة مجلّدات، تناول فيها: المدخل التاريخي والنقدي لتطور هذه الآلة، ووجوه تميّزها عن الأدوات السابقة، وطرائق استعمالها العملية في الرصد والحساب.
وكان من معاصريه في بغداد ثابت بن قرة (826–901م)، أحد أعلام العلم في عصره، الذي جمع بين الرياضيات والفلك على نحو فريد. كما برز جابر بن سنان البتّاني، الذي يعدّه كثير من المؤرخين أعظم فلكي في العصر الذهبي الإسلامي. وقد حظي كتابه المشهور في علم الفلك بانتشار واسع في الغرب، وكان من المؤلفات التي مهدت، عبر ترجمته إلى اللاتينية، لنهضة علم الفلك في أوروبا إبّان عصر النهضة. وتمكّن البتّاني، اعتمادًا على الرصد الدقيق لحركات الشمس والقمر، من وضع حسابات زمنية عالية الدقة، شكّلت خطوة حاسمة في تاريخ هذا العلم.
أبو مَعشَر البلخي ومن جاء بعده
كان أبو مَعشَر البلخي (777–886م) مشهورًا بين معاصريه بلقب «معلّم الأمة في معرفة تأثيرات النجوم»، لما بلغه من سعة العلم وعمق التأثير. وعلى الرغم من أنّه عاش في القرن الثامن الميلادي، فإنّ أثره الفكري تجاوز عصره، فامتدّ إلى العصور اللاحقة داخلَ العالم الإسلامي وخارجه، مؤثرًا في نظم الحكم والعلماء على السواء. ولم تقتصر إشعاعات عطائه العلميّ على الحضارة الإسلامية وحدها؛ إذ تُرجمت مؤلفاتُه ابتداءً من القرن الحادي عشر إلى اللغة اللاتينية على نطاق واسع، وأسهمت إسهامًا معتبرًا في التمهيد للنهضة الأوروبية.
وُلد أبو مَعشَر في مدينة بلخ الإيرانية، وهي حاضرة عُرفت بتنوعها الثقافي والديني، ومكانًا التقى فيه الهنود والصينيون والسريان والعرب. بدأ مسيرته العلمية بالاشتغال بعلوم العربية والفقه، ثم وسّع دائرة اهتمامه لتشمل الفلسفة والرياضيات وعلم الفلك، حتى غدا من أعلام هذه العلوم. خلّف نحو اثنين وأربعين مؤلفًا، من أبرزها كتاب «المدخل الكبير إلى علم أحكام النجوم»، الذي ترك أثرًا عميقًا في المشاريع العلمية اللاحقة، إذ اعتمد عليه العلماء في تنظيم المعرفة الفلكية وربطها بمنهج رياضي وفلسفي أكثر دقة.
وفي سياق هذا الامتداد العلمي، يبرز اسم محمد بن موسى الخوارزمي (780–850م)، أحد أعلام القرن التاسع الميلادي، الذي جاء في أعقاب أبي مَعشَر. وكان الخوارزمي من كبار علماء بيت الحكمة في بغداد في عهد الخليفة العباسي المأمون. وبيت الحكمة لم يكن مجرّد مكتبة، بل مؤسسة علميّة كبرى أُنشئت لتكون مركزًا للترجمة والبحث والتأليف، وملتقى للعلماء من شتّى الأديان والثقافات، ومختبرًا لتطوير العلوم العقلية والطبيعية.
انصبّ اهتمام الخوارزمي على الرياضيات وعلم الفلك والجغرافيا، وكان له فيها أثر بالغ. ويُنسب إليه تأسيس علم الجبر (al-jabr) بوصفه علمًا مستقلًا، إذ قدّم فيه منهجًا دقيقًا لتنظيم العمليات الحسابية والمعادلات. وقد تأثر في ذلك بتراث اليونان، ولا سيما بالمعارف الهندية التي تركت بصمة واضحة في أعماله. وانتقلت هذه العلوم لاحقًا إلى الأندلس، ومنها إلى أوروبّا الغربية، حيث شكّلت أساسًا للتطور الرياضي في العصور اللاحقة.
وفي مجال الفلك والجغرافيا، وضع الخوارزمي خريطةً للعالم اعتمد فيها على تحديد خطوط الطول والعرض، كما ألّف رسالتين موجزتين في شرح آلة الإسطرلاب وطرق استعمالها. وكان لتراث هندي قديم مكتوب بالسنسكريتية، هو كتاب «السندهند»، أثرٌ بالغ في هذا التطور؛ إذ أمر الخليفة أبو جعفر المنصور بترجمته إلى العربية بعد أن بلغه شأنه. وقد انبرى عددٌ من علماء الفلك لشرحه والتعليق عليه، غير أنّ شرح الخوارزمي كان أبرزها، لما تضمنه من توظيف منهجيّ للأعداد والجداول الحسابيّة، فاتحًا بذلك آفاقًا جديدة في البحث العلمي.
ومن أعلام القرن التاسع كذلك محمد بن كثير الفرغاني، الذي عمل في بيت الحكمة في عهد المأمون، وكان مهندسًا بارعًا إلى جانب كونه فلكيًا متميزًا. ومن أشهر إنجازاته تشييد مقياس النيل في جزيرة الروضة بالقاهرة، وهو بناء هندسيّ دقيق لقياس منسوب فيضان نهر النيل، لا يزال قائمًا إلى اليوم. وقد ازدادت شهرته بوصفه فلكيًا بعد دراسته التحليلية لأعمال بطليموس، التي أضاف إليها تصحيحات وملاحظات جديدة.
ويُذكر أيضًا محمد بن إبراهيم الفزاري، العالم العربي في الفلك والرياضيات والفلسفة، الذي وُلد في أسرة عربية عريقة بالكوفة، وخدم الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور منجّمًا بين سنتي 754 و775م. ووفقًا لما أورده المؤرخ الفلكي ابن الآدمي، فقد وصلت إلى بغداد سنة 770م بعثة علمية من الهند، كان من بينها عالم يحمل كتاب «المهاسدهانتا» في الفلك. فكلّف المنصورُ الفزاريَّ بترجمته إلى العربية، فأنجز ذلك تحت عنوان «السند هند الكبير».
ويُعدّ الفزاري أولَ من صنع في ظلّ الدولة الإسلامية جداول فلكيّة دقيقة لقياس مواقع النجوم، كما ألّف قصيدة علمية في الفلك بعنوان «قصيدة في علم النجوم»، جمع فيها بين البيان الأدبيّ والمعرفة العلميّة، في نموذج فريد يعكس روح العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، حيث التقت العلوم بالعقل، والدين بالكون، والشعر بالحساب.
موسى الخوارزمي
وُلِد محمد بن موسى الخوارزمي سنة 780م في إقليم خوارزم بآسيا الوسطى، وكان من ألمع علماء عصره في علم الفلك والجغرافيا والرياضيات. وبأمرٍ من الخليفة العباسي المأمون، اختير في سنٍّ مبكرة عضوًا في بيت الحكمة ببغداد، ذلك الصرح العلميّ الذي غدا مركزًا عالميًا للبحث والترجمة والتأليف.
وتتجلّى المكانة العلميّة للخوارزمي في أولى مؤلفاته الكبرى، مثل «الجبر والمقابلة» و«الزيج»، اللذين أهداهما إلى الخليفة المأمون. وقد واصل نشاطه العلميّ في عهدي الخليفتين المعتصم والواثق، وظلّ منخرطًا في مشاريع البحث والتطوير العلمي في الدولة العباسية.
ويُعدّ أشهر أعماله كتابه الذي أتمّه سنة 820م بعنوان «الكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة» ، وهو من أعظم المؤلفات في تاريخ الرياضيات. ومن لفظ الجبر الوارد في عنوانه اشتُق مصطلح Algebra في اللغات الأوروبية، ليغدو علمًا مستقلًا ذا أثر بالغ في تطوّر الفكر الرياضي العالمي. وقد شرح الخوارزمي في هذا الكتاب العمليات الحسابية الأساسية، مستخدمًا الأعداد من واحد إلى تسعة مع الصفر، وتناول الضرب والقسمة واستخراج الجذور التربيعية، فجعل من الرياضيات علمًا عمليًا يخدم التجارة والمعاملات اليومية إلى جانب قيمته النظرية. كما ارتبط بهذا العمل ظهور مفهوم الخوارزمية (Algorithm)، الذي أصبح لاحقًا حجر الأساس في علوم الحاسوب الحديثة.
وقد تُرجم هذا الكتاب إلى اللاتينية مرتين في القرن الثاني عشر، فكان من أهمّ الجسور التي عبرت منها العلوم الرياضية إلى أوروبا، وأسهم إسهامًا مباشرًا في تمهيد الطريق لعصر النهضة. ولا ريب أنّ الخوارزمي تأثّر في منهجه بالتراثين الهندي واليوناني، غير أنّه أعاد صياغتهما في قالب علميّ أكثر انتظامًا ودقة.
وفي ميدان الجغرافيا، وضع الخوارزمي خريطةً للعالم حدّد فيها مواقع الدول والمدن الكبرى، معتمِدًا على خطوط الطول والعرض. كما ألّف رسالةً عن التقويم الذي كان يستخدمه اليهود في عصره، وكتب رسالتين موجزتين في صناعة الإسطرلاب وطرق استعماله، ممّا يدلّ على إحاطته النظرية والتطبيقية بعلم الفلك.
وكان للتراث الهندي دورٌ محوريّ في هذا التطوّر؛ إذ إنّ الهنود هم أولُ من اعتبر الصفر عددًا مستقلًا، وبنوا عليه أنظمة حسابيّة متكاملة. ومع قدوم علماء الهند إلى بغداد، اطّلع علماء بيت الحكمة على هذه المناهج، وطوّروها في ضوء الرؤية العلمية الإسلامية. وكان الخوارزمي أبرز من استثمر هذا الإرث، فوضع به أسسًا جديدة في الفلك والرياضيات.
وقد امتد أثره إلى الأندلس، حيث اعتمد عليه في القرن العاشر الميلادي عالم الفلك الشهير مسلمة المجريطي (950–1007م)، الذي جعل من مؤلفات الخوارزمي مرجعًا أساسيًا في تطوير الدراسات الفلكية في مسلمي إسبانيا، ومن خلالها انتقل هذا الأثر العلمي إلى أوروبا، ليصبح الخوارزمي بحقٍّ أحدَ أعمدة الحضارة العلمية العالمية.
النهضة الفلكية في الأندلس المسلمة
دخل المسلمون شبهَ الجزيرة الإيبيرية سنة 711م، بقيادة طارق بن زياد، لتبدأ بذلك مرحلة تاريخية جديدة في الأندلس. ومع تعاقب الحكّام، ازدهرت البلاد سياسيًا وحضاريًا، وكان شغف المسلمين بالعلم والمعرفة من أبرز سمات هذا الازدهار. وكما ازدهرت الحرَكة العلمية في بغداد، شهدت الأندلس بدورها نهضةً معرفية فريدة. وقد تأسّس الحكم الإسلامي المستقلّ في الأندلس سنة 756م بتولّي عبد الرحمن الداخل (الأوّل) مقاليد السلطة، ثم بلغت الحضارةُ الأندلسية ذروة غناها العلميّ في عهدي عبد الرحمن الثاني (822–852م) وعبد الرحمن الثالث (916–961م).
قبل الفتح الإسلامي، كان ما عُرف في إسبانيا من علم الفلك مقتصرًا في معظمه على التراث البطلمي وبعض معارف العلم اليوناني. وقد استُخدمت تلك المعارف المحدودة في سياقات دينيّة وأساطيرية، كالتنجيم والتكهن وتأليه الأشخاص وربط الظواهر السماوية بالسحر والغيبيات. أمّا علم الفلك في المنظور الإسلامي، فكان علمًا قائمًا على الملاحظة الدقيقة والغاية المعرفية، يهدف إلى فهم نظام الكون وقوانينه، ولذلك لقي قبولًا واسعًا وانتشارًا كبيرًا في الأندلس.
وفي عهد عبد الرحمن الثالث، تحقّقت قفزات نوعية في علم الفلك. فقد استقر في قرطبة عدد من العلماء الذين تلقّوا تكوينهم العلمي في ظل الخلافة العباسية، وأسهموا في بحوث متقدمة في الفلك والرياضيات وحركات الأجرام السماوية. ويُعدّ مسلمة بن أحمد المجريطي (950–1007م) أبرز هؤلاء العلماء. هاجر إلى قرطبة في سنّ مبكرة، وتتلمّذ في علم الفلك والهندسة على يد عبد الغافر بن محمد، وتأثر تأثرًا بالغًا بمؤلفات الخوارزمي.
ومن إنجازات المجريطي أنّه نقل خطّ الزوال المرجعي (meridian) الذي كان معتمدًا في مدينة أُجَّيْن إلى قرطبة، وصنع عددًا كبيرًا من الخرائط الفلكية المعتمدة على دراسة أشعة الضوء. وقد جاءت نتائجه في هذا المجال أدقّ من نتائج الخوارزمي نفسه. كما ألّف في الحساب التجاري (commercial arithmetic) ، متناولًا مسائل البيع والضرائب، وقام بترجمة جداول بطليموس النجمية ( Planishaerium) إلى العربية.
وكان للمجريطي تلاميذ بارزون، من أشهرهم: حميد الدين الكرماني (ت 1021م)، وابن السمح (ت 1035م)، وابن الصفر (ت 1034م). وقد ألّف ابن السمح كتابًا ضخمًا في آلة الإسطرلاب، بلغ نحو مئة وثلاثين فصلًا.
وبعد المجريطي، برز في الأندلس عالم فلكي آخر لا يقل شأنًا، هو أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى الزرقالي (1029–1100م)، الذي افتتح مرحلة جديدة في الدراسات الفلكية. تميّز الزرقالي بأنّه عصاميّ التكوين، بدأ حياته صانعًا للآلات الفلكية، ثم لفتت عبقريّته وقدرته الابتكاريّة أنظار من حوله، فتهيأت له فرص البحث والرصد العلمي. وقد أنجز دراسات دقيقة حول حركات الشمس والقمر والكواكب والنجوم، وصمّم وصنع الساعة المائية الشهيرة في طليطلة.
ألّف الزرقالي رسالتين في آلة الإكواتوريوم ( equatorium)، وهي أداة تُستخدم لتحديد مواقع الشمس والقمر والكواكب. وبعد سقوط طليطلة، تُرجمت هذه الأعمال إلى الإسبانية في القرن الثالث عشر بأمر من الملك ألفونسو. وقد اعتمد الزرقالي في أبحاثه على الرصد الطويل والتحليل الدقيق، وشكّل فريقًا من علماء الفلك المسلمين واليهود، كلّفهم بمراقبة السماء لسنوات متتالية.
ومن أشهر آثاره الجداول الطليطلية التي ألّفها سنة 1080م بالعربية، غير أن نسختها الأصلية فُقدت، ولم يبق منها سوى الترجمة اللاتينية. وقد حظيت هذه الجداول، إلى جانب أعمال الخوارزمي، بشعبية واسعة في أوروبا منذ القرن الثاني عشر وطوال العصور الوسطى، واعتمدها فَلَكيّو إنجلترا وفرنسا وإيطاليا، لما امتازت به من دقة عالية، فاقت في جوانب كثيرة ما سبقها من أعمال.
كما ألّف الزرقالي سنة 1080م كتابًا بعنوان «مقالة جامعة في الشمس»، ثمرة خمسةٍ وعشرين عامًا من الرصد المنهجي المنتظم. وخلافًا لما ذهب إليه الفلكيون السابقون من ثبات موضع الأوج الشمسي، أثبت الزرقالي وجود حركة له، وهو ما أكّده العلم لاحقًا. وقد ناقش كوبرنيكوس في القرن السادس عشر بعض ملاحظاته المتعلقة بحركة الشمس. وكتب الزرقالي سنة 1085م كتابًا في النجوم، كما سجّل ملاحظات دقيقة عن حركة القمر بعد أكثر من ثلاثين عامًا من الرصد المتواصل، وألّف كتابًا في حركات الكواكب وتأثيراتها.
وفي القرن الثالث عشر، سعى ملك قشتالة ألفونسو العاشر (1252–1284م) إلى استيعاب التراث العلمي الإسلامي عبر الترجمة، فأنشأ مدرسة خاصة لنقل العلوم من العربية إلى الإسبانية. وتُرجمت في هذا الإطار أعمال الزرقالي وغيرها، وأُجريت على أساسها أبحاث جديدة، أسهمت إسهامًا مباشرًا في تشكيل ملامح النهضة العلمية الأوروبية في العصور الوسطى.
علم الفلك: الإسهامات الفارسية
بينما كانت بغداد، في ظلّ الخلفاء العباسيين، تشهد ثورة علمية متواصلة في ميدان علم الفلك، كانت أصداء هذا الحراك المعرفيّ تتردّد كذلك في بلاد فارس. ويُعدّ عبد الرحمن الصوفيّ (903–986م) أبرز الأعلام الذين أسهموا في تطوير هذا العلم هناك. عمِل الصوفي في بلاط الأمير عضد الدولة البويهي في شيراز، ضمن دولة بني بويه، وهي دولة إسلامية قامت على تحالف قبلي، وبسطت نفوذها على أجزاء واسعة من إيران والعراق خلال القرنين التاسع والعاشر الميلاديين، وأبدت اهتمامًا خاصًا بالبحوث الفلكية.
سار عبد الرحمن الصوفي على نهج من سبقه من علماء الفلك، فسعى في الأساس إلى مراجعة ملاحظات بطليموس وتنقيحها. وقام بإعادة تصنيف فهرس النجوم الذي وضعه بطليموس، وأثمر ذلك عن كتابه الشهير الذي ألّفه سنة 964م، «كتاب الكواكب الثابتة»، وهو عمل علمي جامع، ضمّ خلاصة الدراسات اليونانية والإسلامية في علم النجوم، وأضاف إليها تصحيحات دقيقة وملاحظات رصدية جديدة.
وفي عهد الأمير البويهي شرف الدولة، أُنشئ مركز خاص للرصد الفلكي، كان هدفه متابعة حركة السبعة الكواكب، أي الشمس والقمر والكواكب الخمسة المرئية بالعين المجردة. وقد زُوّد هذا المرصد، الذي شُيّد على نطاق واسع، بأفضل الآلات الرصدية المتاحة آنذاك. وفي هذا السياق برز العالم الفارسي أبو محمود الخُجندي (940–1000م)، الذي عمل تحت رعاية الدولة البويهية، وصمّم أعظم دائرة لخط الزوال في عصره، بلغ قطرها نحو عشرين مترًا، وكانت أداة محورية في تحسين دقة القياسات الفلكية.
ومن أعلام الفلك والرياضيات في فارس كذلك عمر الخيّام، الذي ذاع صيته لاحقًا شاعرًا، غير أنّه كان في الأصل عالمًا موسوعيًا جمع بين الرياضيات والفلك والفلسفة (1048–1131م). تلقّى تعليمه الأولي في نيسابور، ثم رحل سنة 1070م إلى سمرقند، حيث ألّف أول أعماله الكبرى بعنوان «كتاب في الجبر»، سجّل فيه ملاحظاته الخاصّة، وأبرز فيه آراء الرياضيين الهنود إلى جانب التراث الإسلامي. أمّا كتابه الثاني، فكان شرحًا معمّقًا لأصول الهندسة عند إقليدس.
وفي سنة 1074م، ومع تولّي السلطان السلجوقي ملك شاه الأول الحكم واتخاذه أصفهان عاصمة له، استُدعي عمر الخيّام إلى البلاط وعُيّن رئيسًا للفلكيين. وكان هدف السلطان إنشاء مرصد ضخم، مجهّز بآلات دقيقة، لتعويض النقص الذي عانى منه الفلكيون السابقون في وسائل الرصد. وضمّ المرصد ستة علماء فلك آخرين، وسعى الجميع إلى مراجعة وتحديث ما ورد في كتاب المجسطي لبطليموس.
وخلال هذه المرحلة، اقترح الخيّام نظامًا جديدًا للتقويم الشمسي، نال اعتماد الدولة، وعُرف باسم التقويم الجلالي. كما ألّف كتابين في الفلك، من أبرزها «الزيج الملكشاهي»، الذي صنّف فيه ألمع مئة نجم، بعد عمل بحثي استغرق خمسة عشر عامًا. غير أنّ وفاة السلطان ملك شاه سنة 1092م، وما أعقبها من فتور اهتمام الحكّام اللاحقين، أدّت إلى تراجع هذا المشروع العلمي الذي كان مرشّحًا لمزيد من التطوّر. وفي أصفهان ألّف الخيّام لاحقًا كتابًا بعنوان «تاريخ نوروز»، كما كتب بالفارسية مؤلفه المعروف «تاريخي فَلَلي».
ومن العلماء البارزين في فارس بعد ذلك عبد الرحمن الخازني، الذي عاش في عهد السلطان السلجوقي أحمد سنجر (1118–1153م). وأشهر أعماله كتابه الموسوعي «الزيج السنجري»، الذي ضمّ ملاحظات فلكية دقيقة استندت إلى رصد طويل الأمد للشمس والقمر والكواكب الخمسة الأخرى. وقارن الخازني نتائج رصده باستنتاجات العلماء السابقين، محلّلًا أوجه الاتفاق والاختلاف بينها.
وافتتح كتابَه بعرضٍ مقارن لأنواع التقويمات المعروفة آنذاك، مثل التقويم الهجري، والتقاويم اليهودية والهندية والمسيحية، موضحًا الفروق الحسابية والزمنية بينها. كما وضع جداول كوكبية مبتكرة، وأسهم ببحوث في موضوعات الجاذبية والآلات الفلكية، وصنع أدوات تمكّن من الرصد بالعين المجردة، إضافة إلى كرة سماوية تُظهر مواقع النجوم ومساراتها.
وفي أواخر القرن الثالث عشر، قام الأسقف الأرثوذكسي غريغوريوس خيونيادس بترجمة مؤلفات الخازني إلى اللغة اليونانية، بعد رحلته إلى تبريز سنة 1290م، وكان لذلك أثر بالغ في إحياء الاهتمام بعلم الفلك بين علماء القسطنطينية.
وخلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، شهدت فارس تطوّرًا ملحوظًا في ابتكار الأدوات المرتبطة بضبط الوقت، في إطار علم عُرف باسم علم الميقات. وقد ارتبط هذا العلم ارتباطًا وثيقًا بحاجة المسلمين إلى تحديد أوقات الصلوات الخمس بدقّة. وتخصّص في هذا المجال علماء عُرفوا بـالمُوَقِّتين، أعدّوا جداول حسابية دقيقة، وراعوا فيها اختلاف المواقع الجغرافية، فكان لجهودهم أثر بالغ في التنظيم الزمني للحياة الدينية والعلمية في الحضارة الإسلامية.
أبحاث نصير الدين الطوسي
يُعَدّ المرصدُ الذي أُسِّس في مدينة مراغة بإيران في القرن الثالث عشر الميلادي أحدَ أعظم المراكز الفلكية في العالم الأوراسي في العصور الوسطى، وقد تولّى الإشراف عليه العالمُ الفلكيُّ الموسوعي نصير الدين محمد بن محمد الطوسي (597–672هـ / 1201–1274م).
كان الطوسي من أعلام الفكر في العصر الوسيط، موسوعيَّ الثقافة، واسعَ الاطلاع، أتقن العربية والفارسية، وخلّف ما يزيد على مئةٍ وخمسين مصنَّفًا في علوم شتّى، من أبرزها: علم الفلك، والرياضيات، والطبّ، والفلسفة، والمنطق. وقد انكبّ على شرح مؤلفات كبار علماء اليونان في الفلك والهندسة والفلسفة، مضيفًا إليها تصحيحاتٍ جوهرية واستدراكاتٍ علمية مبتكرة. واشتهر بلقب «الخواجة»، وذاعت شهرته في المشرق الإسلامي، وبلغ صيته بغداد، بل وصل إلى الصين. وقد أشار إليه ابن خلدون بوصفه أحد أعظم علماء الفرس في تاريخ الإسلام.
أقام الطوسي نحو خمسةٍ وعشرين عامًا في قلعة أَلَموت تحت رعاية حاكمها، منكبًّا على البحث والتأليف. وقد عاصر فترة الاضطرابات الكبرى التي أحدثها الغزو المغولي في المشرق الإسلامي. ومع أنّ القائد المغولي هولاكو خان (حفيد جنكيز خان) اجتاح تلك الديار، فإنّه كان مولعًا بعلم النجوم، فأدرك مكانة الطوسي العلمية، وقرّبه إليه، وعيّنه رئيسًا للفلكيين، ووفّر له ما يحتاجه من دعم لإنشاء صرحٍ علميٍّ غير مسبوق.
في سنة 1235م ألّف الطوسي أولَ رسائله الفلكية بعنوان «الرسالة المُعينيّة»، موجّهة إلى طلاب هذا العلم في مراحله الأولى. ثم وضع سنة 1247م كتابه الشهير «تحرير المجسطي»، وهو شرحٌ نقديٌّ لكتاب المجسطي لبطليموس (القرن الثاني الميلادي)، صحّح فيه الطوسي عددًا من الأخطاء، وناقش كثيرًا من الفرضيات السائدة آنذاك. وفي سنة 1261م ألّف كتابًا جامعًا في علم الفلك، تضمّن نماذج رياضية مبتكرة عُرفت لاحقًا في تاريخ العلم باسم «ازدواج الطوسي» (Tusi Couple)، وهو اكتشاف كان له أثر بالغ في تطور الفلك الأوروبي، وتأثّر به لاحقًا كلٌّ من كوبرنيكوس وريغيومونتانوس.
لم يقتصر اهتمام الطوسي على الجانب النظري، بل انصرف كذلك إلى الرصد الدقيق المنتظم. ومن ثمرات ذلك كتابه في النجوم، الذي عالج فيه مواضع الكواكب، وتغيراتها الزمنية، وحركاتها الدقيقة، في ثلاثين فصلًا. وقد قدّم فيه ملاحظات عميقة حول درب التبانة، لم تُدرك أهميتها الكاملة إلا بعد أكثر من ثلاثة قرون، حين أعاد غاليليو دراستها، فبان للعلماء مدى دقة ملاحظات الطوسي وعمقها.
وضمّ مرصد مراغة مكتبةً ضخمة قُدِّر ما فيها بنحو أربعين ألف مجلد. وفي الوقت الذي كانت فيه بغداد ودمشق قد تعرّضتا للتدمير إبّان الغزو المغولي، حظيت مراغة برعاية خاصة، ولم يدّخر هولاكو جهدًا ولا مالًا في دعم هذا المشروع العلمي، إدراكًا منه لقيمته.
إلى جانب الفلك، ألّف الطوسي كتبًا في الحساب، والهندسة المستوية، والهندسة الفراغية، كما كتب في علم المعادن مؤلَّفه المعروف «الجواهر النفيسة»، مما يدلّ على شموليته العلمية.وقد اعترف الفلكي الأوروبي الكبير نيكولاوس كوبرنيكوس (1473–1543م) بفضل العلماء المسلمين، فذكر في كتابه De revolutionibus خمسةً منهم بوصفهم مصادر أساسية لإلهامه العلمي، وهم: البتّاني، والزرقالِي، وابن رشد، والبطروجي، وثابت بن قرة. ولا تزال إسهامات المسلمين في علم الفلك موضوعًا للبحث والدراسة في الجامعات الغربية إلى يومنا هذا؛ إذ إنّ فهم جذور النهضة العلمية هو السبيل الأقوم لتمهيد الطريق أمام نهضات معرفية جديدة في عصرنا الحاضر.



