شكّلت الكتب والمخطوطات والرسائل البحثية، منذ العصور الوسطى، محورًا أساسيًا في بناء مختلف فروع المعرفة في ظلّ الحضارة الإسلامية. ومع اكتشاف المسلمين لطرائق صناعة الورق في القرن الثامن الميلادي، شهدت حركة التأليف والنسخ ازدهارًا غير مسبوق، فتضاعف إنتاج الكتب وانتشر تداولها على نطاق واسع.
وكان الخليفة العباسي المأمون من أبرز الداعمين لهذه النهضة العلمية؛ إذ شجّع ترجمة الكتب من لغات العالم المختلفة إلى العربية، ولا سيما المؤلفات اليونانية، حتى إنّه كان يمنح المترجمين مكافآت من الذهب تُقدَّر بوزن الكتب المترجمة. وقد أدّى هذا السخاء العلمي إلى تكوين خزائن معرفية ضخمة، وأثار إعجاب المسلمين وغير المسلمين من طلاب العلم، وأسهم في نشوء مئات المكتبات العامة خلال العصر العباسي.
وقبل هذا التوسع في الكتب العلمية، مثّل جمعُ القرآن الكريم وحفظُه الأساس الأعمق لترسيخ مفهوم المكتبة في الوعي الإسلامي. فالقرآن، الذي نزل وحيًا على النبي محمد ﷺ منجّمًا، حُفظ في الصدور منذ لحظات نزوله الأولى، كما دُوِّن على ما تيسّر من الرّقاع والعُسب والأحجار. ثم جُمعت نُسخُه الكاملة في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وحُفظ المصحف عند أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما، إلى أن قام الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه بتوحيد المصاحف ونسخها وفق رسمٍ معياري دقيق. ولا تزال بعض تلك المصاحف القديمة، التي تعود إلى أكثر من أربعة عشر قرنًا، محفوظة في مكتبات عالمية حتى اليوم.
وقد تحوّل هذا الشغف بالكتاب إلى ثقافة عامة، فانتشرت المكتبات العامة والخاصة في كبريات المدن الإسلامية، واستقطبت العلماء من شتى أنحاء العالم. وكانت الكتب تُنسخ بعناية فائقة على ورق جيّد، وتُكتب على الوجهين، وتُجلّد بأغلفة جلدية متقنة، على نحو يقترب كثيرًا من شكل الكتاب الحديث.
ولم تكن المساجد تكاد تخلو من خزائن كتب، كما انتشرت المكتبات العامة في كل مكان. وعندما اجتاح المغول بغداد سنة 1258م، كانت المدينة تضم نحو ثمانٍ وثمانين مكتبة، وأكثر من مئة بائع كتب، كثير منهم كانوا ناشرين يوظّفون عددًا كبيرًا من النسّاخ المهرة في فنون الخط والنسخ. ولم تقتصر هذه الظاهرة على بغداد وحدها، بل وُجدت مكتبات مماثلة في القاهرة وحلب وإيران وآسيا الوسطى، ما يدلّ على اتساع الرقعة المعرفية للحضارة الإسلامية وعمق أثرها في تاريخ العلم الإنساني.
دورمكتبات المساجد في الحياة العلمية
كانت المكتبات الملْحقة بالمساجد تُعرَف باسم «دار الكتب»، وقد شكّلت المراكزَ الرئيسة للنشاط الفكري والعلمي في كل إقليم. كانت هذه المكتبات ملتقى للكتّاب والعلماء وطلاب المعرفة، وبحكم ارتباطها بالمساجد كان عامّة الناس يرتادونها أيضًا. وفي أجواء مفتوحة للجميع، كانت تُعقد مناقشات علمية وفكرية، يشارك فيها مؤلفون محترفون وأدباء بارعون، تتحوّل فيها الأفكار الجديدة إلى مصنفات مكتوبة تسهم في إثراء المعرفة الإنسانية.
وإلى جانب المكتبات العامة الكبرى، امتلك الأفراد مكتبات خاصة ضخمة. ويورد المؤرخ إدوارد غيبون حادثة لافتة في هذا السياق، إذ يذكر أنّ سلطان بخارى دعا طبيبًا مسلمًا يعمل في القطاع الخاص للالتحاق بالقصر وتقديم خدماته العلمية، غير أنّ الطبيب اعتذر عن تلبية الدعوة. وكان سبب اعتذاره أن مكتبته الخاصة وحدها كانت تضمّ من الكتب ما يحتاج إلى أربعمئة جمل لحمله، ولم يكن مستعدًا لمغادرتها أو التخلي عنها.
وفي القرن الثامن الميلادي، عاش العالم والأديب المسلم الجاحظ في بغداد نحو خمسين عامًا، ثم عاد إلى مسقط رأسه البصرة. وخلال إقامته في بغداد ألّف أكثر من مئتي كتاب، وكرّس بقية وقته للدرس والبحث. ومن أشهر مؤلفاته «كتاب الحيوان» في سبعة مجلدات، تناول فيه تنظيم المجتمعات الحيوانية، ولا سيما عالم النمل، وسلوك الكائنات الحية. وقد توفي الجاحظ سنة 868م عن اثنين وتسعين عامًا، في حادثة رمزية دالة، إذ سقطت عليه أكوام من كتب مكتبته الخاصة فأودت بحياته.
وكان حبّ الكتب سمةً بارزة لدى علماء المسلمين في العصور الوسطى؛ إذ جرت العادة أن يوصوا عند وفاتهم بإهداء آلاف المخطوطات والكتب التي يمتلكونها إلى مكتبات المساجد، لتكون المعرفة متاحة لعامة الناس. ويذكر المؤرخ الجبوري مثالًا معبرًا عن هذا التقليد، إذ يروي أنّ امرأة أرملة من أصل تركيّ تُدعى نائلة خاتون شيّدت مسجدًا، وألحقت به مدرسة ومكتبة، صدقةً عن زوجها المتوفى. وقد وفّرت في هذا المجمع إقامةً وطعامًا مجانيين للمسافرين، وكان طلاب العلم من الرحّالة يهدون بدورهم بعض كتبهم إلى مكتبة المسجد.
وقد شُيّدت المكتبات في العالم الإسلامي ضمن منشآت معمارية بالغة الروعة. ويصف المؤرخ الجغرافي المقدسي مكتبات مدينة شيراز في القرن العاشر الميلادي بقوله: «كانت تلك المباني محاطة بالحدائق، تتخلّلها الجداول والبرك الصغيرة. وقد أُقيم البناء على طابقين تعلوه قباب جميلة، وضمّ ثلاثمئة وستين غرفة. وفي كلّ قسم وُجدت فهارس منظّمة للكتب موضوعة على الرفوف، وكانت الغرف مفروشة بالسجاد ومهيأة للدرس والمطالعة».
ومثل مكتبات شيراز، وُجدت في القاهرة وقرطبة مكتبات مستقلة عن المساجد، أُقيمت في مبانٍ مخصّصة لهذا الغرض. وقد جُهزت هذه المكتبات برفوف للكتب، وقاعات للمطالعة، وأروقة، وغرف لنسخ المخطوطات، وقاعات للمناظرات الأدبية والعلمية. كما وُفرت فيها وسائل الإضاءة الكافية، والسجاد الأرضي، وأماكن للراحة تضم أسرّة وأرائك، بما يضمن بيئة علمية متكاملة تساعد على البحث والتأليف.
وقبل ألف عام، كما هو الحال في عصرنا الحاضر، كانت جميع تلك المكتبات تعتمد نظام تصنيف الكتب وإعداد الفهارس (الكتالوجات). وقد أسهم هذا النظام إسهامًا بالغ الأهمية في تيسير عمل أمناء المكتبات، كما سهّل على القرّاء والباحثين الوصول إلى الكتب التي ينشدونها. ففي سنة 1050م، بلغ عدد فهارس مكتبة الأزهر بالقاهرة وحدها ستين فهرسًا، يضم كلّ فهرس نحو مئة وخمسين صفحة. أمّا مكتبة الحَكَم المستنصر في الأندلس، فقد اشتملت على أربعة وأربعين مجلدًا مخصّصًا للفهرسة فقط.
وقد صُمِّمت رفوفُ الكتب بطريقة تمكّن القارئ من التعرّف السريع على محتوياتها؛ إذ كان يُكتب على كل رفّ بيانٌ يوضّح موضوعات الكتب المصنّفة عليه. كما عُرف في العصور الوسطى نظام إعارة الكتب على نحو قريب مما هو معمول به اليوم في المكتبات الحديثة. ويذكر المؤرّخ ياقوت الحموي أنّه كان يُسمح له باستعارة ما يصل إلى مئتي مجلّد من الكتب دون أن يُطلب منه حتى تقديم وثيقة ضمان، ولعلّ ذلك كان لما عُرف عنه من مكانة علمية رفيعة. ومع ذلك، فقد وُجدت في الغالب لوائح وقوانين صارمة تنظّم عملية الإعارة، من بينها الحفاظ على الكتب من التلف، وعدم تدوين الملاحظات أو الآراء على هوامشها، وإعادتها في المواعيد المحددة.
وكان الذين يُعيَّنون أمناء للمكتبات من ذوي العلم الواسع والثقافة العميقة، إذ لم تكن وظيفة أمين المكتبة مهنة إدارية فحسب، بل كانت منصبًا علميًا مرموقًا يحظى بتقدير اجتماعي كبير. وفي القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، عُدَّت وظيفة أمين المكتبة من أرفع الوظائف وأشرفها في ظلّ دولة الموحّدين التي حكمت مناطق واسعة من شمال إفريقيا.



