منذ البدايات الأولى لوجود الإنسان، كانت الزراعة ركيزة أساسيّة في حياة المجتمعات البشرية، إذ ارتبط بقاء الإنسان وتطوّره بتوفّر الغذاء الذي لا يتحقّق إلا عبر استصلاح الأرض وزراعتها. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة الكونيّة، مبينًا تسخير الله تعالى للأرض لخدمة الإنسان، قال سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ (سورة الملك: الآية 15) كما كان النبي محمد ﷺ يحثّ على الزراعة ويشجّع عليها قولًا وعملًا، فجاء في صحيح البخاري قوله ﷺ:«مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ».
وبفضل هذه الرؤية الإسلامية الإيجابية تُجاه العمل الزّراعي، اتّجه العلماء المسلمون إلى دراسة الزراعة دراسة علمية منهجيّة، سعيًا لتطويرها بما يواكب ازدياد السّكان ويضمن الأمن الغذائي للمجتمع. وقد شهد العصر الوسيط الإسلامي إسهامات رائدة في هذا المجال، كان من أبرزها:
1- كتاب «الفلاحة النبطية» لابن وحشية.
يُعَدّ كتاب الفلاحة النبطية للعالِم العراقي ابن وحشية- وهو عالم في الزراعة والكيمياء عاش في القرن العاشر الميلادي- من أهمّ المؤلفات الزراعيّة في التراث الإسلامي. وقد استند هذا العمل إلى مصادر تعود إلى الحضارة الرافدية (الميزوبوتامية)، فوثّق نظم الزراعة القديمة وطوّرها في إطار علمي دقيق.
يتألف الكتاب من نحو مئة وخمسين فصلًا، تناول فيها المؤلف أنواعًا متعدّدة من المحاصيل الزراعية وطرائق زراعتها. فجاء القسم الأول مخصصًا لشجرة الزيتون، والثاني لخصائص الأراضي الزراعيّة وتوفر المياه، بينما عالج الثالث النباتات العطرية، والرابع النباتات المستخدمة في صناعة الأدوية. أما الفصل الخامس فتناول أساليب الزراعة عمومًا، والسادس خصّص للبقول والحبوب، والسابع للنباتات كبيرة الحجم، والثامن لتأثير أشعة الشمس في نمو النبات، والتاسع للخضروات، في حين خُصِّص الفصل العاشر لزراعة العنب.
2- «معجم في الفلاحة» لابن الوافد
برز في الأندلس (إسبانيا الإسلامية) العالِمُ والطبيبُ والصيدليّ ابن الوافد (1008–1074 م)، الذي ألّف كتابه الشهير «معجم في الفلاحة»، وهو عمل بالغ الأهميّة في تاريخ الزراعة الإسلاميّة. ضمّ الكتاب سبعة وثمانين فصلًا، قدّم فيها عرضًا شاملًا للنظام الزراعيّ، وألحق به تقويمًا زراعيًا يبيّن ما ينبغي زراعته في كلّ فصل من فصول السنة.
وتناول ابن الوافد في كتابه موضوعات دقيقة، مثل: أنواع التربة وخصائصها، وطرق إيصال المياه إلى الحقول، وتصميم المساكن الملحقة بالأراضي الزراعية لمالك الأرض أو حارسها، ووسائل زيادة خصوبة التربة، واختيار البذور، والعوامل التي تفسد جودتها، ومواعيد زراعة القمح والشعير وحصادهما، وتحديد المواقع المناسبة لكروم العنب، وصناعة زيت الزيتون، وأساليب زراعة مختلف أنواع الخضروات.
وقد تُرجم هذا الكتاب لاحقًا إلى عدد من اللغات الأوروبية، وأسهم إسهامًا واضحًا في وضع الأسس العلمية للزراعة الحديثة. وفي عام 1997م صدرت ترجمته إلى اللغة الإسبانية بعنوان: Tratado de agricultura: Traducción Castellana. ، وإنّ من المدهش حقًا أن يظل هذا المؤلَّف، الذي كُتب قبل أكثر من ألف عام، مؤثرًا في الفكر الزراعي حتى عصرنا الحديث، بما يعكس عمق المنهج العلمي الذي بلغه العلماء المسلمون في أوج حضارتهم.
3- كتاب الفلاحة، ابن بصوال
ومن أعلام علم الزراعة في الأندلس أيضًا ابن بَصْوَال، الذي عاش في القرن الحادي عشر الميلادي. عمل في الحديقة النباتية الملكيّة التابعة للملك المأمون بن ذي النون حاكم طليطلة، حيث برز بوصفه عالمًا متميزًا في علم النبات التطبيقي. وقد قام برحلات علمية إلى المشرق الإسلامي، جمع خلالها بذورًا ونباتات لم تكن معروفة في الأندلس آنذاك، ثم استخدمها في إنشاء حديقة نباتيّة متقنة تُعدّ من أوائل الحدائق العلمية المنظمة في أوروبا.
وخلال أسفاره، ثم أثناء إشرافه على إنشاء الحدائق، قام ابن بَصْوَال بملاحظات دقيقة حول زراعة النباتات ونموّها وخصائصها البيئية، فدوّن خلاصات هذه الخبرة العملية في كتابه الشهير «كتاب الفلاحة» غير أنّ النصّ الأصليّ لهذا الكتاب فُقد، ولم يصل إلينا منه إلا مختصره المعروف بعنوان «كتاب القصد والبيان»، وهو المعتمد اليوم لدى الباحثين في تاريخ الزراعة الإسلامية.
جاء الكتاب منظّمًا في فصول متعدّدة، اتسمت بالدقة والتدرّج العلمي، تناول الفصل الأول أنواع المياه الأربعة: مياه الأمطار، والأنهار، والينابيع، والآبار. وخصص الفصل الثاني لدراسة أنواع الأراضي والتربة، مثل التربة اللينة والصلبة، والمناطق الجبلية، والأراضي الرملية، والترب ذات الألوان المختلفة. أما الفصل الثالث فناقش أساليب التسميد، وقسّم الأسمدة إلى سبعة أنواع، منها روث الخيل، وروث الغنم، والأسمدة المصنّعة، والأسمدة النباتية الناتجة عن الأوراق اليابسة. وركز الفصل الرابع على كيفية تمييز الفلاح لخصائص الأرض الصالحة للزراعة، من حيث اختيار الموقع، وإيصال المياه، وطرائق توزيعها. وفي الفصل الخامس، عرض المؤلف ثلاثًا وخمسين طريقة لزراعة البذور وتنمية النباتات. أما الفصلان السادس والسابع فقد خصّصا لشرح مراحل نموّ النبات، وطرائق تقليمه وتهيئته بما يضمن وفرة المحصول. وتناول الفصل الثامن تقنيات التطعيم (التركيب النباتي)، في حين بيّن الفصل التاسع أنواع النباتات القابلة للتطعيم، مثل تطعيم شجرة التين على الزيتون. أما الفصل العاشر فجاء مطولًا، وشرح فيه المؤلّف طرائق حصاد الحبوب والخضروات والنباتات الطبية. وخصّص الفصل الحادي عشر لبيان كيفية جمع التوابل والنباتات العطرية، بينما تناول الفصل الثاني عشر أساليب الحصاد في الزراعة واسعة النطاق في الأراضي الشاسعة.
وقد تُرجم هذا الكتاب إلى اللغة القشتالية القديمة (الإسبانية) في القرن الثالث عشر الميلادي، وظلّ عبر القرون مرجعًا كلاسيكيًا يُرجع إليه لمعرفة تنوع الأساليب الزراعية.
وقد واصل تلامذة ابن بَصْوَال المسيرة العلمية، وكان من أبرزهم أبو الخير الإشبيلي وأبو عبد الله محمد. ألّف أبو الخير كتابًا بعنوان «كتاب في علم الفلاحة»، تناول فيه موضوعات الري، وتصنيف الأراضي الزراعية، وحفر الآبار، وأساليب زراعة الزيتون، بأسلوب عمليّ دقيق.
أما أبو عبد الله محمد، فقد ألّف كتابه «كتاب زهرة البستان ونزهة الأذهان»، الذي كتبه في القرن الثاني عشر الميلادي، وأهداه إلى والي غرناطة أبي طاهر تميم. وافتتح كتابه بتقويم زراعيّ سنوي، أُعدّ على أساس المعطيات الفلكية واختلاف درجات الحرارة، ثم تناول قضايا شاملة تتعلق بحياة الفلاح، مثل التربة، ونسبة الرطوبة، ونمط عيش المزارعين، والاقتصاد المحليّ، وزراعة الأشجار الكبيرة والنباتات الصغيرة، واستخدام الحيوانات في الزراعة، والأمراض التي تصيبها وطرق علاجها. وكما يدلّ عنوان الكتاب، فقد رأى مؤلفه أنّ الزراعة ليست مجرد مهنة أو وسيلة للرزق، بل فعلٌ يحيي العقلَ ويُنعش النفسَ، ويمنح الإنسان توازنًا داخليًا دائمًا.
4- كتاب الفلاحة: ابن العوّام
ومن كبار علماء الزراعة في العصر الوسيط ابن العوّام الأندلسي، صاحب كتاب الفلاحة، الذي ألّفه في القرن الثاني عشر الميلادي بمدينة إشبيلية، حيث أجرى تجاربه العلميّة. وقد أفرد له ابن خلدون إشارات خاصة في مؤلفاته.
ويرى الباحث الأمريكي توماس غليك أنّ كتاب ابن العوّام يُعدّ أهمّ وأعمق عمل أُلّف في علم الزراعة في العصور الوسطى. فقد أحاط المؤلّف إحاطة واسعة بالمعارف الزّراعية السابقة، واطلع على الكتب التي سبقته، ثم أجرى بنفسه تجارب ميدانية دقيقة.
يضمّ الكتاب نحو 1900 ملاحظة زراعيّة، وعرّف بما يقرب من 585 نوعًا من النباتات، منها أكثر من خمسين شجرة مثمرة. كما بيّن الظروف المناخية المناسبة لكلّ نبات، ونوع التربة الملائم له، وطرق العناية به. وقد تُرجم الكتاب لاحقًا إلى الإسبانية ثمّ إلى الفرنسية، وأسهم إسهامًا كبيرًا في إرساء الأسس التي قامت عليها الزراعة الحديثة في أوروبا.
مؤلفات أخرى بارزة
ومن العلماء الذين قدّموا إسهامات بارزة في علم الزراعة أيضًا عبد اللطيف البغدادي، الذي عاش في العراق في القرن الثاني عشر الميلادي. تلقّى علومه في جامع الأزهر بالقاهرة، وترك أثرًا علميًا مهمًا في هذا المجال من خلال كتابه الشهير «الإفادة والاعتبار»، الذي جمع فيه ملاحظاته الدقيقة حول الطبيعة والزراعة والبيئة، معتمدًا على المشاهدة المباشرة والتحليل العلمي.
وفي القرن الثاني عشر الميلادي كذلك، برز في الأندلس ضياء الدين ابن البيطار، أحد أعلام علم النبات والصيدلة. قام برحلات علمية واسعة شملت أقاليم متعددة، جمع خلالها معلومات شاملة عن النباتات وخصائصها الطبية والزراعية، ثم صاغ خلاصة جهوده في كتابه الشهير «الجامع لمفردات الأدوية والأغذية». وقد تُرجم هذا العمل لاحقًا إلى اللغة اللاتينية، واعتمد مرجعًا دراسيًا في الجامعات الأوروبية حتى القرن الثامن عشر الميلادي.
أمّا في القرن الحادي عشر الميلادي، فقد عاش في قرطبة العالم أبو عبيد البكري، الذي ألّف كتاب «عين النبات»، ففصّل فيه أصناف النباتات وخصائصها، وأسهم في تصنيفها وصفًا وتحليلًا. كما قدّم العالم الأندلسي أبو جعفر بن محمد إسهامًا مهمًا في علم النبات من خلال كتابه «الأدوية المفردة»، وكان من أوائل من أطلق أسماء علمية دقيقة على عدد كبير من النباتات.
توثيق الغرب عن الثورة الزراعية العربية
وقد وثّق عدد من الباحثين الغربيين المعاصرين هذه الإسهامات الكبرى لعلماء الزراعة المسلمين. يؤكّد المؤرخ أندرو واتسون في دراسته المعروفة بعنوان «الثورة الزراعية العربية»، أنّ التحولات العميقة التي بدأت منذ القرن السابع الميلادي أسهمت في ترسيخ أسس الزراعة العلمية المستدامة في مناطق حوض البحر المتوسط. ثم انتقلت هذه الأساليب المتطورة إلى الأندلس، وبلاد فارس، واليونان، وغيرها من الأقاليم.
ويشير واتسون إلى أنّ المسلمين أظهروا براعة فائقة في نظم الريّ، ولا سيما في حفر القنوات وشقّ الجداول وتنظيم توزيع المياه، وهو ما أحدث نقلة نوعية في الإنتاج الزراعي وأساليب الاستغلال الأمثل للأرض.
ضياع التراث وبقاء الأثر
ولا يخفى أن عددًا كبيرًا من هذه المؤلفات قد فُقد عبر القرون. فمنذ القرن الحادي عشر الميلادي، واجهت المراكز الحضارية الكبرى في بغداد، والأندلس، وبلاد فارس تحدّيات جسيمة، من حروب واضطرابات سياسية. ولم تقتصر آثار هذه الكوارث على البشر وحدهم، بل امتدّت لتقضي على منجزاتهم الفكرية والعلمية؛ فدُمّرت مكتبات، وضاعت كتب كثيرة في علم الزراعة وغيره من العلوم.
ومع ذلك، فقد بقيت نماذج نفيسة من هذا التراث، واستمرّ تأثيرها في تشكيل مسار المعرفة الإنسانية، وأسهمت إسهامًا واضحًا في تطوّر العالم الحديث، ولا تزال إلى يومنا هذا مادةً حيّة للبحث والدراسة الأكاديمية.



