قلّما نجد اليوم من لم ينل قسطًا من التعليم الجامعي. غير أنّ إيصال التعليم إلى هذا الإطار المؤسسي الرفيع لم يكن وليد الصدفة، بل كان للمسلمين فيه دور حاسم. فالتعاليم القرآنية في جوهرها تحثّ على طلب العلم، والعمل بمقتضاه، ونشره بين الناس. ومنذ البدايات الأولى للإسلام، شهدت المساجد، والمدارس، والمستشفيات، والمراصد الفلكية، بل وحتى البيوت، حركةً نشِطة لإنتاج المعرفة وتداولها في شتى المجالات.
وكان الطالب، إذا أتمّ مراحل التعليم الأولى، يشدّ الرحال طلبًا للمزيد من العلم. فدُرِّست في مؤسسات التعليم العالي علومٌ متعدّدة، من أبرزها: النحو العربي، والشعر، والجبر ، وعلوم الأحياء، والتاريخ، والمنطق، والفقه، وعلم الكلام. كما عُرفت منذ العصور الوسطى في المجتمع الإسلامي طريقة تدريس العلوم الطبيعية والتجريبية على أيدي أساتذة متخصّصين بارزين في مجالاتهم.
وقد ارتبط التعليم المدرسي والجامعي ارتباطًا وثيقًا بالمساجد. ويُطلق على الجامعة في العربية لفظ «الجامعة»، وهو في الأصل الصيغة المؤنثة لكلمة جامع التي تُستعمل للمسجد. ويكشف هذا الاشتقاق اللغوي عن مدى التلاحم بين المركز الديني ومؤسسة التعليم العالي في الحضارة الإسلامية، في نموذج حضاري فريد قلّ أن نجد له نظيرًا في حضارات أو ديانات أخرى.
ومن أشهر المساجد التي أدّت دور الجامعات، جامع الأزهر في القاهرة. فقد مضى على تأسيسه أكثر من ألف وثلاثين عامًا، ولا يزال يؤدّي رسالته العلمية إلى اليوم. وبوصفه أحد أهمّ مراكز التعليم العالي في مصر والعالم الإسلامي، استقطب الأزهر عبر العصور عددًا كبيرًا من العلماء النابهين. ولم تقتصر شهرته على قِدم عهده فحسب، بل تعزّزت أيضًا بعظمة من تخرّج فيه ودرّس بين أروقته. فقد تلقّى فيه ابن الهيثم، رائدُ علم البصريات ومجدّد منهج النظر العلمي، جانبًا من تعليمه، كما درّس فيه في القرن الرابع عشر الميلادي عبد الرحمن بن خلدون، المؤسّس لعلم الاجتماع.
ومن المؤسسات التعليمية العريقة كذلك جامع القرويين في مدينة فاس المغربية. فقد شُيّد سنة 841م في عهد الدولة الإدريسية على يد امرأة صالحة مثقفة تُدعى فاطمة الفِهرية. وبعد وفاة والدها، أنفقت كامل ثروتها في بناء هذا الصرح العلمي. وقد اشترطت عند تصميم المسجد أن يكون الرمل المستخدم في بنائه مأخوذًا من أرض واحدة فقط. ويُروى أنها صامت طوال مدة البناء، من بدايته حتى اكتماله، في تعبير عميق عن إخلاصها واحتسابها. وقد تحوّل هذا المسجد مع مرور الزمن إلى واحدة من أقدم الجامعات المستمرة في العالم، ومركز إشعاع علمي أثرى الحضارة الإنسانية قرونًا متطاولة.
كانت فاطمة الفِهْرِيّة تطمح إلى إنشاء مركز علمي يخدم أهل مدينة فاس. ولم يلبث هذا الصرح، شأنه شأن المساجد الجامعة الكبرى، أن تحوّل إلى مركز يُلقى فيه الوعظ الديني، وتُدار فيه النقاشات العامة ذات الطابع السياسي والاجتماعي. ثم ما لبثت أن اتّسعت دائرة التعليم فيه، لتشمل شتّى فروع المعرفة، حتى غدا مع الزمن جامعةً مرموقة اشتهرت على وجه الخصوص بتدريس العلوم الطبيعية، كعلم الفيزياء والكيمياء والجيولوجيا.
وقد توفّرت في جامعة القرويين جميع التجهيزات اللازمة لرصد الظواهر الكونية. فاشتملت على عدد كبير من الأدوات الفلكية، وكان فيها مركز تجريبي عُرف باسم «قاعة التوقيت»، ضمّ آلات لقياس المسافات النجمية، وساعات مائية وميكانيكية، وأدوات أخرى لحساب الزمن. وإلى جانب علم الفلك، دُرّست في القرويين علوم القرآن، وعلم الكلام، والفقه، والبلاغة، وفنون النثر والشعر، والنحو، والتاريخ الإسلامي، والرياضيات، والكيمياء. وقد أسهم هذا التنوع المعرفي، مقرونًا بجودة التعليم وعلوّ مستواه، في استقطاب طلاب العلم من مختلف أقطار العالم إلى مدينة فاس.
ومع تزايد أعداد المتقدمين للدراسة على نحو يفوق الطاقة الاستيعابية، اضطرت إدارة القرويين إلى اعتماد نظام للقبول والانتقاء، على غرار ما هو معمول به في العصر الحديث. وكان من أهم شروط القبول إتقان حفظ القرآن الكريم، والإلمام الجيد باللغة العربية، وامتلاك قدر مناسب من الثقافة العامة.
ولم تقتصر هذه التنظيمات على القرويين وحدها، بل وُجدت في الجامعات الإقليمية الأخرى إدارات خاصة تُعنى بشؤون الطلاب الوافدين من الخارج. ففي جامعات بغداد خلال العصر العباسي، وفد طلاب من بلاد الشام وفارس والهند لدراسة الطب، والصيدلة، والهندسة، وعلم الفلك. وكذلك كان الحال في جامعة الأزهر بالقاهرة، حيث وُجد عدد كبير من الطلاب الأجانب، ووفّرت لهم الدولة السكن والتعليم المجاني. وكانت المجمعات التعليمية الكبرى تضمّ في كل جناحٍ منها مكتبة، ومرافق للإطعام، ودوراتٍ للمياه، في نظام متكامل يعكس عناية الحضارة الإسلامية بالعلم وطلابه.



