أُسِّس بيتُ الحكمة في بغداد في ظلِّ الخلافة العباسية، وكان منذ القرن الثامن الميلادي من أبرز المراكز العلميّة التي أسهمت في النهضة المعرفية الكبرى في العالم الإسلامي. وكلمة «الحكمة» مصطلحٌ قرآنيٌّ يدلّ على المعرفة الرشيدة المستندة إلى الوحي والعقل معًا، ويعبّر عن إنتاج العلم ونشره في إطارٍ حضاريٍّ رفيع.
وقد ورد في القرآن دعاءُ نبيِّ الله إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، وفسّر العلماء لفظ حُكْمًا هنا بمعنى العلم والحكمة. ومن هذا المنطلق، كان بيت الحكمة تعبيرًا عمليًّا عن عناية الحضارة الإسلامية بالعلم والبحث.
يذكر الباحث في تاريخ العلوم الإسلامية، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة ييل الأمريكية ديمتري غوتاس، أنّ بيت الحكمة بدأ في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور بوصفه مكتبةً تُعنى بترجمة المؤلفات الفارسية إلى العربية. ثم اتّسع نشاطه في عهد الخليفة المأمون ليشمل علوم الرياضيات والفلك والطبّ والفلسفة، حتى صار مجمعًا علميًّا عالميًّا لا يقتصر على الترجمة فحسبُ، بل يُعنى بالتدريس والبحث والتأليف.
ولم يكن بيت الحكمة مجرّد مركز لترجمة التراث اليوناني والروماني، بل كان ملتقى للعلماء من مختلف الاختصاصات. ففيه تُرجمت للمرة الأولى كتبُ أرسطو في الطبيعيات، كما نُقلت إلى العربية أمهاتُ الكتب في الهندسة والحساب.
كان الخليفة المأمون بن هارون الرشيد من أعظم الخلفاء اهتمامًا بالعلم، وقد سعى إلى جمع علوم الأمم في بغداد. وبأمره استُدعي المترجم الشهير حجّاج بن مطر إلى بيت الحكمة، حيث تَرجم كتابَ إقليدس «الأصول». كما عُيِّن العالمُ الفذّ محمدُ بن موسى الخوارزمي للعمل في بيت الحكمة، فكان من أبرز روّاده في البحث والتأليف.
ويشير الخوارزمي في مقدمة كتابه حساب الجبر والمقابلة إلى فضل الخليفة المأمون، إذ يقول إنّ المأمون هو الذي شجّعه على تصنيف هذا الكتاب في علم الجبر، لما له من تطبيقاتٍ في المساحة والتجارة وتقسيم الميراث وحفر القنوات وغيرها من شؤون العمران.
وقد كان بيت الحكمة قائمًا في مبنى واسعٍ مجاورٍ لقصر الخلافة، تحيط به حدائقُ جميلة، مهيَّأً للعلماء ليعملوا فيه بحرّيةٍ وصفاءٍ ذهنيّ، فيجمعوا بين البحث العلميّ والتأمل الحضاري.
أقسام بيت الحكمة ومصادر تمويله
كان بيت الحكمة في بغداد يضم ستة أقسام رئيسة نشطة، هي:
1. حفظ الكتب القديمة وصيانتها.
2. إتاحة الكتب للعلماء والباحثين للاطلاع والدراسة.
3. نسخ الكتب وتجليدها.
4. تأليف المخطوطات الجديدة.
5. ترجمة المؤلفات القديمة.
6. تصنيف الكتب والبحوث الأصيلة.
وكانت الأوقاف تمثّل المورد المالي الأساسي لبيت الحكمة، إلى جانب عوائد بيع الكتب. ومع ذلك، فقد أولى الخلفاء العباسيّون هذا الصرح العلمي عنايةً كبرى، فأنفقوا بسخاء على العلماء والباحثين؛ إدراكًا منهم أن الثروة الحقيقية للأمة هي العلم والمعرفة.
وقد احتضن بيت الحكمة أبحاثًا في مختلف فروع العلم، وكان الخلفاء يكافئون المترجمين بعملاتٍ نفيسة تتناسب مع عدد الصفحات التي يترجمونها، كما شجّعوا التأليف والابتكار في علوم الفلك والطبّ والهندسة والجغرافيا والتاريخ والرياضيات وغيرها، حتى نشأت فيه عشرات التخصّصات العلمية التي انتشرت لاحقًا في أنحاء العالم الإسلامي.
مراكز علمية مماثلة لبيت الحكمة
وبفضل التأثير الحضاري لبيت الحكمة، ظهرت منذ القرن الثامن الميلادي مراكز علمية كبرى في بلدان إسلامية أخرى، من أهمها:
1- بيت الحكمة في القيروان في تونس.
أنشأه الأمير محمد بن الأغلب في القرن التاسع الميلادي. وكان مولعًا بالعلم، فزار بيت الحكمة في بغداد، واقتنى منه عددًا كبيرًا من الكتب والمخطوطات والأدوات العلمية، ثم نقلها إلى القيروان لتكون نواةً لمكتبةٍ علميةٍ عظيمة.
2- دار الحكمة في الأندلس:
أسسها الخليفة الأموي الحكم المستنصر بالله في القرن العاشر الميلادي. وقد عُرف بشغفه بالعلم، وجمع من الكتب ما لم يجمعه حاكم قبله، فكانت دار الحكمة مركزًا للتأليف والترجمة والبحث، وأسهمت في ازدهار العلوم والفنون في الأندلس.
3- دار الحكمة في القاهرة:
أنشأها الخليفة الفاطمي العزيز بالله في القرن العاشر الميلادي. وقد وفّر للعلماء الكتب والأدوات اللازمة للبحث، وجعل الحبر والورق والأقلام في متناولهم مجانًا، فكان لذلك أثرٌ بالغ في النهضة العلمية في مصر.
ظلّ بيت الحكمة في بغداد مركزًا عالميًّا لإنتاج العلم ونشره حتّى سقوط بغداد بيد المغول سنة 1258م. وقد أقدم المغول على إحراق هذا الصرح العلميّ العظيم، فدُمّرت آلاف الكتب والمخطوطات. ومع ذلك، فإنّ كثيرًا من مؤلفاته كانت قد نُقلت إلى مراكز علمية أخرى، كما تُرجمت إلى اللاتينية، مما أسهم في انتقال علوم المسلمين إلى أوروبا، وكان لذلك أثرٌ كبير في نهضتها العلمية اللاحقة.



