وممّا أجمع عليه العلماء اليوم، من غير تردّد، أنّ كتاب مقدّمة ابن خلدون، يُعدّ من أعظم المؤلفات في ميدان العلوم الاجتماعيّة. وقد أتمّ عبد الرحمن بن خلدون تأليف هذا العمل الجليل سنة 1377م، في زمنٍ كانت فيه الدولة الإسلامية في الأندلس قائمةً في قمّة عظمتها، وتشهد حراكًا علميًّا وفكريًّا واسعًا. يكتب ابن خلدون في مطلع كتابه:بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله. قَالَ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إِلَى اللهِ تَعَالى عبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَلْدُونَ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ الْعِزَّةُ وَالْحَبَرُوْتُ، وَيَدِهِ الْمُلْكُ وَالْمَلَكُوتُ، وَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالنُّعُوْتُ ........ وَالْصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلانَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْعَرَبِيُّ الْمَكْتُوبِ فِي التَّوْرَاةِ والإنجيل الْمَنْعُوْتِ الَّذِي تَمَحّضَ لِفِصَالِهِ الْكَوْنُ قَبْلَ أَنْ تَتَعَاقَبَ الأَحَادُ وَالسُّبُوتُ، .... صلّى الله عليهِ وَعَلَيْهِمْ مَا اتَّصَلَ بِالإِسْلَامِ حَدَّهُ الْمَبْحُوتُ ، وَانْقَطَعَ بالكفرحبله الْمَبْتُوتُ ، وَسَلَّمَ كَثِيرًا.
ولا شكّ أنّ الدافع الأساس لتأليف هذا السفر العظيم، كما يبيّنه ابن خلدون نفسه، هو شعوره بالمسؤولية الدينية في البحث التاريخي وتدوينه، بوصفه رسالةً وواجبًا شرعيًا قبل أن يكون عملًا علميًا محضًا. فلم تكن النهضة الإسلامية في عصرها الذهبي ثمرة طموحٍ دنيويّ، ولا نتاج نزعةٍ إلى التفوّق أو التفاخر العقليّ، بل كانت ثمرة رؤيةٍ حضاريةٍ عميقة، رسّخها كبار العلماء، قوامها طلب العلم، واكتساب المعرفة، واكتشاف الجديد، وتسخير ذلك كلّه في قيادة حركة العمران الإنساني وتقدّم العالم المادّي، وفق الأسس الكبرى للمنهج المعرفي في الإسلام.
ولم يكن ابن خلدون بدعًا في هذا المسار؛ بل كان معظم علماء ذلك العصر على النهج نفسه، أفنوا أعمارَهم في طلب المعرفة، وخاضوا ميادين البحث والاكتشاف، وقادوا البشرية إلى إنجازات علمية بالغة الأثر.
يبيّن الفيزيائي البريطاني جِيم الخليلي في كتابه: «بيت الحكمة: كيف أنقذ العلم العربي المعارف القديمة ومهّد لعصر النهضة» كيف كان الإسلام عاملًا محوريًا في نهضة العالم الحديث. فبعد أن استشهد بقول مأثور:مدادُ العلماءِ أفضلُ من دماءِ الشهداءِ، يؤكّد أنّ النبيّ محمدًا ﷺ هو الذي أعاد العالَم ، بعد أن غرق في عصور الظلام، إلى دروب النهوض العلمي والمعرفي، وأرسى الأسَس التي قامت عليها النهضة الإنسانية اللاحقة.
عند بزوغ فجر الإسلام، كانت مكّة والمدينة أهمّ مدينتين في غرب الجزيرة العربية. وكانت مكّة تستمدّ حياتها من ماء زمزم، ذلك النبع العجيب الذي تفجّر في قلب الصحراء، فكان سرّ بقائها وازدهارها. وفي هذه الأرض المقدّسة وُلد محمد ﷺ، وكانت مكّة منذ ذلك الحين حرمًا آمنًا، ومهوى أفئدة الناس.
ولمّا بلغ النبي ﷺ أربعين سنة، أشرق عليه نور الوحي من الله تعالى، ونزل عليه جبريل عليه السلام بالقرآن الكريم، فكانت تلك اللحظة إيذانًا ببدء أعظم ثورة عرفها تاريخ البشرية، ثورةٍ غيّرتْ مجرى العالم، وأعادت صياغة الإنسان والحياة والمعرفة.
وكان أولُ ما تلقّاه النبيّ ﷺ من كلام الله، على لسان جبريل، أمرًا بالقراءة، إعلانًا لمكانة العلم والمعرفة في هذا الدين: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
إن هذه الآيات الأولى من القرآن الكريم تُؤكّد منذ اللحظة الأولى على القراءة، وطلب العلم، وبناء الوعي، وترسيخ الحقيقة الكبرى بأنّ الله هو أصلُ الوجود، ومصدرُ المعرفة، ومنتهى كلِّ فهم. ومن هنا يمكن إدراك أن الحراك العلمي والمعرفي الذي قاده المسلمون في عصر النبوة وما بعدها، لم يكن وليد الصدفة، ولا نتيجة ظرف تاريخيّ عابر، بل كان ثمرةً مباشرة للتوجيه القرآني والهدي النبوي.
وحين انطلقت الاكتشافات العلمية الكبرى في العصور الوسطى من بيت الحكمة في بغداد، وأصبحت فيما بعد أساسًا لنهضة العالم الحديث، فإنّ حجرَ الزاوية في كلّ ذلك كان الأساس العقدي والتوحيدي في الإسلام. وقد أشار إلى هذه الحقيقة المفكّرُ سيّد حسين نصر في كتابه «العلم والحضارة في الإسلام»، مبيّنًا أنّ فهم الفنّ والعِلم في الإطار الإسلامي لا يكتمل إلا باستحضار المبدأ الجوهري للدين، وهو الوحدة (التوحيد).
فالتوحيد هو قلب الوحي الإسلامي وروحه، وهو العنصر الناظم لكل مظاهر الحضارة الإسلامية. وحين نتأمّل روائع العمران الإسلامي، مثل قصر الحمراء في الأندلس، نلمس بوضوح أن ما يحكم بناءه وتناغمه هو فكرة الوحدة الإلهية التي تتجلّى في التناسق، والنظام، والجمال. وهذا المبدأ نفسه يتجلّى بوضوح في مختلف العلوم الإسلامية، حيث يظل التوحيد حاضرًا بوصفه الإطار المعرفي الأعلى، والغاية النهائية لكل علم ومعرفة.
وعليه، فإنّ فهم مفهوم «العلم الإسلامي» يقتضي ابتداءً فهم الجذور الأساسية للإسلام ذاته. فالدين الذي أُوحي به إلى النبي محمد ﷺ، يدلّ اسمه في معناه اللغوي على الاستسلام والانقياد، والسلام والطمأنينة. وحين يدخل الإنسان في الإسلام، فإنّ أول عبارة يلفظها ويستوعب معناها هي الشهادة: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله»، وهي جملة تختزل بساطته العقدية، وتكشف في الوقت نفسه عن رؤيته الشاملة للوجود والحياة والإنسان.
ويُعدّ الاستسلام لله والانقياد لأمره من أركان التصوّر الإسلامي الأساسية. فكما أنّ الزهرة لا تكون زهرةً إلّا لأنها خُلقت كذلك، وكما أنّ الماسّة لا تشعّ جمالًا إلّا لأنّها سارت وفق النظام الذي أودعه الله فيها، فإنّ الوجود كلّه قائم على الطاعة الفطرية للنظام الإلهي. ومنذ فجر الإسلام، نُظّمت شؤون المسلمين وسائر معاملاتهم وفق ما أمر الله ورسوله، في انسجامٍ كامل مع هذا التصور.
إن الحياة القائمة على التسليم الكامل لله هي جوهر الإيمان الإسلامي وروحه. ففي عصر الخلافة الأموية، حين خرج القائد عقبة بن نافع في مهمّته الدعوية إلى شمال أفريقيا، ترك وراءه الأهل والوطن والدنيا، وحين امتطى جوادَه قائلًا: « اللّهم اشهد أنّي قد بلغتُ المجهود، ولو أعلم وراء هذا البحر أرضًا لخُضتُه إليها في سبيلك»، عبّر عن ذروة هذا الإيمان العميق. ومثل هذا التصوّر لم يكن حاضرًا لدى قادة الفتوحات الدنيويّة، كالإسكندر الأكبر عند دخوله فارس؛ فالفارق الجوهري أنّ المسلمين أقبلوا على مسيرة التاريخ وهم يحملون يقينًا راسخًا وتسليمًا صادقًا.
وعند دراسة التّراث العلمي الإسلامي، لا بدّ من التوقّف عند مفهوم «المعرفة» والنظر في طبيعة العلاقة التي أقامها النبيّ محمد ﷺ منذ بدايات الدعوة مع المعرفة وطلبها. يبيّن المستشرق وأستاذ جامعة ييل الأمريكية فرانتس روزنتال في كتابه « انتصار المعرفة: مفهوم المعرفة في الإسلام في العصور الوسطى» ، أنّ السبب الجوهري لجميع النهضات العلميّة التي شهدها العالم الإسلامي في العصور الوسطى هو الالتزام الواعي بمفهوم «العلم» الإسلامي، وتطبيقه تطبيقًا منهجيًا.
ويؤكد روزنتال أنّ «العِلم» في الإسلام لا يجوز حصرَه في مجرّد معنى «المعرفة» بل هو مفهوم حضاري متكامل، تلقّاه المسلمون من الوحي، ومارسه النبيّ ﷺ، ثم طوّرته الأجيال اللاحقة من الأمّة. فالقرآن الكريم، الذي يضمّ نحو ثمانية وسبعين ألف كلمة، يرِد فيه ذكرُ مفردات متّصلة بالعلم والمعرفة أكثرَ من ألف وثلاثمائة مرّة، في دلالة واضحة على المكانة المركزية للعلم في المنظور القرآني. وهذه المكانة هي التي جعلت السعي إلى المعرفة هدفًا أساسيًا للمجتمع الإسلامي عبر العصور.
ومن تعبير القرآن البليغ مصطلح «عِلْمُ اليقين»، أي المعرفة القائمة على اليقين الثابت. وهو مفهوم يشمل في آنٍ واحد المعرفة الدينيّة، المتمثّلة في معرفة الله، والمعرفة الكونيّة، القائمة على التأمل في خلقه، والبحث في تنوّع مظاهر الوجود. ومن خلال الجمع بين هذين المجالين، وبالتعاون بين العلماء والحكام، تحقّقت للمسلمين إنجازات علمية مدهشة، تركت أثرها العميق في مسار الحضارة الإنسانية.
ويشير روزنتال كذلك إلى تمييزٍ مهمّ بين العلم الإلهي الذي يختصّ الله به، والعلم الإنسانيّ الذي يُتاح للبشر تحصيله. فثمّة معارف استأثر الله بعِلمها، كموعد قيام الساعة، وقد ورد في القرآن الكريم التنبيه إلى هذه الحقيقة بوضوح: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وهذا الإقرار بحدود المعرفة البشرية كان منطلقًا أساسًا لتطوّر المنهج المعرفيّ الإسلاميّ، القائم على التواضع العلميّ، والوعي بالحدود.
يستعمل القرآن الكريم مصطلحي «العِلم» و«الحِكمة» معًا؛ أي المعرفة والبصيرة. وقد تميّز العلماء المسلمون بقدرتهم على الجمع بين هذين البُعدين، فلم تكن الاكتشافات العلمية لديهم وسيلةً للدمار أو الهيمنة، بل أداةً للارتقاء بالإنسان وبناء الحضارة. فالحكمة، في المنظور الإسلامي، أسمى من مجرّد العلم؛ إذ هي ثمرة العلم حين يعمل في الإنسان عملًا راشدًا، ويهديه إلى حسن التصرّف، وسداد الفعل، وصلاح المقصد.



