لم يَعُد هناك سبيلٌ سوى المواجهةِ؛ فقد غَمَسَ القومُ أيدِيَهَم في الدماءِ تعاهداً على القتال. تحيزت كلُّ قبيلةٍ لحلفائها، وأقسموا جميعاً على خوض الملحمةِ. حدث ذلك أثناء إعادة بناءِ الكعبةِ، حين وصل النزاعُ إلى ذِروته حول من يحوز شرفَ وضعِ الحجرِ الأسودِ في مكانِه. ادعت كلُّ قبيلةٍ أن الحقَّ حقُّها، طمعاً في نيل مكانةِ الصدارةِ والزعامتِة التي سيحظى بها مَن يقوم بهذا العملِ العظيمِ.
وعندما أيقن الجميعُ أن الحربَ واقعةٌ لا محالةَ، تدخَّل أبو أميةَ بنُ المغيرةِ لِيَئِدَ الفتنةَ، وقال: عندي لكم مخرجٌ. صمت الجميعُ وأصغوا إليه بعد ضَجيج، فاقترح قائلاً: نجعل أولَ مَن يدخلُ علينا مِن هذا الباب حكماً بيننا، فهل ترضون؟. وافق القومُ وأجمعوا على قبول هذا الشرطِ.
انتظر الجميعُ بترقبٍ، مَنْ سيكون القادمُ، وفجأةً أقبل عليهم محمدٌ ﷺ، فهتفوا جميعاً بارتياح: هذا الأمينُ. فقد كانوا في الجاهلية يُلَقِّبُونَهُ بالأمين لصدقه. قالوا: يا محمدُ، قد رضيناكَ حكماً.
طلب النبيُّ ﷺ رداءً، ووَضَعَ الحجرَ الأسودَ وَسَطَه، ثم أمر كلُّ رئيسِ قبيلةٍ أن يُمسِكَ بطرفٍ من الرداءِ. رفعوه جميعاً، ثم تناوله النبيُّ ﷺ بيدِهِ الشريفةِ وأسكنه موضعَه.
حدث هذا قبل البعثةِ بخمسِ سنواتٍ، وكان عمرُه آنذاك خمسةً وثلاثين عاماً. لقد ظل اسمُه الأمينَ بينهم طوال خمسة وثلاثين عاماً؛ شهادةً جماعيةً صادقةً على خُلُقِه في طفولتِه وشبابِه.
مضت خمسُ سنواتٍ، وقبل أن يُتِمَّ الأربعين، بدأ يرى رُؤيا صادقةً تأتي مثل فلقِ الصبحِ. كانت نفسُه تعاف ما عليه الناسُ مِن ضياع، فأحب الخلوةَ والاعتزالَ في غارِ حراءٍ بجبلِ النورِ. كان يتزود بالطعامِ ويقضي اللياليَ الطويلةَ في التعبدِ، ثم يرجع إلى زوجتِه خديجةَ ليتزود لمثلها.
وفي إحدى مراتِ ذهابِه إلى الغار، سمع النبيُّ ﷺ الشجرَ والحجرَ يَلقون عليه التحيةَ قائلين: السلامُ عليك يا رسولَ الله.
لم يكن سلامُ الحجرِ أمراً جديداً، فقد كان هناك حجرٌ في مكةَ يُسَلِّمُ عليه قبل البعثةِ، كما ورد في صحيح مسلم، لكن الأمرَ هذه المرةَ كان مختلفاً؛ فالشجرُ كلُّه والحجارةُ كلُّها تناديه بصفةِ الرسالةِ، وكأن الكون يـحتفي بنبوتِه. لقد رافقته المعجزاتُ والدلائلُ منذ مولدِه، وأُخْبِرَ بشأنِ نبوتِه منذ نعومةِ أظفارِه.
حين تُوفيت أمُّـه وهو في السادسةِ من عمرِه، كانت آخِرُ كلماتِها له: إنْ صحَّ ما أبصرتُ في المنامِ، فأنتَ مبعوثٌ إلى الأنامِ. أي إنْ صَدَقَتْ رؤيايَ، فأنتَ الرَسولُ الذي سيُرسلُه اللهُ إلى الناسِ كافةً. وفي سنِّ الثانية عشرة، اشتُهِرَ لقاؤُه بالراهبِ بحيرا أثناء رحلتِه إلى الشامِ مع عمِّـه أبي طالبٍ، حيث أَبْصَرَ الراهبُ فيه علاماتِ النبوةِ المنتظرةِ. وفي رحلةٍ أخرى وهو في الخامسةِ والعشرين، رأى راهبٌ آخَرُ يُدعى نسطور ذاتَ العلاماتِ والدلائلِ.
لنعد الآن إلى غارِ حراءٍ في جبلِ النورِ، الذي يبعدُ أربعةَ كيلومتراتٍ عن المسجدِ الحرامِ. يبلغ طولُ الغارِ أربعةَ أذرُعٍ، وعَرَضُه ذراعاً وثلاثةَ أرباعٍ، ولا يتسعُ لأكثرَ من خمسةِ أشخاصٍ. هناك، وبينما كان محمدٌ ﷺ غارقاً في تعبدِه، جاءَ الملكُ جبريلُ عليه السلام ، وتراءى أمامَ النبيِّ ﷺ.
قال جبريلُ: اقرأ.
أجاب محمدٌ ﷺ: ما أنا بقارئ.
فأخذه الملكُ وضَمَّـهُ ضمةً شديدةً، ثم كرّر الأمرَ: اقرأ.
فأجاب ثانيةً: ما أنا بقارئ.
فـعَصَرَهُ الملكُ بقوةٍ مجهدةٍ، ثم تركه وأعاد الأمرَ للمرةِ الثالثةِ، فكان الجوابُ ذاتُه. حينها قرأ جبريلُ عليه السلام الآياتِ الخمسَ الأولى من سورةِ العلقِ: {ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِی خَلَقَ (1) خَلَقَ ٱلۡإِنسَـٰنَ مِنۡ عَلَقٍ (2) ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ (3) ٱلَّذِی عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ (4) عَلَّمَ ٱلۡإِنسَـٰنَ مَا لَمۡ یَعۡلَمۡ (5)}
كانت تلك اللحظةُ بدايةَ الوحيِ الإلهيِّ. أوقعت هذه التجربةُ الرهبةَ في قلبِه، وربما تملكه القلَقُ من عِظَمِ المسؤوليةِ التي أُلقيت على عاتقِه. ركض النبيُّ ﷺ بقلبٍ مرتجفٍ إلى زوجتِهِ، فاستقبلته السيدةُ خديجةُ بحفاوةٍ وحنانٍ. طلب منها أن يُدَثِّرُوهُ أي يغطوه برداء، ففعلوا ذلك. ثم قصَّ عليها ما حدث، فهدأت خديجةُ رضي الله تعالى عنها روعَ زوجِها وقالت بكلماتٍ خالدةٍ: كلا، واللهِ لا يُخزيكَ اللهُ أبداً؛ إنك لتصلُ الرحمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتكسبُ المعدومَ، وتَقْري الضيفَ، وتُعينُ على نوائبِ الحقِّ.
اطمأنَّ قلبُ النبيِّ ﷺ، ثم انطلقت به خديجةُ إلى ابنِ عمِّها ورقةَ بنِ نوفلٍ، وكان شيخاً كبيراً، عالماً بكتبِ أهلِ الكتابِ، يكتبُ الإنجيلَ بالعبريةِ. سأل ورقةُ عما رآه النبيُّ ﷺ، فأخبره محمدٌ ﷺ بكلِّ التفاصيلِ. فقال ورقةُ: هذا هو الناموسُ أي جبريل الذي أُنْزِلَ على موسى، يا ليتني فيها جَذَعاً أي شاباً إذ يُخرجُكَ قومُكَ.
سأل النبيُّ ﷺ باستغرابٍ: أوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟.
قال ورقةُ: نعم، لم يأتِ رجلٌ قطُّ بمثلِ ما جئتَ به إلا عُودِيَ، وإنْ يدركني يومُكَ أنصرْكَ نصراً مؤزراً.
بعد ذلك بفترةٍ قصيرةٍ، توفي ورقةُ، وانقطع الوحيُ مدةً، فحزن النبيُّ ﷺ، وكان يخرجُ إلى رؤوسِ الجبالِ يترقَّبُ عودةَ جبريلَ، حتى حدثت المفاجأةُ ذاتَ يومٍ.
يقول النبيُّ ﷺ واصفاً تلك اللحظةَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ. فَفَزِعْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي فَقُلْتُ لِخَدِيجةَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي.
فأنزل اللهُ تعالى أوائلَ سورةِ المدثرِ: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)}
فماذا فعل النبيُّ ﷺ؟ هل سارع للإنذارِ فورَ تلقيهِ الأمرَ الإلهيَّ؟ نعم! صعِد النبيُّ ﷺ فوق جبلِ الصفا، ونادى بأعلى صوتِه: يا صَباحاه. فلما عرف الناسُ أن المناديَ هو محمدٌ ﷺ، اجتمعوا إليه من كلِّ صَوْبٍ. نادى النبيُّ ﷺ بطونَ قريشٍ بأسمائِهم وسألَهم: أرأيتَكُم لو أخبرتُكُم أن خيلاً بالوادي تريدُ أن تغيرَ عليكم، أكنتم مُصَدِّقِيَّ؟. قالوا بلسانٍ واحدٍ: نعم، ما جَرَّبنا عليك كذباً قطُّ، وما عَهِدْنا فيك إلا الصدقَ.
لقد كان النبيُّ ﷺ في سنِّ الأربعينَ مَضْرِبَ المثلِ في الأمانةِ، واستمرت هذه الشهادةُ حتى من أعدائِه في كِبَرِه. حينها صدح النبيُّ ﷺ بدعوتِه قائلاً: يا بني كعبِ بنِ لؤيٍ، يا بني عبدِ منافٍ، يا بني هاشمٍ، يا بني عبدِ المطلبِ، يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، يا معشرَ قريشٍ.. إني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديدٍ. أنا رسولُ اللهِ إليكم، لا إله إلا هو، فاعبدوه وحدَه لِتُنْقِذُوا أَنفُسَكُم مِنَ النارِ. فإني لا أملكُ لكم من اللهِ شيئاً إن لم تؤمنوا.
ما إن أتمَّ النبيُّ ﷺ كلماتِه حتى استشاطَ عمُّـه أبو لهبٍ غضَباً، وأشار بيدهِ صائحاً في وجهِ النبيِّ ﷺ: تَبّاً لكَ سائر اليوم ! أَلِهذا جَمَعْتَنا؟.
فـأُنْزِلَ الوحيُ فوراً بآياتٍ من القرآنِ الكريمِ تَرُدُّ على إساءةِ أبي لهبٍ، وتُعلي شأنَ المصطفى ﷺ، وتُثبتُ إعجازَ هذا الدينِ العظيمِ.
فَنَزَلَتْ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ}.




