كان النبيُّ الكريمُ يؤمُّ المصلينَ في المسجدِ النبويِّ. تخيل المشهدَ، أبو بكرٍ وعمرُ وسائرُ الصحابةِ يقِفون خلفَه في صفوفٍ متراصةٍ. فهل يوجد في الوجودِ صلاةٌ أعظمُ بركةً من صلاةٍ خلفَ سيدِ الخلقِ؟ كان يقرأُ بتؤدةٍ، ويصلي بسكينةٍ تامةٍ، بلا عجلةٍ أو صخبٍ، بل بخشوعٍ تملؤه الرقةُ والوقارُ. وإذا سُمِعَ بكاءُ طفلٍ، تحرّكَ قلبُه الرحيمُ بالشفقةِ، وكان يراعي حالَ كبارِ السنِّ والمرضى، لذا فرغمَ شوقِه لإطالةِ القراءةِ والوقوفِ بين يدي اللهِ تعالى، كان يُخفّفُ الصلاةَ رحمةً بهم.
إنها رحمةُ المصطفى، ووعيُه الاجتماعيُّ الأصيلُ، وحبُّه للخلقِ، إذ لا يريدُ لأحدٍ أن يشعرَ بالمشقةِ، حتى في أقدسِ العباداتِ.
وفي شأنِ صلاةِ الجماعةِ، نالت المرأةُ رخصةً تخفيفيةً، فليس عليها أن تتكبدَ عناءَ الذهابِ للمسجدِ خمسَ مراتٍ، إذ إن طبيعتَها تتناغمُ مع الخصوصيةِ في بيتها، لترعى أسرتَها وتخدمَ مجتمعَها بسترٍ. وهذا التشريعُ هو في جوهرِه وقايةٌ لها من النظراتِ العابثةِ، وحمايةٌ لكيانِها من الأنظمةِ التي تحاولُ تسليعَ جمالِ المرأةِ.
لكنَّ الصحابيةَ الجليلةَ أمَّ حُمَيدٍ كان يملؤها شوقٌ عارمٌ للصلاةِ خلفَ النبيِّ الكريمِ. فجاءت إليه تبوحُ برغبتِها قائلةً: أُحِبُّ الصلاةَ معك. فتعاملَ النبيُّ مع طلبِها بحكمةٍ تربويةٍ وبصيرةٍ نفسيةٍ، حيث بينَ لها أن جوهرَ العبادةِ هو تحصيلُ الثوابِ، وأوضحَ أن خيرَ مصلى للمرأةِ هو أشدُّ الأماكنِ خصوصيةً في بيتها. وبكلِ رضا، جهزت غرفتَها الخاصةَ لتكونَ محرابًا لها، وظلت تصلي فيها حتى وافاها الأجلُ.
تعالوا بنا إلى رحابِ المسجدِ النبويِّ الشريفِ، حيث يصلي النبيُّ الكريمُ. هناك تَرى الصحابةَ يقتدون بحركاتِه وسكناتِه في تناغمٍ مهيبٍ، وكأنهم صورةٌ طبقَ الأصلِ من صلاتِه، في مشهدٍ يجسدُ أسمى معاني الاتباعِ والوفاءِ.
وعلى الرغمِ من أن النبيَّ كان يُخففُ الصلاةَ رِفقًا بالمأمومين، إلا أنه كان يُطيلُها في أحوالٍ نادرةٍ. فكان القيامُ يمتدُّ تبعًا لطولِ القراءةِ، ويتبعُ هذا الطولَ ركوعٌ وسجودٌ ممتدانِ.
يصفُ حذيفةُ بنُ اليمانِ مشهدًا من تلك الصلاةِ فيقول: صلَّيتُ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذاتَ ليلةٍ فافتتح البقرةَ , فقلتُ يركعُ عند المائةِ , فمضَى , فقلتُ يركعُ عند المائتَيْن , فمضَى , فقلتُ يُصلِّي بها في ركعةٍ , فمضَى , فافتتح النِّساءَ فقرأها , ثمَّ افتتح آلَ عمرانَ فقرأها , يقرأُ مترسِّلًا , إذا مرَّ بآيةٍ فيها تسبيحٌ سبَّح , وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل , وإذا مرَّ بتعوُّذٍ تعوَّذ , ثمَّ ركع فقال سبحانَ ربِّي العظيمِ , فكان ركوعُه نحوًا من قيامِه ثمَّ رفع رأسَه فقال : سمِع اللهُ لمن حمِده , فكان قيامُه قريبًا من ركوعِه ثمَّ سجد فجعل يقولُ سبحانَ ربِّي الأعلَى فكان سجودُه قريبًا من قيامِه.
إن مثلَ هذه الإطالةِ كانت تحدثُ غالبًا في الصلواتِ الخاصةِ، كصلاةِ الكسوفِ. وفي إحدى تلك الصلواتِ، وقعَ حادثٌ عجيبٌ، إذ تقدمَ النبيُّ في صلاتِه كأنه يتناولُ شيئًا، ثم تراجعَ. ولما سأله الصحابةُ عن ذلك، قال: عُرِضَتْ عليَّ الجنةُ، فجعلتُ أقطفُ منها عنقودًا، ولو أخذتُه لأكلتم منه ما بقيت الدنيا. وعُرِضَتْ عليَّ النارُ، فلم أرَ كاليومِ منظرًا أفظعَ منها قط.
لقد كان النبيُّ الكريمُ إنسانًا استثنائيًا يرى الجنةَ والنارَ في صلاتِه رؤيان عيانٍ. ومع أنه كان يُحبُّ الطيبَ والروائحَ الزكيةَ، ويحملُ لزوجاتِه في قلبِه فيضًا من المودةِ، إلا أن قرةَ عينِه الحقيقيةَ كانت في الصلاةِ، كما قال بنفسِه: وجُعِلَتْ قرةُ عيني في الصلاةِ.
فهل نُطيقُ نحن أن نصليَ كما صلى الرسولُ؟ فبَعد أن تجاوزَ الخمسينَ من عمرِه، كان يقضي ليلَه ساجدًا وقائمًا، من أولِ الليلِ حتى ينامَ الناسُ، بل كان يمتدُّ في صلاتِه إلى منتصفِ الليلِ، وحتى وقتِ السحورِ، بل وإلى بزوغِ الفجرِ. كان يركعُ ويسجدُ وعيناهُ تفيضانِ من الدمعِ، فقلبُه كان معلَّقًا بالعرشِ، ولهذا القلبِ بصرٌ وسمعٌ يُدركُ ما لا تُدركُه حواسنا، وبذلك رأى النبيُّ الجنةَ والنارَ.
لماذا كلُّ هذا البكاءِ وهذا العناءِ؟ تروي السيدةُ عائشةُ أن قدمي النبيِّ كانت تتورمُ من طولِ القيامِ. وحين سألتْه عن سببِ هذا المجهودِ الشاقِ وهو الذي غفرَ اللهُ له ما تقدمَ من ذنبِه وما تأخرَ، أجابها بحبٍ: أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟
هل تسعفُ الكلماتُ أيَّ لغةٍ لوصفِ مشاعرِ هذا العبدِ المتواضعِ الذي يحتفي بعبوديتِه لربِه بدافعِ العشقِ الإلهيِّ؟ إن الصلاةَ ليست مجردَ حركاتٍ بَدنيةٍ نؤديها اضطرارًا، بل هي ذوبانُ المحبِّ في حضرةِ محبوبِه. فحين يرفعُ المصلي يديْه مُكبِّرًا ويقولُ: اللهُ أكبرُ، يتضاءلُ الكونُ وكلُّ ما فيه أمامَ عظمةِ الخالقِ.
ويحضرني هنا قولُ الكاتبِ التاميليِّ عبد الله أديار الذي وصفَ المصليَ وهو يرفعُ يديْه للتكبيرِ كأنه طائرٌ يفرِدُ جناحيْه ليستعدَّ للتحليقِ في ملكوتِ اللهِ.




