كثير من الناس يتقربون من النبي صلى الله عليه وسلم بعطايا عظيمة. جعل ذلك الغُميصاء في قلق شديد. (اسم الغميصاء، هي أم سليم الصحابية الجليلة، ابنة ملحان بن خالد الأنصاري، من بني النجار الخزجية). أنا ماذا أعطي النبي صلى الله عليه وسلم؟ ليس لديّ أيّ شيء لتقديمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم! استغرقت في الأفكار.
أخيرا، وجدت هدية متميزة. فاقتربت من النبي صلى الله عليه وسلم، وهي ممسكة بيد ابنها البالغ من العمر عشر سنوات. وقالت:
يا نبي الله ! الجميع يُهديكَ بهدايا غالية. لكن ليس لديّ مال حتى أُعطيك. كلّ ما أملكه هو هذا الصبي الصغير. سأقدمه أمامك في خدمتك. عندما تحتاج إلى المسواك، أوالحذاء عند الخروج، أو ماءً للتنظيف، أو أيّ شيء آخر، أذكر له فهو يعينك. دعه يبقى معك.
اليوم يوم عيد لأهل المدينة. عيد فرح وسرور، حضر هذا اليوم بعد انتظارات طويلة، وصلت الاحتفالات والفرحات في أوج الازدهار. تغمر الفرحة في وجوههم، وفي البيوت والأسواق والطرق. ينغمس الأطفال والشبان والنساء والرجال، وحتى كبار السن، في برامجهم الاحتفالية المتنوعة. فيهم الذين يضربون الدفوف، والذين يزينون البيوت والطرق ، و الذين يجهّزون أطباق الأطعمة اللذيذة، والذين يجمعون الهدايا......
ما هو الأمر العظيم؟ لقد وصل النبي صلى الله عليه وسلم اليوم إلى المدينة ، وهذه التجهيزات لاستقباله ..
كم وقتا انتظروا !
في كل صباح كانوا ينتظرون النبيّ، صغارهم وكبارهم، على حدود المدينة ، منتظرين وصول النبي صلى الله عليه وسلم. وعندما تشتدّ حرّ الشمس المتوقدة، يعودون إلى بيوتهم خائبين، ويقولون في أنفسهم : إنّه سيأتي غدًا، سيأتي، لا شك فيه. هكذا هدّأوا أنفسهم بالتوقع الممتع...
وبعد أيام قليلة، أتى ذلك الغد. وعندما طلع البدر المنير- النبي صلى الله عليه وسلم - في المدينة، أنشدوا جميعا.
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا الله داع
وكان ذلك يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، والصبيان صاروا يضربون الدفوف و يتجمعون حول النبي صلى الله عليه وسلم فرحا بقدومه.
بدأ الناس يتسابقون إلى حضرة النبي الكريم.. يشتاقون إلى رؤيته و لمسه و تقبيله وأخذه ضيفا إلى منازلهم، و إكرامه بمأدبة فاخرة وإعداده بمسكن كريم ، هكذا، هكذا ...
ومنذ ذلك الحين، ظلّ أنس بن مالك خادمًا للنبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، متفرغًا لخدمة النبي صلى الله عليه وسلم، ونال من ذلك رضاه و قرّبه.
جاءت أم سليم، أم أنس بن مالك، إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله، أنس خادمك، ادع الله له، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم لأنس: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فيما أعطيته. أثّر هذا الدعاء في حياة أنس بن مالك رضي الله عنه، فكان له من المال والأولاد ما لم يكن لغيره وكان يقول: وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ، الْيَوْمَ. كما كان من أطول الصحابة عمرًا، حيث عاش حتى بلغ عمره 103 سنة، وكان آخر من مات من الصحابة.
كيف كانت أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم؟
يقول أنس رضي الله عنه قال: ما مسستُ ديباجًا ولا حريرًا ألين مِن كفِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا شممت رائحة قط أطيبَ من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد خدمتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي قط: أفّ، ولا قال لشيء فعلتُه: لِمَ فعلتَه؟ ولا لشيءٍ لم أفعله: ألا فعلتَ كذا؟. لم يحدّق النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى وجه أنس قطّ، ولم يوبّخه قطّ، ولم يضربْه قط. يقول أنس: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من أحسن الناس خُلُقاً، فأرسلني يوماً لحاجة فقلت: والله لا أذهب– وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت حتى أَمُرَّ على صبيان وهم يَلْعَبُونَ في السوق فإذا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي قال: فنظرتُ إليه وهو يضحك فقال: يا أُنيْس ! أَذَهَبْتَ حيثُ أمَرْتُك؟
فقلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله. كان أنس إذا رأى الصبيان يسلّم عليهم، ثم يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسلم على الصبيان.
يقول أنس: بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يمشي في طرق المدينة، سمع بعض الفتيات يغنين هذه الأغنية :
نحن جَوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم بارك فيهنّ، اللهُ يعلمُ إنِّي لأحبُّكُنَّ.
ماذا نفهم من هذه الحوادث؟
إن النبيّ الكريم كان رفيقًا للصبيان. ولم يقتصر عطفه للصبيان الكبار فحسب، بل امتد هذا العطف إلى الرضيع حديث الولادة.
شاهد مشهدًا آخر : وها هي أم سليم، زوج أبي طلحة الأنصاري، أمّ أنس بن مالك رضي الله عنه تلد غلاماً. فتقول لابنها أنس: احمل هذا الطفل، واذهب به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وخذْ معك تمرات، ليمضغها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيلقيها في فمه، حتى يكون أول شيء يدخل جوف الصبي ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعل أنس، وضع النبي صلى الله عليه وسلم الرضيع في حجره، ثم مضغ التمرات، وفتح فم الصبي، فوضعها في فمه، فأخذ الطفل يلعب بلسانه، لتُدخل جوفه، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم مازحا : حبُّ الأنصارِ التمرُ!، ثم أدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إصبعه في فم الصبي، وأخذ يديره في حلقه مع عجينة التمر، يحنّكه بها، وهو يدعو له بالبركة، وسمّاه عبد الله، فكان أن وُلد لعبد الله هذا عشرة ذكور، كلهم يحفظون القرآن.
ماذا نفهم من هذه الحادثة؟
وهل تجاهل النبي الكريم أمرَ صبيّ صغير عندما جاءَ إليه لقضاءِ حاجة؟ أم أجّله حتى انتهى من عمله؟ أم أعاده إلى بيته سريعاً بعد أن نفّذَ ما أراده ؟
لا، لم يختر النبي منها شيئا، بل يترك عمله، ويستقبل الطفل، ويبحث عنه، ويقضي حاجته في وقت يكفيه، ثم يقول عنه مَن حوله ، و يعدّ الطفل حديث الولادة عضوا من الأنصار!
مرة أخرى، جاءت امرأة تُدعى أمّ قيس ومعها صبيٌّ لم يتجاوز الثانية من عمره، و لم يتغذّ إلا اللبن. ووضعته في حجر النبي صلى الله عليه وسلم. فبال الصبي، الذي كان جالسًا في حجره .
فماذا جرى هناك ؟ هل كان هناك أي ضجة؟
لا، أبداً ! ولم يكن هناك رعد ولا عاصفة ولا شتم ولا إنكار.
طلب النبي الماء ورشّه على المكان الذى أصابه البول، هذا خلاص، تم الجميع بكل سلام وهدوء!
لم يغضب النبي الكريم، ولم ينكره ، ولم يستأجر شخصًا آخر لتنظيف ملابسه؟ ولم يستخدم كمية كبيرة من الماء أوالصابون لتنظيف ملابسه. هذه هي مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم العملية.
لقد أصبح ذلك الحضن الشريف مدرسة فكرية، تعلّم الأمة مسألة ؛ مفادها أنّ الغلام الذي لم يبلغ سنتين ولم يتناول شيئا غير لين الأمّ، سيصير ما تنجس ببوله طاهرًا إذا رشّ عليه الماء. وهذا يذكّرنا عن ذاك الصبي الذي حظي بالتبول في حضن النبي الكريم!
ومن تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم مشاركة الكبار في أفراح الأطفال ومواساتهم في الأحزان والنزول إلى مستواهم في التعامل كأننا أطفال مع أطفالنا.
وفي حديث آخر رواه أنس رضي الله عنه، يروي قصة أخيه الصغير يقال له أبو عمير، وكان صغيرًا في السن، غلامًا لم يبلغ. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلعب معه، ويداعبه.
في أحد الأيام، عندما زار النبيّ منزله، رأى في وجهه الحزن. فسأل النبي أمّه عن سبب حزنه. فأخبرته أمه بأنه كان هناك طائر صغير يلعب به، وقد مات.
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطفل على الفور. فضمّه إليه وقال له: يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير! هو طائر صغير يشبه العصفور، كان يلعب به الصبي.
كان هذا سؤال يتضمن كلّ شيء؛ مشاركة في حزنه الصغير، إلقاء في ذهنه الراحة والطمأنية بالسؤال عن حزنه، وتخفيف لآلمه وحزنه ببسط همومه أمام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه كلها تعامل سيكولوجي في تخفيف التوتر والهموم.
دعنى أنتهي من هذا المقال بتصريح من أنس بن مالك نفسه، حول بداية ونهاية تلك السنوات العشر في خدمة النبي صلى الله عليه وسلم المليئة بالأحداث : لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء. وما نفضنا عن رسول الله ﷺ الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا.




