من هو أبو البصريات الحديثة؟
إنه ابن الهيثم، ذلك العالم المسلم الذي جعل من تجاربه ونظرياته أساسًا لعلوم البصريات ما زالت تُدرس حتى اليوم.
ومن هو أبو الكيمياء؟ العالم المسلم جابر بن حيان، الرجل الذي صاغ القوانين والعمليات الكيميائية، وألهم العلماء في أوروبا وآسيا على مر العصور.
أما أبو الجبر؟ فهو الخوارزمي، عالم الرياضيات الذي أسس قواعد الجبر والرياضيات الحديثة، وكان مسلمًا كذلك.
لقد كان العلماء المسلمون في عصورهم منارة للمعرفة، وسطروا بأعمالهم إسهامات خالدة في مختلف ميادين العلم والفكر. هؤلاء العلماء ليسوا مجرد أسماء نذكرها في كتب التاريخ، بل هم نور حضاري أضاء للعالم أبواب المعرفة.
والخطيب في خطبته يطرح على الحضور هذه الأمثلة بأسلوبه الحيوي والصوت الرنان ليذكّرهم بعظمة الإرث الحضاري الإسلامي، ويقودهم إلى التأمل في مكانتهم اليوم، في عالمنا المعاصر الذي يواجه تحديات كبيرة.
موضوع الخطبة : العلم
والخطيب يقف على المنبر كقائد جيش، يحرّك النفوس كما يحرّك القائد الصفوف، بكلمات تهزّ القلوب وتوقظ الأرواح الغافلة، وصوتٍ عذب يطرق المسامع طرقًا
خطبة الجمعة ليست مجرد كلمات تُلقى على منابر المساجد، بل هي عبادةٌ قائمة على أركان وشروط محددة:
- يجب أن يكون الخطيب رجلا.
- يلتزم القيام الصحيح أثناء خطبته.
- يجلس بين الخطبتين.
- يجب أن تكون باللغة العربية الفصحى.
- يجب أن يُسمعهما على الألقل 40 رجلا من الحاضرين.
- يجب ستر العورة طوال الخطبة.
- الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
- والدعاء للمؤمنين.
- وقراءة آية كاملة من القرآن الكريم.
- الهدف الأساسي من خطبة الجمعة هو إيقاظ القلوب، وتحريك النفوس نحو تقوى الله، والعمل على مقتضى كتابه وسنة نبيه..
كل هذا شروط الخطبة وقوانينها
كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يلقي خطبه؟ وما سر جاذبيتها؟
كانت خطبه مسلية، مثيرة للتفكير، ومرعبة أحيانًا. لم تكن مجرد كلمات عابرة تمرّ من اللسان إلى الأذن، بل كانت تدفّقًا صادقًا من قلب إلى قلب. حين يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم حديثه، يرتفع صوته، وتحمرّ عيناه، ويكتسب وجهه هيبة القائد الذي يوجه أمته ويحفّزها على العمل الصالح.
مرةً، تحدث النبي صلى الله عليه وسلم بصوت عالٍ عن عذاب الجحيم، فارتفع صوته فسمعه حتى من في السوق، والطيلسان الذي كان على كتفه الشريف سقط منه. لم يكن هدفه حطاما من الدنيا الدنيئة، بل تحريك النفوس نحو الحق والنجاة.
في إحدى خطبه، سأل النبي: «يا أمتاه، هل بلّغتكم؟» فسأل طفل صغير أمه: «يا أمي، لأي شيء يدعونا النبي؟» فأجابته الأم: «إنه يدعونا جميعًا كأمة، لا كأم أو والدة». هذا السؤال البسيط يكشف عمق صدق الدعوة، وحرص النبي على إيصال الحقيقة لكل صغير وكبير.
إن الخطبة إذا أُحسن فهمها وتأملها، تصبح درسًا في العلم والفضيلة، ورابطًا بين الماضي والحاضر، ودعوة صادقة إلى الخير والتقوى. وهي فرصة للتذكير بما علمه القرآن والسنة، ولحثّ المسلمين على السير على نهج العلماء الأوائل الذين كان لهم فضل السبق في علوم الدنيا والدين، والتمسّك بالقيم التي تنهض بالإنسانية جمعاء.
قال أنس بن مالك، خادم النبي صلى الله عليه وسلم: خطب رسول الله يومًا خطبةً ما سمعت مثلها قط.
كان يقول «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا»، فما إن سمع الصحابة ذلك حتى غطّوا وجوههم وأجهشوا بالبكاء.
إنها كانت كلمات تهزّ القلوب هزًّا، وتوقظ الأرواح الغافلة من سباتها. ولم تكن كلمات تمرّ على السمع مرّ الريح، بل تغرس جذورها في أعماق القلب. لم تكن ألفاظًا منمّقة أو حروفًا منسوجة للزينة، بل كانت ومضات من نور، تصعق الغافلين كما يصعق البرق الظلمات، وتفيض رحمة على القلوب كما يفيض الغيث على الأرض العطشى.
ومن أخلد تلك الخطب التاريخية خطبته في حَجّة الوداع؛ يومها أعلن النبي صلى الله عليه وسلم حرمة الدماء والأموال والأعراض، ودعا لإحياء المساواة بين البشـر جميعًا، ذلك الإعلان العظيم لحقوق الإنسان قبل أن يعرفها العالم بقرون. كانت خطبةً ضد الظلم والفساد، ضد العصبية والجاهلية، إعلانًا لحرمة الدماء والأموال والأعراض، ودعوة لإحياء المساواة بين البشـر جميعًا، وإنهاضا بالفئات المهمشة المنبوذة، وحبا ضد المحسوبية ومحاباة الأقرباء، فكأنه صوت إلهي يدوّي في صحراء الجزيرة، ثم يمتد صداه إلى أرجاء العالم، ليقول للناس: إن الظلم باطل، وإن العصبية هباء، وإن الناس سواء كأسنان المشط.
في ذلك اليوم أخرج النبي صلى الله عليه وسلم الشـرور الاجتماعية من جذورها، وأعلن حربًا على الربا والقتل والثأر، وأكد على مكانة المرأة وحقوقها، وعلى وجوب حفظ الأمانة وصيانة العهود. وصدح بكلماته الخالدة «أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب. لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى». أيُّ عظمة أبلغ من أن يتحدث رجل قبل أربعة عشر قرنًا بكلمات لا تزال إلى اليوم صالحة لعلاج أمراض العالم؟! كلمات تُلغي العصبيات، وتُبطل أشكال التمييز، وتدعو إلى الأخوّة الإنسانية في أصفى صورها.
هيا نستمع إلى تلك الكلمات الرنانة الجامعة الخالدة التي جاءت صرخات صادقة لإنقاذ الناس من الهلاك، وميثاقًا خالدًا للإنسانية جمعاء....
«الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله. أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثّكم على طاعته! وأستفتح بالذي هو خير. أما بعد، أيّها النّاس، اسمعوا منّي أبّين لكم، فإنّي لا أدري، لعليّ لا ألقاكم بعد عامي هذا، في موقفي هذا..
أيها الناس، إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا في شهر كم هذا في بلدكم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانةٌ فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تَظلِمون ولا تُظلَمون، وقضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عمي العباس بن عبد المطلب موضوع كله.
وأن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم عامر ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية والعمد قودٌ، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير فمن ازداد فهو من الجاهلية.
أما بعد أيها الناس فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به بما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم.
أيها الناس ﴿ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ﴾ إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض و﴿ إِنَ عِدَّةَ الشهور عند اللهِ اثْنَا عَشَـرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ ثلاثة متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان .
أما بعد أيها الناس، إن لنسائكم عليكم حقًّا، ولكم عليهنّ حقّ، لكم عليهنّ ألا يوطئن فرشكم غيركم ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم، ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله فاعقلوا أيها الناس قولي.
أيها النّاس، إنّما المؤمنون إخوةٌ، فلا يحل لأمرئ مال أخيه إلاّ عن طيب نفسٍ منه، ألا هل بلّغت، اللّهم اشهد، فلا ترجعنّ بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده، كتاب الله و سنة نبيّه، ألا هل بلّغت، اللّهمّ اشهد.
أيها النّاس إن ربكم واحدٌ، وإنّ أباكم واحدٌ، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم وليس لعربيّ فضلٌ على عجميّ إلاّ بالتّقوى.
أيها الناس، لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم ، فاعبدوا ربكم عز وجل وصلوا خمسكم ، وأدوا زكاتكم ، وصوموا شهركم ، وأطيعوا ولاة أمركم تدخلوا جنة ربكم..
أيها الناس، أنتم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ونصحت بأمتك وقضيت الذي عليك. فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكسها إلى الناس «اللهم أشهد، اللهم أشهد»، ثم قال: فليبلغ الشاهد الغائب...
هل تصدقون أن هذه الكلمات جاءت على لسان رجل من قرون خلت، يُلقي خطابًا يلمس واقع العالم اليوم؟! إنّ ما تحويه خطب النبي صلى الله عليه وسلم من إشارات ودلالات، ليبدو وكأنه يلمس تحديات عصرنا المعاصر، من ظلم وظلام اجتماعي وفكر متشظٍ، ولم يكن هدفه يومًا التلاعب بالألفاظ أو الزخارف اللغوية.
لقد كان صلى الله عليه وسلم يفعل ما أُمِر به قبل غيره، ويترك ما نُهي عنه قبل غيره، وكان التزامه شخصيًا قبل أن يكون دعوة للآخرين. وكان حريصًا على أن يصل قلبه إلى قلوب الناس، لذا حرص على التواصل البصري المباشر أثناء الخطبة، فاستطاع الصحابة التقاط كل إيماءة وكل نظرة، فكانت خطبه تتجاوز الكلمات إلى التأثير العميق في النفوس.
ولا ينال الناس فوائد الخطبة إلا عندما يُلقيها الخطيب من مكان مرتفع، ليصل صوته إلى كل من حوله، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يُلقي خطبه من على منبر أو حتى على ظهر دابة ليُسمع الجميع، وليكون صوت الحق عالياً، ورسالته شامخة، وحضوره ملموسًا في كل قلب سامع.
خُطب النبي لم تكن مجرّد محاضرات، بل كانت صرخات صادقة لإنقاذ الناس من الهلاك. كان إذا خطب ارتفع صوته، واحمرّت عيناه، واشتدّ غضبه لله، حتى ليخيّل للسامع أنّه قائد يحرّك الجيوش. ومع ذلك، كان يخاطب القلوب قبل الآذان، ويغرس بذور الإيمان في أعماق النفوس.
ولم تكن خطبه خاصة بالجمعة أو العيد، بل كان يخطب لأسباب متعددة، ومنها خطبته المؤثرة حين قدم عليه فقراء قبيلة مضر بملابس ممزقة ووجوه جائعة. رقّ قلبه لهم، فصعد المنبر بعد صلاة الظهر، وافتتح خطبته بحمد الله والثناء عليه..
وهكذا حال جميع خطبه، لا يبدأ إلا باسمه تعالى، والحمد له والثناء عليه، والتشهد، وقد نبه الأمة أن «كُلُّ كَلاَمٍ أَوْ أَمْرٍ ذِى بَالٍ لاَ يُفْتَحُ بِذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ أَبْتَرُ أَوْ قَالَ أَقْطَعُ ». وقال مرة أخرى « كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ ، فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ ».
ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ النساء:1
وقرأ أيضا ﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨ ﴾
ثم حثّ الناس على الصدقة والإحسان، فتصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره ـ حتى قال صلى الله عليه وسلم «ولو بشق تمرة»، فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت ثم تتابع الناس.. حتى امتلأ المسجد ثيابا وطعاما، وظهر بين يدي صلى الله عليه وسلم كومين من طعام وثياب، فتهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه مذهبة.
كانت خطبه ليست فقط مواعظ، بل دعوات للعمل، وحركة لبناء مجتمع الرحمة والعدل.
لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يملّ الحاضرين بخطبه، ولم يكن يكثر منها في كل يوم، بل كان يختار لها الأوقات بعناية، لتكون أوقع في النفوس وأبلغ في القلوب.
والخطيب يجب عليه أن يظهر بمظهر حسن يليق بمقام الموعظة، وقد رُوي أن للنبي صلى الله عليه وسلم معطفًا فارسيًّا جميلاً، نُسج بعض أجزائه بخيوط الحرير، وكان يرتديه في خطبه واستقبال وفود الملوك، فيجمع بين جمال الهيئة وبهاء الكلمة.
ويروي العرباض بن سارية رضي الله عنه حادثة من تلك المواعظ البليغة، فيقول: "صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودِّع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».
ولنختم اليوم بلمحة مؤثرة أخرى من خطب النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه هذه المرة في منى، في أيام التشريق، في اليوم الثاني من عيد الأضحى، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس على بغلته الشهباء، وإلى جانبه عليٌّ كرم الله وجهه يبلّغ عنه، والجموع من حوله بين جالس وقائم، في مشهد مهيب يمتلئ خشوعًا وهيبة. الكل ينصت إليه، كأنما القلوب كلها قد تحولت آذانًا، وكان في ذلك الجمع طفل صغير يُدعى رافع بن عمرو، حضر مع أبيه.
فلندعه يروي قصته:
«أقبلت مع أبي وأنا غلام ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس على بغلة شهباء، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يعبر عنه، والناس من بين جالس وقائم ، فجلس أبي ، وتخللت الركاب حتى أتيت البغلة، فأخذت بركابه، ووضعت يدي على ركبته، فمسحت حتى الساق حتى بلغت بها القدم، ثم أدخلت كفي بين النعل والقدم فيخيل إلي الساعة أني أجد برد قدميه على كفي».
فما الذي حصل؟
أفكان النبي صلى الله عليه وسلم ليغضب؟
أكان ليزجر غلامًا صغيرًا أو يأمر بإبعاده؟
كلا والله.
لم يلتفت صلى الله عليه وسلم عن خطبته، ولم يقطع حديثه، وإنما ظلّ كما هو، رحيمًا ودودًا، يفيض حلمًا ورفقًا.
وفي مشهد آخر، وبينما هو صلى الله عليه وسلم يخطب على منبره بالمسجد، إذ أقبل حفيداه الحسن والحسين رضي الله عنهما، يلبسان ثوبين أحمرين ويتعثران في مشيتهما، فما إن رآهما النبي صلى الله عليه وسلم حتى خشِي أن يسقطا، فنزل من منبره، وحملهما معه، ثم عاد بهما إلى المنبر وأجلسهما بجواره، وأكمل خطبته، وكأنما أراد أن يعلّم الدنيا كلها أن الرحمة أسمى من الجلال، وأن الحنان لا ينقص من الهيبة، بل يزيدها بهاءً وسموًّا..
هكذا كانت خطب النبي صلى الله عليه وسلم بليغة لا يطيل فيملّ، عميقة لا تخدعها زخارف اللفظ، مفعمة بالصدق حتى تسري من القلب إلى القلب، وفيها الرحمة والحكمة والجلال في آن واحد.
إنها خطب لم ينسجها الزمان إلا لتبقى خالدة، تهدي القلوب وتضيء العقول إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
إن العالم اليوم، وقد تكاثرت فيه الأزمات، وتنازعت فيه المصالح، أحوج ما يكون إلى أن يسمع من جديد تلك الخطب النبوية. فهي ليست من الماضي، بل هي حاضرة في كل لحظة، تعلّمنا كيف نصنع عالمًا يسوده العدل، وتحكمه الأخوّة، ويظلّله الإيمان.
وبعد الخطبة تضرع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله يدعو للشهداء، وللأطفال الصغار الذين يودى بحياتهم.
وستنطوي جولتنا القادمة عن ذلك المشهد الرهيب.




