اقترب النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم من المسجد، فأناخ راحلته عند بابه، ودخل من باب بني شيبة، المعروف اليوم بـ"باب السلام"، وهو الباب الذي كان يدخل منه أيام الدعوة والصبر والمصاعب في مكة. يا لله ما الذي كان يتداعى في خاطره في تلك اللحظة! أما دخل الحرم قبل نحو عشر سنين فألقوا عليه سلا الجزور وهو ساجد؟ أما دخل الحرم فقام إليه ملأ من قريش فأخذوا مجامع ردائه وخنقوه به؟ واليوم، ها هو يدخل الحرم، وقد صدقه ربه وعده، وأظهره على الدين كله.
ولما نظر إلى البيت رفع يديه قائلاً:
«اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا، وتكريمًا ومهابةً، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفًا وتعظيمًا وبرًا».
الطواف والسعي: عبادة القلب والروح
ثم سار صلى الله عليه وسلم نحو الكعبة، فاستلم الحجر الأسود، وكبر ففاضت عيناه بالبكاء، ثم وضع شفتيه عليه وقبله. وطاف بالبيت سبعة أشواط، الثلاثة الأولى بوتيرة شبه سريعة، ثم الأربع الباقية بوتيرة طبيعية، فدوران البشرية حول هذا المكان رغم اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم أصبح على مثال طوافه.
فلما فرغ من طوافه، توجه إلى مقام أبيه إبراهيم، فتلا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، ثم صلى خلفه ركعتين، ثم عاد إلى الحجر الأسود، وقبله ومسحه بيديه ثم مسح بهما وجهه.
ثم توجه إلى الصفا، فصعده وهو يقرأ:﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾،
وألقى نظره إلى البيت، واستقبله، ورفع يديه، وهلل وكبر، ودعا، كرر الذكر والدعاء ثلاث مرات، ثم نزل، فأسرع في السعي بين الصفا والمروة، حتى كاد إزاره أن يدور على ركبتيه من شدة الحركة. ثم صعد المروة، وفعل كما فعل على الصفا. لم يكن سعي النبي صلى الله عليه وسلم مجرد طقس جسدي، بل إحياء لذكرى حدث عظيم وتذكير بالرحلة الكبرى نحو الله.
حركة الجموع في مكة
وفي هذه اللحظات، فشا الخبر في مكة، وتنادى الناس: رسول الله في المسجد...، رسول الله على الصفا والمروة... فلفظت البيوت من فيها، فتدافعت القلوب المشوقة، والعينان الظامئتان لرؤية وجهه المنير. حتى خرجت العواتق والإماء ينادين: "هذا رسول الله! هذا رسول الله!"وازدحم الناس عليه ينظرون إلى وجهه المنور، فلما كثروا حوله وكان كريماً سهلاً ، أمر براحلته فركبها ليُشرِف للناس ويروه كلهم ، شفقة عليهم ، ثم أتم صلى الله عليه وسلم سعيه راكبا، مظهرًا بساطة التوجيه ورحابة صدره.
فلما قضى سعيه أمر من لم يسق الهدي من أصحابه أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوا ذلك عمرة، وكان هذا التوجيه يهدف إلى إزالة التصور الخاطئ من الجاهلية بأن أداء العمرة في أشهر الحج معصية. وبعدها، واستمر النبي والذين ساقوا معهم الهدي في الحج، ثم سار بمن معه حتى نزل بالأبطح شرق مكة، فنزل بالناس وأقام بهم أربعة أيام ، يومَ الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء، أعد فيها النفوس للمواصلة إلى عرفات.
الركب في منى، وخطبته فيها
فلما أشرقت شمس يوم التروية، ركب النبي صلى الله عليه وسلم إلى منى، يرافقه أصحابه الذين حلوا مهلين بالحج، وصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، يقصر الرباعية ركعتين، محافظًا على كل صلاة في وقتها، وكأنها تحضيرٌ للنفير الأكبر نحو عرفات.
بات النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ليلة التاسع، ولما أشرقت شمس يوم عرفة، خير يوم طلعت فيه الشمس، يوم الجمعة، سار الركب الشريف من منى إلى عرفات، حتى وصلوا إلى نمرة، حيث أُقيمت له قبة. جلس فيها حتى زالت الشمس، ثم ركب ناقته القصواء، ونزل بها إلى بطن وادي عُرنة، فاجتمع الناس حوله، وهو على راحلته، وأشرف للجمع ليخطبهم خطبة عظيمة، حوت معاقد الدين وعصمت الملة وعظمت الحرمات.
وقال لهم صلوات الله وسلامه عليه:
«أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم وعراضكم حرام عليكم كما حرمت في هذا اليوم، في هذا الشهر، في هذا البلد… دماء الجاهلية موضوعة، ربا الجاهلية موضوع… اتقوا الله في النساء... تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتابِ الله..»
ثم سألهم: أَلاَ هَلْ بلّغْتُ،
ألا ما أعظم السؤال! وما أعظم المَقام! ثلاثة وعشرون عاماً قضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاغ والدعوة، والصبر والمصابرة، والجهد والجهاد، ومع ذلك يَسأل ويَستشهِد على بلاغه لأمته، فأجابته الجموع بفمٍ واحد: نشهد أنك قد بلَّغت ونصحت وأديت الذي عليك، فرفع صلى الله عليه وسلم إصبعه الشريفة إلى السماء، وجعل ينكتها إلى الناس وهو يقول «اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد»..
ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خطبته، أذن بلال وأقيمت الصلاة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر قصراً وجمعا.
إكمال الدين وإتمام النعمة
بعد صلاة العصر ركب النبي صلى الله عليه وسلم راحلته ودفع إلى عمق عرفات ليقف عند الصخرات مستقبلاً القبلة رافعاً يديه داعياً وملبياً...
وظن أصحابه أنه قد صام يومه ذلك ، فأرسلت إليه أم الفضل بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشرب منه والناس ينظرون إليه.
وفي هذا الموقف العظيم، نزل الوحي على قلبه الأمين جبريل بالآية الكريمة:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فقرأها على الناس معلنًا كمال الدين وتمام النعمة، فاستشعر عمر رضي الله عنه عظمتها، فاستعبر باكياً وقال: ليس بعد الكمال إلا النقصان.
أمضى النبي صلى الله عليه وسلم بقية يوم عرفة في التضرع والدعاء، واللهج بذكره، رافعًا يديه مستحضراً أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنه على كل شيء قدير. وفي آخر النهار، اختار أسامة بن زيد ليكون رديفه، هذا الشاب الأسود الأفطس الأجعد هو الذي حظي بشرف إرداف النبي صلى الله عليه وسلم ، وكأنه صلى الله عليه وسلم بهذا الانتخاب والاختيار يعلن تحطيم الفوارق بين البشر، ويدفن تحت مواطئ راحلته كل النعرات الجاهلية، والنزعات العنصرية، فلا فضل لعربيٍ على أعجمي، ولا لأبيضَ على أسودٍ إلا بالتقوى.
لعلي لا أحج بعد حجتي هذه
وفي صباح اليوم العاشر، قام صلى الله عليه وسلم لصلاة الفجر في وقت مبكر، ثم ركب راحلته متجهًا إلى المشعر الحرام، استقبل القبلة، ورفع يديه، داعيًا وملبيًا ومكبرًا، حتى أوشكت الشمس أن تطلع، ثم دفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس، مخالفًا هدي المشركين، وأمر ابن عمه الفضل بن العباس أن يلتقط له سبع حصيات صغيرة، لرمي الجمار في وادي محسّر بين مزدلفة ومنى.
وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى منى، فبدأ برمي جمرة العقبة، فاستقبلها جاعلاً منىً عن يمينه، ومكةَ عن يساره، فرمى الجمرة بسبع حصيات، يكبِّر مع كل حصاة، وكان في شأنه كله متواضعاً لله ، معظماً لشعائره، وازدحم الناس حوله فقال «يا أيها الناس لا يقتلْ بعضكم بعضا، وإذا رميتم فارموا بمثل حصى الخذف، ولتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه».
ثم توجه إلى المنحر لينحر هديه، فتسابق الهدي نحوه، أيُّها ينحره بيده الشريفة.. إذا كان هذا هو شعور الحيوانات العجماوات فكيف بقلوب المحبين التي امتلأت حباً وشوقاً لمحمد صلى الله عليه وسلم. نحر النبي صلى الله عليه وسلم بيده المباركة ثلاثًا وستين بدنة، بعدد سنوات عمره، ثم أمر عليًا بنحر الباقي، وتوزيع اللحوم والجلود بين الناس.
أبو طلحة يظفر بكنز من كنوز الدنيا
ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحلاق ليحلق رأسه ، فجاء معمر بن عبد الله ومعه الموسى، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه، ثم قال له ملاطفا «يا معمر، قد أمكنك رسول الله من شحمة أذنه وفي يدك الموسى» فقال معمر: والله يا رسول الله إن ذلك لمن نعمة الله علي ومنِّه، قال «أجل» ، ثم دفع شعر رأسه الأيمن للصحابة ، ثم قال: أين أبو طلحة؟ أبو طلحة الذي كان بيته كأنما هو بيتاً للنبي صلى الله عليه وسلم خدمةً وعناية وحفاوة ، فجاء أبو طلحة، فدفع إليه شعرَ رأسِه الأيسرِ كلَه ، فانطلق أبو طلحة بشعره ، وكأنما أعطي كنزاً من كنوز الأرض.
ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثاً ، فقال «اللهم ارحم المحلقين» ثم قال «والمقصرين».
جمرات التشريق
وبعد أن حلق صلى الله عليه وسلم رأسه ، نزع إحرامه ، وطيبته عائشة رضي الله عنها بأطيب ما تجد من الطيب، ثم ركب إلى البيت ، فلما وصل الكعبة طاف راكبا يستلم الحجر بمحجن كان معه، فلما فرغ من طوافه ذهب إلى سقاية عمه العباس، فاستسقى من أوعيتهم ، فقال العباس:يا فضل اذهب إلى أمك ، فأت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب من عندها فأبى صلى الله عليه وسلم ، وقال «لا حاجة لي فيه، اِسقوني مما يشرب منه الناس»، قال يا رسول الله: إنهم يضعون أيديهم فيه، قال «اسقني» فسقاه العباس مما يشرب منه الناس.
وبعد أعمال يوم النحر ، عاد صلى الله عليه وسلم إلى منى، فصلى بالناس صلاة الظهر، ثم مكث بها يومه يصلي الصلوات قصرا في أوقاتها ، ويعمر وقته بذكر الله، فكان يكبر في قُبَّته ويكبر أهل منى بتكبيره حتى ترتج فجاج منى بالتكبير.
فلما زالت الشمس في اليوم الحادي عشر توجه إلى الجمرات ماشيا فبدأ بالصغرى فرماها بسبع حصيات يكبر الله مع كل حصاة ، ثم تقدم حتى أسهل بعيداً عن زحام الناس، فرفع يديه واستقبل القبلة ودعا وتضرع طويلاً، ثم قصد الجمرة الوسطى فرماها كما رمى الصغرى، ثم أخذ ذات الشمال واستقبل القبلة ورفع يديه داعياً متضرعاً وأطال الوقوف، ثم رمى جمرة العقبة ولم يقف عندها. وهكذا صنع في رمي الجمار في اليوم الثاني عشر والثالث عشر.
لقد كان صلى الله عليه وسلم سمحاً في إقامة المناسك ، فرخص للرعاة أن يرموا يوم النحر ثم يدعوا يوماً ثم يرموا من الغد، ورخص للعباس أن يبيت بمكة لأجل سقايته، وكان يقول لمن قدم وأخر: افعل ولا حرج، فما سئل عن شيء يومئذ إلا قال: افعل ولا حرج.
النبي في خيف بني كنانة
ولما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج من منى ، تذكر أيام الدعوة الأولى التي شهدتها هذه الأماكن ، فقال «نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْر».
لقد اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم خيف بني كنانة لنزوله؛ ليظهر جميلَ صنع الله وصدقَ موعوده، فهذا المكان هو الذي تحالفت فيه بنو كنانة مع قريش على إخراج النبي صلى الله عليه وسلم وبني هاشم وبني المطلب من مكة إلى هذا الشعب، وكتبوا بينهم الصحيفة المشهورة ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فها هو محمد صلى الله عليه وسلم ينزل في ذات المكان وقد أظهره الله على الدين كله، ونصره وأعزه، وفتح له فتحا مبينا.
فلما رمى في اليوم الثالث عشر نفر إلى خيف بني كنانة المسمى بالمحصَّب ، فصلى هناك الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم نام حتى كان آخر الليل فاستيقظ وسار بمن معه إلى الكعبة، فطاف طواف الوداع، وصلى بالناس صلاة الصبح يترسل في قراءته بسورة الطور، وكانت هذه آخر صلاة صلاها أمام الكعبة.
رجوعه إلى المدينة المنورة
ثم خرج صلى الله عليه وسلم من مكة من أسفلها من ثَنيَّة كُدَي وتفرقت الجموع التي كانت معه في فجاج الأرض ، وما علمت أنه وهو يودعها كان يودع الدنيا، وأن كان في الأيام الأخيرة من حياته ، وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعشرة أيام، قطع كل يوم قرابة خمسين كيلومترا، فلم يمض إلا شهران وأيام حتى لحق بالرفيق الأعلى والمحل الأسنى، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وأتم النبي صلى الله عليه وسلم مناسك الحج، محافظًا على الصلوات في أوقاتها، وكبيرًا لله في كل فعل، مستحضراً ذكر الله في كل لحظة، مجسدًا عبادة القلب والروح، ليكون الحج رحلة نورٍ وعودة إلى الله، وتربية قلبية وروحية، ودرسًا للإنسانية كلها.
خلال مناسك الحج، خاطب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أمته إلى يوم القيامة متمثلة بمن بين يديه في عرفات ومنى، وألقى خطبةً قصيرة في الزمن، لكنها طويلة في المعنى، لم تتجاوز عشر دقائق، لكنها أضاءت القلوب وأنارت العقول. كانت هذه الكلمات صرخةً لإنصاف الإنسان، ونبذًا لكل رذائل المجتمع، واجتثاثًا للآفات التي استعمرت النفوس، ودعوةً صادقة لاحتضان المهمشين، وصوتًا عالياً يستنكر المحسوبية ويؤكد عدل الله في الأرض.
إليكم خلاصة خطبته بعرفات..
الخطبة العظيمة في عرفات: صرخة للعدل والرحمة
اجتمع الحجاج حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرفات، وهم يرفعون الأكف، وقلوبهم تنبض بشوق لرؤية نبيهم، وخشيةً من مقامه الجليل. وقف صلى الله عليه وسلم على راحلته، أشرف للجمع، وألقى خطبته التي كانت بمثابة درسٍ شامل في الحقوق والواجبات، وحصن للأمة ضد كل فساد وظلم.
بدأ صلى الله عليه وسلم بقوله:
«الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله».
ثم خاطب الناس بحرارة وصدق:
«أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، واستفتح بالذي هو خير».
كان صوته يجمع بين الحزم والود، وقال:
«أيها الناس، اسمعوا مني وأبين لكم، فقد لا ألقاكم بعد هذا العام، في موضعي هذا. أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم وعراضكم حرام عليكم كما حرمت في يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم. فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها».
وحذر من كل ما يخلّ بالحقوق:
«وكل ربا موضوع، ولكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تُظلمون. وقضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عمّي العباس بن عبد المطلب موضوع كله. وإن أول دماءكم أضع دم عامر ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية».
ثم تطرق إلى آفات الجاهلية ومخاطرها، قائلاً:
«أما بعد، أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبداً، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به بما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم».
وجعل من حقوق النساء محورًا مهمًا فقال:
«إن لنسائكم عليكم حقاً، ولكم عليهن حق، لهن ألا يُوطئن فرشكم غيركم، ولا يُدخلن أحداً تكرهون بيوتكم، ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن ضرباً غير مبرح. استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عندكم عوان، لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله».
وتحدث عن أخوة المؤمنين ومبدأ العدالة الاجتماعية:
«أيها الناس، إن المؤمنين إخوة، فلا يحل لأحد مال أخيه إلا عن طيب نفس منه. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. فلا ترجعن بعدي كفاراً يضرّ بعضكم بعضاً، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده: كتاب الله وسنة نبيه».
وختم صلى الله عليه وسلم خطبته بالوصية الأهم:
«أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى».
ثم قال صلى الله عليه وسلم «فلْيُبلغ الشاهد الغائب، والسلام عليكم ورحمة الله»
كانت الخطبة ملحمة من المعاني الإنسانية والدينية، جمعت بين التوحيد والعدالة والمساواة، بين الحقوق والواجبات، بين الرحمة والحزم، لتكون لكل حاضر فيها، ولأجيال المسلمين من بعدهم، منارة ومصدر إلهام ومرجعًا لا ينضب.




