كان هناك أعرابيٌّ بالَ في المسجدِ النبويِّ، فهبَّ الصحابةُ رضي الله عنهم ليزجروه، لكنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم طمأنَهم وهدأَ روعَهم. قال عليه الصلاةُ والسلامُ: دعوه، وأريقوا على بولِه سِجلاً من ماءٍ؛ فإنما بُعثتم ميسرينَ ولم تُبعثوا معسرينَ.
هكذا قضى الرجلُ حاجتَه في هدوءٍ، ثم دعاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم برفقٍ قائلاً: إنَّ هذه المساجدَ لا تصلحُ لشيءٍ من هذا البولِ ولا القذرِ، إنما هي لذكرِ اللهِ وقراءةِ القرآنِ. ثم أمرَ رجلاً أن يصبَّ الماءَ على المكانِ. تُرى ماذا كان سيحدثُ لو زُجرَ الرجلُ؟ لانتشرَ البولُ في المسجدِ، ولنفرَ قلبُ الرجلِ من هذا الدينِ.
ماذا نستلهمُ من ذلك؟ لم يكن النبيُّ عابداً في محرابِه فحسبُ، بل كان معلماً إنسانياً يحيي مشاعرَ الرفقِ في القلوبِ. لم يكن مسجدُه مكاناً للصلاةِ فقط، بل كان مدرسةً لغرسِ القيمِ الإنسانيةِ والرحمةِ.
حتى اليومِ، يشعرُ الزائرُ في رحابِ المسجدِ النبويِّ بسكينةٍ نبويةٍ غامرةٍ، ويخشى المحبونَ ألا يوفوا المكانَ حقَّه من الأدبِ. وفي عالمنا المعاصرِ الذي يتوقُ إلى اللينِ، تظلُّ كلماتُه صلى الله عليه وسلم هي النبراسَ:
عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه. رواه مسلم.
عن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من يحرم الرفق، يحرم الخير كله. رواه مسلم.
عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يسرو ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا. متفق عليه.
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله. متفق عليه.
لقد اختصَّ اللهُ نبيه بصفةِ الرحمةِ، يقولُ القرآنُ الكريمُ: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك (آل عمران: 159).
قبسات من الرفق النبوي
تمتلئُ سيرةُ النبيِّ بصورٍ رائعةٍ من الرحمةِ. سألت السيدةُ عائشةُ رضي الله عنها رسولَ اللهِ ذات يومٍ: هل مرَّ عليك يومٌ كان أشدَّ من يومِ أحدٍ؟ فأجابها عليه الصلاةُ والسلامُ بالإيجابِ، وحكى لها ما جرى في رحلةِ الطائفِ.
عندما أعرضَ أهلُ مكةَ عن دعوةِ النبيِّ، توجهَ إلى الطائفِ رجاءَ أن يجدَ آذاناً صاغيةً، لكنَّ أهلَها كانوا أكثرَ قسوةً؛ فقد سلطوا صبيانَهم ليرجموه بالحجارةِ ويستهزئوا به، حتى سالت الدماءُ من قدميْهِ الشريفتيْنِ. ورغم محاولتِه الحديثَ مع أحدِ كبارِ قبيلةِ ثقيفٍ، إلا أنه واجهَ الصدَّ والجفاءَ.
خرجَ النبيُّ من هناك مغموماً، ولم يستفقْ من هولِ الحزنِ إلا وهو بقرنِ الثعالبِ، حيث أظلتْه سحابةٌ فيها جبريلُ عليه السلامُ. أخبره جبريلُ أنَّ مَلَكَ الجبالِ يسلمُ عليه وينتظرُ أمره. ناداه مَلَكُ الجبالِ قائلاً: إنَّ اللهَ قد بعثني إليك، فإن شئتَ أن أطبقَ عليهم الأخشبينِ أي الجبلين لفعلتُ. لكنَّ النبيَّ الرحيمَ أجاب: بل أرجو أن يخرجَ اللهُ من أصلابِهم من يعبدُ اللهَ وحده، فذلك أحبُّ إليَّ من إهلاكِهم جميعاً.
ويروي عبادةُ قصةً أخرى؛ يقول: جئتُ المدينةَ مع أعمامي في وقتِ قحطٍ، فدخلتُ بستاناً وأخذتُ سنبلةً لآكلَها. رآني صاحبُ البستانِ، فجذبَ ثيابي وضربني. ذهبتُ إلى النبيِّ أشكو ما حدثَ، فاستدعى النبيُّ الرجلَ.
سأله النبيُّ: لمَ فعلتَ ذلك؟ فشرحَ الرجلُ ما جرى. فقال له النبيُّ برفقٍ وتوجيهٍ: إن كان الجاهلُ أخطأَ فكان عليك أن تعلّمَه، وإن كان الجائعُ أكلَ فكان عليك أن تطعمَه. ثم أمرَ النبيُّ بردِّ ثيابِ عبادةَ، وأمرَ بإعطائِه كميةً وافرةً من الطعامِ (نحو 122 كيلوغراماً) تعويضاً عما ناله.
وفي مشهدٍ تعليميٍّ بليغٍ، يحكي معاويةُ بنُ الحكمِ السلميُّ قصةً حدثت معه أثناءَ الصلاةِ؛ حيث عطسَ رجلٌ فقال معاويةُ: يرحمُكَ اللهُ. فنظرَ إليه المصلونَ بحدةٍ، فتعجبَ وقال: واثكلَ أمياه، ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون على أفخاذِهم ليسكتوه، فصمتَ. وبعد الصلاةِ، قال معاويةُ معبراً عن إعجابِه بنبيِّ الرحمةِ: بأبي هو وأمي، ما رأيتُ معلماً قبله ولا بعده أحسنَ تعليماً منه؛ فواللهِ ما كهرني أي عنفني ولا ضربني ولا سبني، بل قال لي برفقٍ: إنَّ هذه الصلاةَ لا يصلحُ فيها شيءٌ من كلامِ الناسِ، إنما هي التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآنِ.
نعم، لقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم المعلمَ الذي أسرَ القلوبَ بفيضِ حنانِه ورقتِه.




