هذا زيد بن سعنة، أحد أحبار اليهود. جلس يومًا في مجلس النبي ﷺ، وقد جاء وفي نفسه مقصد معيَّن. وبينما هو كذلك إذ دخل رجل على دابّة، فسلَّم ثم قال: يا نبيّ الله، إن بِبُصرى قومًا أصابهم شدّة وضيق، وقد عرضتُ لهم عَرضًا، ولكنّهم محتاجون إلى العون. وكان إغاثة الملهوفين ومساعدة الفقراء أحبَّ الأعمال إلى قلب رسول الله ﷺ، غير أنه لم يكن عنده مال. فنظر إلى عليٍّ رضي الله عنه.
فقال عليٌّ رضي الله عنه: يا نبي الله، لقد نفد المال الذي عندنا. فلما رأى اليهوديّ ما أصاب النبي ﷺ من الضيق قال: يا محمد، أعطيك ثمانين مثقالًا من الذهب، على أن ترهنني بستانًا من نخلك بقدر معلوم إلى أجل معلوم.
فقال النبي ﷺ: لا أقدر أن أعيِّن لك بستانًا بعينه، لكن أُعطيك من ثمر النخل بقدر نتّفق عليه، ولأجل نحدّده. فرضي اليهوديّ، واتفقا على الكيل والأجل. ثم بادر اليهوديّ فأرسل ثمانين مثقالًا من الذهب.
وقبل انقضاء الأجل بيومين جاء اليهودي إلى رسول الله ﷺ، وكان حينها في جنازة ومعه الصحابة. فتقدَّم إليه، ونظر إليه نظرة غليظة، ثم قبض على ردائه وإزاره بشدّة وقال: يا محمد، لِمَ لا تؤدِّي إليَّ حقّي؟ لقد عرفت أنكم يا بني المطلب قومٌ مطلٌ وخُلف! ما كنت أظنّك على غير ذلك!
فلما سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلامه ورأى فعله، غضب غضبًا شديدًا وقال: يا عدوَّ الله! ما تقول وما تصنع؟ أتفعل هذا برسول الله ﷺ؟! لولا خشية أن يغضب عليَّ رسول الله ﷺ لضربت عنقك بسيفي هذا.
فقال رسول الله ﷺ بهدوء وسكينة: يا عمر، ما كان لنا ولهذا الرجل إلا خيرًا. مُره أن يطلب حقَّه بأدب، ومُرني أن أُوفيه حقَّه بأحسن من أدب.
ثم أمر النبي ﷺ عمر رضي الله عنه أن يقضي اليهوديَّ حقَّه من التمر، وأن يزيده عشرين صاعًا جزاء ما خوَّفه ورهَّبه.
مضى عمر رضي الله عنه إلى زيد بن سعنة ليقضي له ما له من الحق. فلما قرُب منه قال له زيد: ما الخبر يا عمر؟
قال عمر: جئتُك بما وعدك رسول الله ﷺ من التمر.
فقال زيد: لكني أجد هنا عشرين صاعًا زيادة على ما اتفقنا!
قال عمر: نعم، قد أمرني رسول الله ﷺ أن أزيدك بها، جزاء ما خوّفتُك وتدخّلتُ في حقك.
فقال زيد: يا عمر، هل تدري من أنا؟
قال عمر: لا، ومن أنت؟
قال زيد: أنا زيد بن سعنة.
قال عمر: الحبر المعروف من أحبار اليهود؟
قال: نعم.
قال عمر: فما الذي حملَك على ما فعلتَ برسول الله ﷺ؟
قال زيد: يا عمر، لقد قرأت في الكتب والشرائع القديمة أوصاف النبيّ الخاتم، فرأيتُ جميع علاماته في وجه محمد ﷺ، غير علامتين لم يتبيَّنا لي بعدُ: أولاهما: أن حِلمَه يسبق غضبه.
والثانية: أنه كلما زاده الجاهل سفهًا، زاده حِلمًا وصبرًا.
فلما رأيت اليوم ما كان منّي وما كان منه ﷺ، علمتُ أنّه هو النبي الحق الموعود، وأشهدك يا عمر أنّي قد آمنتُ بمحمدٍ ﷺ نبيًّا ورسولًا، وأسلمتُ وجهي لله تعالى.
ثم قال: أشهدك كذلك أني صاحب مالٍ كثير، وإني أُشهد الله أن شطر مالي صدقة على المسلمين جميعا.
فقال له عمر: لا تقل "جميعا"، فإن مالَك لا يكفيهم كلَّهم، ولكن قل: على بعضهم
قال: نعم، أشهد أن نصف مالي صدقة على بعض المسلمين.
ثم مضى زيد إلى رسول الله ﷺ، فشهد شهادة الحق، وأعلن إسلامه، وأسلم معه أهل بيته كلهم، إلا شيخًا كبيرًا منهم بلغ من الكِبَر عتيًّا.
ثم لم يكتفِ زيد بالإسلام، بل لازم النبيّ ﷺ، وشارك معه في غزواته، حتى ختم حياته شهيدًا في غزوة تبوك رضي الله عنه.
لقد امتحن النبيَّ ﷺ بما سمعه من التوراة، فوجده كما هو موصوف: نبيًّا صابرًا، حليمًا، رحيمًا، يُعلّم ويهدي، ويضبط أصحابه بالحكمة والرِّفق. وما زيدٌ إلا شاهد من الشواهد الكثيرة على دلائل نبوته ﷺ.وقد أخرج الإمام الطبراني هذا الخبر، وهو واحد من وقائع كثيرة جدًّا، أُلِّفت فيها المصنفات تحت عنوان دلائل النبوة، وفيها عشرات بل مئات المواقف المشابهة التي شهدت بصدق نبوته ورسالته ﷺ.




