الحج.. وهو الركن الخامس من أركان الإسلام، وأعظم أركانه الوقوف بعرفة؛ إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم «الحج عرفة». وفي ذلك اليوم المبارك تتدفق جموع غفيرة من المؤمنين من مشارق الأرض ومغاربها صوب عرفات، استجابةً لنداءٍ قديم، ورغبةً في اتباع أثر رجل وقف هنا قبل أربعة عشر قرنًا، رفع يديه إلى السماء ودعا، فصلَّى الناسُ بصلاته، ولبَّوا بتلبيته.
المسلمون أمةٌ تتأمل بدقة حياة نبيها الكريم صلى الله عليه وسلم، فتقتدي بأقواله وأفعاله بصدق وتواضع. ولقد حجَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجّةً واحدة، وأدّى أربع عمرات.
فما أجمل أن نرحل بأرواحنا في موكبه العظيم، موكب الحجّاج، وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
فلنقترب...
المدينة تستعد للخروج في موكب الحج
رغم أنّ الحج فُرض في العام التاسع للهجرة، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم اختار أن يحجّ في السنة العاشرة. فما إن أعلن ذلك حتى توافدت جموع المسلمين إلى المدينة المنوّرة، رجالا ونساء، كبارًا وصغارًا، من كل فجّ عميق، شوقًا لمرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة التاريخية التي كتبها التاريخ بماء من الذهب.
وفي يوم السبت الخامس والعشرين من ذي القعدة، عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي دجانة الساعدي رضي الله عنه بحراسة المدينة، ثم صلّى الظهر أربع ركعات في مسجده المبارك، وخطب الناس معلّمًا لهم مناسك الحج. ثم اغتسل وتطيّب، ودهن رأسه، وركب ناقته متوجّهًا للحج، ومعه أكثر من مائة ألف من المؤمنين.
وقدِم من اليمن جمعٌ آخر مع عليّ رضي الله عنه، فازدادت القافلة بهاءً وإجلالًا.
مشهد لا يُنسى
يصف جابر رضي الله عنه الموقف بقوله:
.. فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسجد ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصرى بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شىء عملنا به فأهل بالتوحيد « لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ». وأهل الناس بهذا الذى يهلون به فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم شيئا منه ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته! (صحيح مسلم).
لم يكن حجُّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مَوكبًا مَلَكِيًّا تُزيّنه الفخامةُ والأبهةُ، ولا زينةً من مركبات خاصة، أو ملابسَ مهيبة، أو طبولٍ تصخب في المسير. إنما كان حجًّا متواضعًا، صافياً، يتصاعد بروحه إلى الله، ويحتضن قلوبَ الناس البسطاء، فيشعرون أنهم وإمامهم سواء في حضرة الرحمن.
الرفق بالزوجات
اصطحب النبي صلى الله عليه وسلم زوجاته كلهنّ: سودة العجوز الحكيمة، وعائشة الفتيّة، وصفية بنت حيي بن أخطب ، وحفصة بنت الفاروق، وغيرهن. لا فرق بين كبيرة وصغيرة، ولا بين نسب شريف أو حديث عهد بالإسلام.
أثناء انقطع بعير صفية رضي الله عنها، فبكت، فعاد إليها النبي صلى الله عليه وسلم يمسح دموعها ويهدئها، حتى إذا أكثرت نهاها برفق، ثم أمر الناس بالنزول حتى تستريح. يا لحنان الزوج! ويا لرحمة القائد!
مواقف تربوية
وفي الطريق عندما وصلوا إلى مكان يسمى عرج، نزلوا للراحة. وبجانبه زوجه عائشة، وصاحبه أبو بكر وابنته أسماء ، وكان أبو بكر ينتظر غلامه الذي معه زمالته -وهي البعير الذي عليه متاعه ومتاع النبي صلى الله عليه وسلم- فطلع الغلام يمشي، وليس معه بعيره، فقال أبو بكر: أين بعيرك؟ قال: أضللته البارحة، فطفق أبو بكر يضربه ويقول: بعير واحد وتضله و أنت رجل؟! فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ويبتسم ويقول: انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع! ثم قال «هون عليك يا أبا بكر فإن الأمر ليس إليك ولا إلينا معك» ولم يلبثوا طويلاً حتى جاء الله بالزمالة..
وحين بلغ الركبُ "ذو الحُليفة"، أقاموا فيها فصلّوا ركعتين من العصر، ثم جمعوا بين المغرب والعشاء، وباتوا حتى الفجر، فأدّوه هناك أيضاً. وفي تلك الليلة وقع حدث عجيب: أسماء بنت عُمَيس رضي الله عنها وضعت مولودها، فأسمته "أحمد بن أبي بكر".
فماذا يفعل من قصد الحج وابتُلي بمثل هذه الحالة؟
إن المرجع واحد، والجواب حاضر، واليقين بين أيديهم: رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأمرهم بالاغتسال، وارتداء ثوبين نظيفين، والإهلال بالحج بعد التطهّر.
وهكذا كان صلى الله عليه وسلم يسكب الطمأنينة على القلوب، ويذكّر الناس أن الرزق بيد الله وحده.
البساطة في الإحرام
اغتسل النبي صلى الله عليه وسلم للإحرام، ومشط شعره، وتطيّب، ثم لبس ثوبي الإحرام الأبيضين البسيطين، لباس متواضع..
هناك، في تلك اللحظات، ظهر معنى الإحرام بأبسط صورِه: قطعتان من قماش أبيض، لا زخرف فيهما ولا تمايز، يلبسهما الملك والفقير، الشريف والوضيع، الأسود والأبيض. ثوب يذكّر بأن الحج رحلة إلى الله، كما أن الموت رحلةٌ إليه، ولا فرق بين الناس إلا بالتقوى.
لقد هدم النبي صلى الله عليه وسلم بجمال هذا الملبس جدران الكبرياء والفوارق الطبقية، وربط بين رحلة الحج ورحلة الموت، فكلاهما ينتهي بكفن أبيض بسيط.
ثم أحرم النبي صلى الله عليه وسلم بالحج والعمرة معًا..
التلبية.. نداء التوحيد
وكان شعار الحج هو التلبية، تلك الصيحة المدوية التي تهز الجبال والقلوب:
«لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك».
لم تكن التلبية همسًا، إنها إعلان استجابةٍ لنداءٍ رباني قديم، إعلان جليل لوحدانية الله، وصوتُ توحيدٍ يمحو تلبية المشركين التي كانوا يخلطونها بالشرك. كأن الجبال تردد الصدى، والكون كلّه يلبّي مع الحجيج.
قصص الأنبياء في الطريق
لم يكن صلى الله عليه وسلم يسير إلا ويذكّر أصحابه بإخوانه الأنبياء الذين مرّوا من هنا:
ووصلت القافلت إلى وادي الأزرق.
«أي وادي هذا»؟ سألهم النبي صلى الله عليه وسلم.
قالوا: هذا وادي الأزرق، قال «كأني أنظر إلى موسى عليه السلام هابطاً من الثنية وله جؤار إلى الله بالتلبية».
ثم وصلوا إلى ثنية هرشى، فقال «أي ثنية هذه؟» قالوا: هذه ثنية هرشي، قال «كأني أنظر إلى يونس بن متى على ناقة حمراء جعدة عليه جبة من صوف خطام ناقته خلبة يعني ليف وهو يلبي».
وفي وادي أسوان قال: «أرى هودًا وصالحًا يمران على نوق حمر، عليهما عباءات سود وبيض، يلبّيان متوجهين إلى بيت الله».
رحلة تواصلت فيها أرواح الأنبياء، وتلاقت فيها رسالات السماء..
وتابع الركب مسيره حتى بلغوا "الأبواء"، المكان الذي علق بذاكرة النبي صلى الله عليه وسلم، إذ فيه دفنت أمه الحنون. وهنا قدّم الصحابي الصعب بن جثامة هدية للنبي صلى الله عليه وسلم: حمارًا وحشيًا. لكنه رده برفق، فلما ظهر الكراه في وجه الصحابي قال له النبي الكريم تسلية له وتطييبا لخاطره « إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ » ، وفي رواية مسلم « لَوْلاَ أَنَّا مُحْرِمُونَ لَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ».
وهكذا كانت رحلته صلى الله عليه وسلم رحلة سؤال وجواب، وتعليم وتصحيح. وبينما كانوا يسيرون سمع رجلا يقول في تلبيته: لبيك عن شبرمة. قال « من شبرمة ». قال أخ لى أو قريب لى. قال « حججت عن نفسك ». قال لا. قال « حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة »
ورأى صلى الله عليه وسلم رجلاً على بعير ويمشي حافي القدمين، ونعلاه معلّقتان في عنق البعير. فقال له «اركب هذا الجمل وانطلق». فأبى وقال «إنه جمل!». فأعاد عليه القول مرتين، ثم قالها بلهجةٍ حازمة «ألم أقل لك اركب؟!»، فركب.
دروس في الطريق
كانت في الناس بقايا من خرافات الجاهلية، وكانوا يرون في الجاهلية أن الإبل الموقوفة للأصنام لا تُركب ولا تُذبح، وكذا اعتقد بعضهم متأثرين ببقايا تلك الأباطيل الجاهلية أن تلك التي تساق لتذبح في الحج لا يجوز ركوبها، ولا استخدامها كوسيلة نقل،. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يقتلع هذه الأباطيل من جذورها، ويحرّر النفوس من أغلالها، ليعلّم الناس أن الدين يسر ورحمة، لا عنت فيه ولا تكليف بما لا طاقة به.
وفي الطريق، رأى النبي صلى الله عليه وسلم شيخًا يهادى بين ابنيه قال « ما بال هذا؟» . قالوا نذر أن يمشى . قال « إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغنى » . وأمره أن يركب. (صحيح البخاري: ١٨٦٥)
هكذا استأصل صلى الله عليه وسلم بقايا الخرافة والجهل، وغرس الفقه الصحيح.
لحظات إنسانية
ولما قَرُب النبي صلى الله عليه وسلم من مكة نزل مكاناً يقال له "سَرف" ، فحاضت عائشة ، فدخل عليها فإذا هي تبكي ، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: والله لوددت أن لم أكن خرجت العام، قال: لعلك نُفِستِ؟ أي حضتِ ، قالت: نعم. فجعل صلى الله عليه وسلم يواسيها ويقول «إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج ، غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري»..
وبعد ثمانية أيام ، وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، ولما قرب من مكة بات عند بئر "ذي طوى" في المكان المعروف اليوم بجرول أو آبارِ الزاهر، ليستريح من نصب الطريق ووعثاء السفر ، فلما أصبح اغتسل.. ثم دخل مكة ضحى يومِ الأحد من ثَنِيَّة كَداء، وهي التي تنزل اليوم على جسر الحَجون...
خاتمة
لقد كان حج النبي صلى الله عليه وسلم رحلة نور، جمعت بين العبادة البسيطة والرحمة الواسعة، بين المشاعر الإنسانية والتربية السماوية، بين التواضع البالغ والعظمة الإلهية. رحلة تذكّرنا أن الحج ليس مظهرًا ولا موكبًا، بل عودة إلى الله، وإعلان توحيد، وتربية قلبية وروحية ترفع الإنسان من دنيا التراب إلى رحاب السماء، فإذا لبستَ إحرامك يومًا، فاذكر أن نبيك لبسه قبلك، وأعلن التوحيد كما أعلن، وامحُ من قلبك ما بقي من شوائب الدنيا...




