كنا نتحدث عن صلاة النبي ﷺ، ويعد السجودُ المشهدَ الأكثر تواضعاً وجمالاً وطمأنينة في الصلاة. لقد علمنا النبي ﷺ أن العبدَ يكون أقرب ما يكون من ربه وهو ساجدٌ.
ولا يقتصر السجودُ على الصلاة المفروضة فحسب، بل يجب السجودُ عند تلاوة آيات معينة من القرآن الكريم، سواء كان ذلك داخل الصلاة أو خارجها، ويُسمى هذا تقنياً سجودَ التلاوة. وهناك نوع آخر هو سجودُ الشكر، وهو سجودٌ يُؤدى تعبيراً عن الامتنان لله، ويُسنُّ هذا التعبيرُ عن الشكر عند حصول نعمة جديدة أو النجاة من بلاء.
يروي الصحابةُ مواقف عديدة أطال فيها النبي ﷺ سجودَ الشكر. ذات مرة، بحث معاذُ بن جبل عن النبي ﷺ فلم يجده، بحث في بيوت زوجاته فلم يكن هناك، ثم طاف يبحث عنه في كل زاوية، حتى علم أنه توجه نحو جبل ثواب. قرر معاذٌ صعود الجبل، وعندما وصل وأخذ يتلفت يميناً وشمالاً، ذُهل مما رأى! ففي غار يقع على الطريق الذي يسلكه الناسُ نحو مسجد الفتح، كان النبي ﷺ ساجداً. لقد طال سجودُه لدرجة أن معاذاً ظن أن النبي ﷺ قد فارق الحياةَ. وبعد أن رفع النبي ﷺ رأسه من السجود، أوضح الأمر قائلاً: تجلى لي الملاكُ جبريلُ في هذا المكان وقال: إن الله يقرئك السلامَ، ويسألك ماذا تحب أن يفعل في أمتك؟ فقلت: الله أعلمُ. فذهب جبريلُ ثم عاد وقال: إن الله يبشرك بأنه لن يسوءك في أمتك أبداً. فكان هذا السجودُ شكراً لله على هذه البشرى.
وكذلك عندما أُخبر النبي ﷺ بأن من صلى عليه صلاةً واحدة، منحه اللهُ عشر حسنات، خرَّ النبي ﷺ ساجداً لله لفترة طويلة. إنها صورة حية تجسد انحناءَ الإنسان وتواضعه أمام الخالق عندما تنهمر عليه النعمُ.
شمولية الدعاء وآدابه
تتخلل الصلاةَ أدعيةٌ كثيرة، كما أن هناك أدعيةً تقال بعدها. وللدعاء عقب الصلوات الخمس المفروضة مزيةٌ خاصة، فهو أحد موطنين هما الأرجى لاستجابة الدعاء، والموطنُ الآخر هو جوفُ الليل. لقد شملت دعواتُ النبي ﷺ مكةَ والمدينةَ والشامَ واليمنَ، وتطرقت إلى البركة في الأقوات كالمُدِّ والصاعِ، ولم ينسَ الضعفاءَ والمساكينَ. فكان دعاؤه جامعاً لخيري الدنيا والآخرة، وممتزجاً بشؤون المجتمع والأمة. لقد امتزجت أدعيةُ النبي ﷺ بملوحة الدموع وحلاوة التنوع، وكان الإخلاصُ هو روحَ تلك المناجاة.
لقد علمنا النبي ﷺ صيغاً شتى للدعاء، منها أذكارٌ خاصة بالصباح والماء، وقد اعتنى العلماءُ بجمعها، ومن أشهرها أورادُ الإمام عبد الله بن علوي الحداد المعروفة بالورد اللطيف، وهو صاحبُ الراتب الشهير المعروف باسمه.
ومن أهم مقاصد الدعاء طلبُ المغفرة، وهو ما يعرف بالاستغفار. وقد علمنا النبي ﷺ دعاءً سماه سيدَ الاستغفار؛ فمن قاله في الصباح ومات قبل المساء دخل الجنةَ، ومن قاله في الليل ومات قبل الصباح دخل الجنةَ، وهو: اللهمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلَهَ إلا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا أَنْتَ.
وللدعاء آدابٌ ينبغي مراعاتها، أولها الاستهلالُ بالثناء على الله والصلاةِ على النبي ﷺ. يروي فضالةُ بن عبيد رضي الله عنه أن رجلاً صلى ثم دعا، فقال النبي ﷺ: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ، ثم يدعو بما شاء. وفي رواية أخرى قال له النبي ﷺ: ادعُ تُجَبْ.
ويُستحب أن يبدأ الإنسانُ دعاءه وهو على طهارة. يروي أبو موسى الأشعري أن النبي ﷺ عندما دعا لعبيد أبي عامر توضأ أولاً، ثم رفع يديهِ مستقبلاً القبلةَ. كما يذكر أبو مسعود أن النبي ﷺ استقبل الكعبةَ عندما دعا على نفر من قريش. والأفضلُ أن يختار الداعي الكلماتِ الواردة في القرآن والسنة، لأنها كلماتٌ جامعة. وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى سؤال الله العافيةَ، فهي تشمل راحةَ الدنيا وسعادةَ الآخرة.
أوقات استجابة الدعاء وأماكنه
يجب على المرء أن يتحرى الأوقاتَ الفاضلةَ التي يُستجاب فيها الدعاءُ، ومنها يومُ عرفةَ، ووقتُ السحرِ قبل صلاة الفجر، ويومُ الجمعة، وشهرُ رمضان، خاصةً الليالي التي نرجو فيها ليلةَ القدر في العشر الأواخر. كما أن اختيارَ البقاعِ المقدسةِ يزيد من أثر الدعاء، مثل الملتزمِ وهو ما بين باب الكعبة والحجر الأسود، والصفا والمروة، ومقامِ إبراهيم.
كذلك يعد التضرعُ إلى الله تعالى عند قبور الصالحين أمراً نافعاً، فقد كان الإمامُ الشافعيُّ يقصدُ قبرَ الإمامِ أبي حنيفةَ للدعاء عند الضيق. والدعاءُ الصادرُ عن قلبٍ مكسورٍ يُستجابُ سريعاً، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن ثلاثَ دعواتٍ مستجاباتٌ لا شك فيهن: دعوةُ المظلومِ، ودعوةُ المسافرِ، ودعوةُ الوالدِ لولده.
كما يعظم أثرُ الدعاء حالَ السجود، وبعد الصلاة، وأثناء الصيام، وبعد الصدقة. ويُستحب التوسلُ بأسماء الله الحسنى، ورفعُ اليدينِ عند المسألة؛ بحيث يكون باطنُ الكفينِ نحو السماء عند طلب العطايا، وظهرهما نحو السماء عند سؤال دفع البلاء.
ويُشرع التوسلُ إلى الله بالأعمال الصالحة وبمكانة الأنبياء والأولياء. وقد ذكر النبي قصةَ ثلاثةِ نفرٍ حُبسوا في غار سدته صخرةٌ عظمية، فدعا كلُّ واحدٍ منهم بصالحِ عمله، فاستجاب اللهُ لهم وانزاحت الصخرةُ. وينبغي للمؤمن تركُ العجلةِ، والمداومةُ على الدعاء في الرخاء والشدة.
وعلى الإنسان ألا يدعو بالشر على أهله أو ماله أو نفسه، وليبدأ الدعاءَ بنفسه ثم لغيره. ودعوةُ المرءِ لأخيه في ظهر الغيب مستجابةٌ. ويُندب الدعاءُ منفرداً وفي جماعة، فمن ذكر اللهَ خالياً ففاضت عيناهُ نال ظلَّ العرشِ يوم القيامة. وللدعاء الجماعي فضلٌ عظيم، فإذا دعا رجلٌ وأمّنَ الحاضرون استُجيبَ الدعاءُ، ويُختم بقولنا آمين يا رب العالمين. وهناك في هدي النبي دروسٌ كثيرةٌ في هذا الباب لا تنتهي.




