لم يكن من عادة نساء العرب النبيلات أن يُرضعن أبناءهن غالبًا، بل كانت الأمهات يسلّمن فلذات أكبادهن إلى نساء البادية اللاتي يفدن إلى الحواضر ليأخذن الأطفال فيرضعنهم. هناك، حيث الصحراء الفسيحة والنسيم الطلق، يتشرّب الطفل فصاحة اللسان، وقوة العزيمة، وصفاء القلب. كانوا يؤمنون أنّ حليب البادية يسكب في العروق فروسيةً وكرامةً، حيث الخشونة تصنع الرجال، وحيث النقاء يصقل اللسان والقلب معًا.
أوائل الرضاعة
ولم يكن حال النبي صلى الله عليه وسلم مخالفًا لهذا العُرف السائد بين العرب آنذاك؛ فقد أرضعته أمُّه آمنةُ أيّامًا معدودة، كما أرضعته ثويبة الأسلمية تلك الجارية الضعيفة
التي أعتقها عمّه أبو لهب فرحًا بمولده..
ثم جاء الدور على نساء بني سعد، يحملن الأمل في أن يجدن مولودًا يكفلنه. وهناك، برز اسم حليمة السعدية، ليُكتب على يديها فصلٌ من أعجب فصول السيرة.
حليمة السعدية والبركة المنسكبة
تروي حليمة حكايتها بصوتٍ يفيض بالصدق، فلنتركها هي تروي الحكاية بصوتها:
قَالَتْ حَلِيمَةُ : «خَرَجْتُ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدٍ نَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ بِمَكَّةَ، عَلَى أَتَانٍ لِي قَمْرَاءَ قَدْ أَعْيَتْ، وَخَرَجْنَا فِي سَنَةٍ شَهْبَاءَ أَجْدَبَتْ عَلَيْنَا، وَمَعِي زَوْجِي الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى وَصَبِيٌّ لَا يَكُفُّ عَنْ بُكَائِهِ جُوعًا، وَشَارِفٌ لَا يَدِرُّ قَطْرَةً مِنْ لَبَنٍ...»
لم تجد إلا اليتيم الذي أعرضت عنه سائر النساء. إنه يتيم لا أب له يُنتظر عطاؤه، غير أنّها كرهت أن تعود صفرَ اليدين، فأخذته على مضض، فإذا بالسماء تفتح أبوابها: امتلأ صدرها لبنًا بعد جفاف، وشبعت وليدها وأخوه، وسكنت أنفاس الجوع في البيت. تحوّل الشظف إلى رخاء، والهزال إلى خصب، وتحوّلت ليلتهم الجدباء إلى ليلٍ شبعٍ وهناء. حتى قال زوجها: والله يا حليمة، ما أراكِ إلا أصبتِ نسمةً مباركة.
ومنذ ذلك اليوم تنزلت البركات؛ أتانُها التي كانت عاجزة سبقت الركب كله، وغنمها التي كانت هزيلة امتلأت ضرعًا، حتى قال جيرانها: ألا تُسرِّحون حيث يُسرِّح راعي حليمة؟، لكن غنمهم لم تفض لبنا بقدر ما أفاضت غنم حليمة!
حادثة شق الصدر
نشأ محمدٌ صلى الله عليه وسلم في بيت مرضعته نشوءًا مدهشًا يبعث على العجب، حتى قيل: كان ينمو في اليوم ما ينمو غيرُه في شهر.
وفي صباحٍ ساكنٍ من سواكن البادية، كان الطفل المباركُ محمدٌ صلى الله عليه وسلم يلعب بين أخيه وغلمان البادية، تلوح على وجهه الطفوليِّ أنوارُ الطُّهر، وتنبعث من عينيه إشراقةُ من خُلِقَ له الهُدى.
وفجأةً أقبل عليه رجلان بياضُهما يَغلب ضياءَ الشمس، فارتاع الصغارُ وفرّوا فزعًا، وبقي هو ساكنًا مطمئنًّا، كأنّ قلبَه يعرف القادمين قبل أن يراهم.
تقدّما إليه في رفقٍ وحنان، فأضجعاه على الأرض، وشقّا صدرَه الشريف شقًّا لطيفًا لا دمَ فيه ولا ألم، وأخرجا قلبَه النورانيَّ المشرق. ثم غسلاه في طَسْتٍ من ذهبٍ بماءٍ من زمزم، حتى ازداد صفاءً على صفاء، ثم أودعا فيه ما شاء الله من نورٍ وإيمانٍ وطمأنينة.
ثم أعاداه إلى مكانه، والتأم صدرُه المبارك كما لو لم يُمسَّ بسوء، بل كما يُجبر النسيمُ كسورَ الزهر.
وفي تلك اللحظة، كان أخوه من الرضاعة قد شهد المشهد، فهرع إلى أبويه صارخًا: أدركا أخي القرشيَّ، فقد جاءه رجلان فأضجعاه فشقا بطنه!
فأسرعا نحوه مرتاعين، حتى إذا بلغاه وجداه قائمًا، قد انتقع لونُه من أثر المهابة، فاعتنقاه في جزعٍ وخوف.
غير أنّ الصبيَّ لم يكن إلا وقد علا وجهَه وقارٌ مهيبٌ، ونورٌ جديدٌ يفيض من عينيه الطاهرتين، فارتعدت الأمّ الرؤوم، وهي ترى في ذلك الغلامِ سرًّا سماويًّا لم تبلغه الأرضُ من قبل.
لقد كان ذلك اليوم فجرَ تطهيرٍ ربّانيٍّ لقلبٍ أُعِدَّ ليكون وعاءَ الرحمة، ومهبطَ الوحي، ومصدرَ النور للعالمين.
لكنّ الدهشةَ والوجلَ لم يفارقا والده من الرضاعة، فحملاه إلى أمّه آمنةَ مسرعين.
وحين رأت آمنةُ ولدَها عائدًا، تعجبت من سرعة رجوعهما به، لأنهما كانا يُحبّانه حبًّا جمًّا، ويتمنّيان بقاءه بينهما، فسألتهما عن السبب، فتلكآ قليلًا، ثم ألحّت عليهما بالسؤال حتى باحا بما كان، وأخبراها بحادثة شقّ صدره بنبرةٍ تختلط فيها رهبةُ الحدث بعجز البيان.
تبسمت آمنةُ وقد غمرها سكونٌ عجيب، ثم هدّأت من روعهما وقالت في يقينٍ وإشراق: إنّ لابني هذا شأنًا عظيمًا؛ لقد حملتُ به فما شعرتُ بحملي قط، ثم رأيتُ نورًا كأنه شهابٌ خرج مني حين وضعته، أضاءت له أعناقُ الإبل ببُصرى، ثم وضعته فما وقع كما يقع الصبيان، بل وقع واضعًا يديه على الأرض، رافعًا رأسه نحو السماء. فدعاه، والحقا بشأنكما.
وقد أشارت طائفة من المفسرين إلى أن قوله تعالى ﴿أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ﴾ [الشرح:1] يتضمن إشارة إلى تلك الحادثة العجيبة.
لقاءات بعد البعثة
ومرت السنون، وتزوج النبي محمد صلى الله عليه وسلم بخديجة الكبرى رضي الله عنها، وذات يوم جاءت حليمة السعدية إلى بيته صلى الله عليه وسلم، فأخذت تشكو قسوة الجوع وهلاك الماشية، فابتسم لها الحبيب، واستشار خديجة، ثم أكرمها بأربعين شاة وجملًا. وبعد أن أشرق نور الرسالة، جاءت إليه مسلمةً مع زوجها. وفي يوم الجعرانة، بسط لها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحافه، وأجلسها إلى جانبه، وأعلن للناس: هذه أمي. يا لها من لحظة وفاء!
وروى أبو الطفيل أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يوزّع اللحم في الجعرانة، فجاءته امرأة، ففرش لها لحافه. فسأل من حوله: من هذه؟ فقالوا: هذه أم النبي صلى الله عليه وسلم التي أرضعته. وهكذا خلّد التاريخ اسم حليمة في سجل الشرف، حتى عدّها الإمام ابن حجر العسقلاني في عداد الصحابيات. ودُفنت في البقيع بالمدينة.
الحارث والد النبي من الرضاع
أما الحارث بن عبد العزى، زوج حليمة السعدية، فقد بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وأسلم هو الآخر.
وجاء في كتب السير: أنه قدم الحارث بن عبد العزى، أبو رسول الله من الرضاعة على رسول الله مكة، فقالت له قريش: ألا تسمع ما يقول ابنك هذا؟ قال: ما يقول؟ قالوا: يزعم أن الله يبعث بعد الموت، وأن للناس دارين يعذب فيهما من عصاه، ويكرم من أطاعه! وقد شتت أمرنا، وفرق جماعتنا، فأتاه فقال: أي بني، مالك ولقومك يشكونك ويزعمون أنك تقول: إن الناس يبعثون بعد الموت، ثم يصيرون إلى جنة ونار؟ فقال رسول الله : «نعم، أنا أزعم ذلك، ولو قد كان ذلك اليوم يا أبة قد أخذت بيدك حتى أعرفك حديثك اليوم». فأسلم الحارث بعد ذلك، فحسن إسلامه، وكان يقول حين أسلم: لو قد أخذ ابني بيدي، فعرفني ما قال لم يرسلني حتى يدخلني الجنة.
ثويبة الأسلمية
كانت أول من أرضع محمّدًا صلى الله عليه وسلم، ولم ينسها ما عاش. كان يصلها ويبعث إليها بالكسوة والهدايا وهو بمكة، وكانت خديجة تكرمها. واختلفت الروايات: هل أسلمت أم لا؟ لكنها نالت من حنان النبي نصيبًا. أما سيدها أبو لهب، فقد أعتقها يوم بُشّر بولادته، فرحًا بالمولود. ومع أنه عاد بعد البعثة أشدّ الناس عداوة، فقد خلد القرآن ذكره في قوله تعالى: ﴿تَبَّتۡ يَدَآ أَبِي لَهَبٖ وَتَبَّ﴾ سورة المسد:1]. وروى البخاري أنّه يُخفّف عنه العذاب كل اثنين، لأنه فرح بميلاد النبي وأعتق ثويبة. عجبًا! حتى الكافر الذي فرح بمولده، خُفّف عنه العذاب ساعة، فكيف بالقلوب التي تفرح به إيمانًا وحبًّا؟
خاتمة
تأمل ـ أيها القارئ الكريم ـ كيف أحاطت العناية الإلهية بمحمّد صلى الله عليه وسلم منذ أن كان رضيعًا، وكيف غمرت البركات بيت حليمة بمجرد أن ضمّته إلى صدرها. لم تكن تلك الحوادث مجرد ذكريات في أطراف الصحراء، بل كانت بشائرَ لرسالة عظيمة، ورسومًا أولى لنور سيبدّد ظلمات العالم.
إنها صفحات من الطفولة النبوية، لكنها تحمل إلينا دروسًا باقية: أن اليُتم لا يمنع العظمة، وأن الله إذا أراد لعبدٍ كرامةً هيّأ له الأسباب من حيث لا يحتسب.
فلنقرأ هذه الصفحات لا على أنها ذكريات من الماضي، بل دعوة حيّة لنغترف من معين الرحمة الذي جاء به، ولنجدّد حبنا وولاءنا له في حاضرنا، علّنا ننال شرف أن نُبعث معه يوم القيامة تحت لوائه، حيث السعادة الأبدية والرحمة الواسعة.




