حينما علم عمرُ بن الخطاب أن خلافاً حدث بين النبي صلى الله عليه وسلم وزوجاته، قرر أن يزور النبيَّ ليَستفسر عن الأمر. كان النبي صلى الله عليه وسلم في غرفة منعزلة بمسجده، وكان رباحُ جالساً عند العتبة، مدلياً رجليه للخارج. ولا يمكن دخول الغرفة إلا بإذن، وكان رَباحُ هو المسؤول عن إبلاغ الرسول بمن يطلب الإذنَ.
يا رباح، هل تستأذن لي عند النبي؟ هكذا سأل عمرُ بخوف رغم علمه بأن الرسول كان حزيناً. نظر رباحُ إلى وجه النبي، فلم يجد رداً، فلم يجب رباحُ عمرَ.
كرّر عمرُ السؤالَ مرة أخرى، فنظر رباحُ إلى النبي مرة ثانية، ولكن لم يُصدر أيَّ رَدِّ فعل، فظل رباحُ صامتاً.
أخيراً، رفع عمرُ صوتَه حتى يسمعه الرسول قائلاً: يا رسول الله، لعلك تظن أنني جئت لأجل ابنتي حفصةَ، والله لو أمرتني أن أضرب عنقَها لفعلت ذلك.
حينها أدرك النبي صدق مشاعر عمرَ، فأومأ لرباح بأن يُؤْذَنَ له، فأخبره رباحُ بذلك.
بعد أن أُعْطِيَ الإذنُ، دخل عمرُ الغرفةَ، وهاله ما رأى حتى بكى. رأى قائد الأمة ينام على حصير من سعف النخل، لا فراش تحته، وتحت رأسه وسادة محشوة بالليف، وعند قدميه أوراق من الشجر. لقد أثر الحصير في جنب الرسول.
نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمرَ الذي كانت عيناه تفيضان دمعاً وسأله: ما يبكيك يا عمرُ؟ قال عمرُ: يا رسول الله، كسرى وقيصر يعيشان في الترف، وأنت رسول الله في هذا الحال؟! فقال النبي: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرةُ؟
نحن نروي هذه القصة للباحثين الذين يتساءلون عما إذا كانت هناك مطامع دنيوية خلف دعوة النبوة، فهذه الحادثة ليست حالة فريدة بل هي منهج حياة.
كان النبي ﷺ مصلحاً اجتماعياً، عاش حياةً ملؤها الزهدُ، حيث كان يعطي كلَّ ما يملكُ للآخرين حتى يبيتَ جائعاً. تروي أمُّ المؤمنين عائشةُ وهي ابنةُ أبي بكرٍ الصديقِ: كان يمرُّ علينا الهلالُ ثم الهلالُ ولا تُوقَدُ نارٌ في بيوتنا للطبخ، وكان عيشنا الأسودان: التمرُ والماءُ، وربما أهدى لنا جيراننا من الأنصار لبنَ الغنمِ.
وحين شكى الصحابةُ من ضيق العيش، قال لهم النبيُّ: ما لي وللدنيا؟ ما أنا إلا كراكبٍ استظلَّ تحت شجرةٍ ثم راح وتركها.
يسعى الناسُ عادةً خلف الشهرة والجاهِ، فهل كان للنبي ﷺ أيُّ مطمعٍ من هذا القبيل خلف دعوته؟ أبداً.
لا يوجد سببٌ واحدٌ يجعلنا نظن أن الشهرةَ كانت دافعَه، فقد عاش في عصرٍ يقدّر الشعراءَ والأدباءَ أعظم تقديرٍ. فإذا ظهر شاعرٌ في قبيلةٍ، عُلِّقَتْ قصيدتُه على الكعبة واحتفل الناسُ به. ولم يختلف أحدٌ حتى قريش في أن القرآنَ معجزةٌ أدبيةٌ فريدةٌ.
لو أراد النبيُّ صلى الله عليه وسلم الشُّهرةَ، لَقال إنّ هذا القرآنَ من تأليفهِ الخاصِّ، ولَنال بذلك لَقبَ أعظمِ أديبٍ في التاريخ، ولَتجنّب الأذى والاتهاماتِ.
لكنه أصرَّ على أنه ليس كلامَه، بل هو وحيٌ من الله تعالى، وتحمل في سبيل ذلك أشدَّ أنواعِ التنكيلِ.
كذلك لم يكن السلطانُ هدفَه. ففي بداية الدعوة، حاول وجهاءُ مكةَ إغراءَه قائلين: إن كنت تريد مالاً جمعنا لك من أموالنا، وإن كنت تريد سيادةً سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك، وإن كنت تريد نساءً زوجناك أجملَهنَّ.
لكن ردَّ النبيِّ كان حازماً: ما بي ما تقولون، ما جئتكم بطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن اللهَ بعثني إليكم رسولاً بشيراً ونذيراً، فمن قبلَ نصيحتي فله حظُّه في الدنيا والآخرة، ومن ردَّ عليَّ أمري صبرتُ حتّى يحكمَ اللهُ بيني وبينكم.
صحيحٌ أن السلطةَ خضعت له في النهاية، لكنه لم يعش عَيشَ الملوكِ. وحين أراد أحدُ أصحابه أن يسجدَ له، منعه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، معلماً إياهم ألا يرفعوه فوق مكانته البشرية أو يقدسوه كما يُقَدَّسُ الإلهُ.
ذات مرة، قال النبيُّ ﷺ: لا تُطْرُونِي كما أطرتِ النصارى ابنَ مريم، فإنّما أنا عبدُه، فقولوا عبدُ الله ورسولُه.
لقد عاش النبيُّ بين أصحابه كواحدٍ منهم، لا يتميز عنهم بمكانةٍ خاصة. وكان يقول: ابْغُونِي في الضُّعَفَاءِ، فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ.
لم يكن النبيُّ يُحبُّ أن يخدمَه الآخرون. ويذكر التاريخُ أنه حين قرّر أصحابُه ذبحَ شاةٍ للطعام، بادر النبيُّ بنفسه لجمع الحطبِ.
كان النبي ﷺ يُصلح نعلَه بيده، ويخيط ثوبَه، ويغسل لباسَه، ويقوم بمهنة أهله في البيت، ويحلب الشاةَ، ويشارك في نظافة منزله وكلِّ شؤونه.
لم يكن محمدٌ ﷺ فيلسوفاً يلقي المواعظَ عن التواضع من داخل قصورٍ ذهبيةٍ فارهةٍ، بل كان يطبق المبادئَ الإلهيةَ في حياته اليومية. كانت حياتُه هي رسالتَه؛ عاش زاهداً، يقف بجانب المهمشين، ويربط الحجرَ على بطنه من شدة الجوع. كان يحارب الظلامَ في الميدان، ويبكي في جوف الليل خشيةً لله، ويلاطف أهلَه، ويعمل مع أصحابه كفردٍ منهم. إنه حقاً شخصية فريدة، لا مثيل له في التاريخ.




