رُصّت أمام الرجل ألوانٌ من الطعام الشهيّ التي تُسيل اللّعاب، وقد اشتدّ به الجوع والعطش، إذ قضى نهارَه صائمًا. فالإفطار بعد الصيام له لذّة خاصّة لا يعرفها إلّا من ذاقها، وللصائم فرحتان، كما قال النبي ﷺ: فرحةٌ عند فِطره، وفرحةٌ عند لقاء ربّه. غير أنّ هذا الرجل، وقد حان وقت الفطر، جلس أمام طعامه باكيًا، تغمر الدموع عينيه، فلا يملك لها كفًّا ولا حيلة. ذكرَياتٌ بعيدة تنهض من أعماق الزمن، قِصص من الماضي البعيد تلوح أمامه كأنّها الأمس القريب.
كان يومًا مِن كبار التجّار، واسع الثراء، موفّقًا في تجارته، أينما مدّ يده أقبل عليه الرزق كالسيل. وذات يومٍ ضجّت طُرُقات المدينة بصيحات الفرح، وارتفع الغبار في الهواء؛ لقد دخلت قافلةٌ ضخمة حرّكت أفئدة الناس دهشةً وإعجابًا. سبعمائة بعيرٍ محمّلة بكلّ ما يُشتهى من خيرات الشام ومصر؛ طعامٌ وكساءٌ وعطورٌ وسلعٌ متنوّعة، حتى كادت المدينة تضطرب من عظَمة المشهد. وكانت تلك القافلة كلّها مِلكًا لرجلٍ واحد: الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.
لكنّ هذا الثراء لم يكن وليد لحظةٍ رخاء، بل نتاج رحلة إيمانٍ وتضحية. فقد خرج عبد الرحمن من مكة لا يملك شيئًا، تاركًا وراءه الدار والمال والأهل، مهاجرًا إلى الله ورسوله ﷺ. لم يكن معه سوى قلبٍ عامرٍ بالإيمان. وهؤلاء الذين تركوا أوطانهم في سبيل الله سُمّوا المهاجرين، وجعل النبي ﷺ لكلّ مهاجرٍ أخًا من الأنصار يؤاخيه به على المحبة والنصرة والمواساة.
وكان نصيب عبد الرحمن أن يؤاخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، أحد أغنياء المدينة وكبرائها. فما أعظم ما قدّمه سعد يومئذٍ من مثالٍ لا يُرى له نظير في تاريخ البشر! لم تكن ضيافته مجرّدَ مأكلٍ ومبيتٍ كريم، بل مؤاخاةٌ صادقة بمعناها الكامل. قال له سعد: يا عبد الرحمن، أنا أكثر أهل المدينة مالًا، فانظر أيّ بستانٍ أعجبك فهو لك، ولي امرأتان، فانظر أيّهما أعجبتك أطلّقها لتتزوّجها بعد عدّتها.
ابتسم عبدُ الرحمن بن عوف ابتسامةً هادئة، وقال لصاحبه: لا حاجة لي في شيءٍ من ذلك، إنما أريد منك معروفًا واحدًا: دلّني إذا أصبحتُ على سوق المدينة. وفي صباح اليوم التالي، خرج معه سعد بن الربيع إلى السوق، وأراه موضع بني قينقاع، حيث كانت حركة البيع والشراء عامرة. نظر عبد الرحمن إلى السوق نظرة الخبير الفطن الذي يعرف أين يضع قدمه، وأدرك بسرعةٍ مواضع النشاط التجاري ومكامن القوة فيه. ثم شرع في عمله متوكّلًا على الله، فابتاع شيئًا من السمن واللبن والجبن، وبدأ تجارةً متواضعة، فما غربت شمس ذلك اليوم حتى تحقّق له ربحٌ طيّب. ومن يومها، انطلقت مسيرته التجارية كالسهم، تنمو وتزدهر بسرعةٍ عجيبة، حتى صار أحد كبار تجّار المدينة، تفيض بركته في كلّ ناحية.
وكان يقول رضي الله عنه :لقد رأيتُ لو رفعتُ حجرًا في المدينة لوجدتُ تحته ذهبًا أو فضّةً من بركة الله عليّ. وكان عبد الرحمن بن عوف من السابقين الأولين إلى الإسلام، أسلم على يد أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه بعد يومين فقط من إسلامه، وكان ثامن ثمانيةٍ أسلموا في فجر الدعوة.
ولمكانته الرفيعة في الدين والخلق، كان من بين الستّة الذين اختارهم عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ليكون الأمرُ شورى بينهم بعد وفاته، ليختاروا خليفة المسلمين من بعده. وقد توجّهت أنظار كثيرٍ من الصحابة إليه لما رأوا فيه من الحكمة والعقل والفضل، لكنّه أبى أن يتقدّم، تواضعًا وزهدًا في الدنيا، ورشّح بدلًا منه عثمان بن عفّان رضي الله عنه، الذي بويع بعد ذلك بالخلافة.
ولما حضرت عبد الرحمن الوفاة، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: وددتُ لو دُفن إلى جوار النبي ﷺ وصاحبيه. فقال بتواضع العارف بقدره : لقد نالوا من الفضل ما لم أنل، ولا أرى نفسي أهلًا لمجاورتهم فاختار أن يُدفن حيث أوصى، إلى جوار صديقه عثمان بن مظعون رضي الله عنه في بقيع الغرقد، حيث يرقد كبار الصحابة. وكانت أمّه الشفاء بنت عوف، المرأةُ الصالحة التي شهدت مولد النبي ﷺ وكانت من القابلات اللواتي حضرن أمَّه آمنة بنت وهب ساعةَ الولادة.
كان عبدُ الرحمن بن عوف رضي الله عنه من أولئك الرجال الذين ذاقوا مرارة الأذى في سبيل الإيمان، وثبتوا على الحقّ رغم السلاسل والسياط. كم تلقّى من ضربٍ وإهانةٍ حين جاهر بدينه في مكة! وكم صبر على البطش والتعذيب وهو يقول بقلبٍ مطمئن: الله ربي! وفي غزوة أُحد أصيب بأكثر من عشرين جراحة، وشُجّ في وجهه، وجُرح في كعبه جرحًا غائرًا ترك أثره في مشيته، فكان يمشي بعدها وقد أصابه عرجٌ خفيف، يذكّره دومًا بطريق الجهاد والتضحية.
ولمّا اشتدّ أذى المشركين على المؤمنين، كان من أوائل من هاجروا إلى الحبشة في الهجرتين الأولى والثانية، فارّين بدينهم لا بأنفسهم، باحثين عن موطئ قدمٍ للعبادة والحرية. وفي أُحدٍ أيضًا، حين دبّ الاضطراب في صفوف المسلمين بسبب خدعة العدوّ، تفرّق كثيرون، أمّا عبد الرحمن فثبت كالطود، يقاتل في وجه الخطر، لا يلتفت إلى جراحه ولا إلى الدم النازف منه، فكان مثالًا في الصبر والثبات.
غير أنّ بطولته لم تكن في ميادين القتال وحدها، بل في ميادين العطاء كذلك. فقد كان من أكرم الناس يدًا وأوسعهم صدرًا. لم يعرف المال عنده حدودًا ولا حسابًا حين يتعلّق الأمر بدين الله. كان يعطي كمن يُفرغ البحر في الصحراء، لا يخشى الفقر ولا يُمسك شيئًا لغدٍ، لأنّ قلبه متّصلٌ بالغنيّ الحميد. كم من مرّة جاء بماله كلّه إلى رسول الله ﷺ، لا يُبقي لنفسه شيئًا، وقال:يا رسول الله، أنفقه حيث تشاء. فلم يكن عطاؤه رياءً ولا رغبةً في السمعة، بل إيمانًا صادقًا بأنّ ما عند الله خيرٌ وأبقى.
وحين نقارن حالنا اليوم بحاله، ندرك كم ابتعدت مفاهيم التجارة عن روحها الطاهرة. صرنا نعيش زمنًا تُستغلّ فيه حاجات الناس وضعفهم لزيادة الربح، تُخترع فيه أساليب لنهب المستهلك خفيةً: يُنقص من الكيل والوزن، وتُخفى الحقائق خلف الإعلانات الباهرة، حتى صار الغشّ ذكاءً، والجشعُ مهارةً تجارية! تُحتكر الأسواق في يد قلةٍ من الناس، ويُقصى عنها صغار التجّار الذين كانوا يومًا عصب الاقتصاد، ويفكّر الكبار: كيف نجعل كلّ الربح لنا فقط؟
وفي مثل هذا الزمن، يطلّ علينا نموذج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كنبراسٍ مضيءٍ يذكّرنا أنّ التجارة في الإسلام عبادة، وأنّ المال أمانة، وأنّ النجاح الحقيقي ليس في تضخّم الثروة، بل في نقاء القلب وبركة الكسب. كان تاجرًا، نعم، لكنّه تاجرٌ مع الله قبل أن يبيع ويشتري مع الناس.
كان ذلك في زمنٍ اشتدّت فيه المجاعةُ في جزيرة العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وضاقت الأرضُ على أهلها بما رحبت. جفّت العيون، ونضبت المزارع، وخوت البيوت من القوت. وفي خضمّ تلك الشدّة، إذ بالمدينة تهتزّ على وقع قافلةٍ عظيمةٍ قادمةٍ من الشام — سبعمائة بعيرٍ محمّلةٍ بالطعام والمؤن والزاد — مِلكٌ خالصٌ لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.
كان يستطيع أن يبيعها بوزنها ذهبًا، فالناس جياعٌ والأسواق في ضيقٍ وشحّ. لكنّه، وقد سمع بأنّ المدينة تموج بأهل الحاجة، قال كلمته الخالدة: إنّي قد جعلتُها كلّها في سبيل الله. هي صدقةٌ على فقراء المدينة».لم يبع شيئًا منها، بل وزّعها كلّها على الجائعين والمحتاجين، كأنّما أراد أن يُشبع المدينة كلّها بكرمٍ لا يعرف الحساب.
ولم يكن ذلك الموقف استثناءً في حياته؛ فقد كان في ميادين البذل كالمطر، أينما نزل أنبت خيرًا.ففي غزوة تبوك - حين ضاقت الحال بالمسلمين، واشتدّت عليهم مؤونة الطريق - أنفق وحده نفقات ألفٍ وخمسمائة مقاتل من ماله الخاص. وفي أيام أخرى، وزّع على كلّ من شهد بدرًا من الصحابة أربعمائة دينارٍ من الذهب، إكرامًا لهم وتقديرًا لجهادهم. وبعد وفاة النبي ﷺ، كان يبعث بعطايا سخيةٍ إلى أمهات المؤمنين جميعًا، حتى قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: بارك الله في عبد الرحمن بن عوف، فقد أغنانا الله بماله».
ثمّ نعود إلى ذلك المشهد المهيب، يوم جلس عبد الرحمن رضي الله عنه ليفطر بعد صيامٍ طويل. الطعام بين يديه، والرائحة تعبق في المكان، لكنّه لا يمدّ يده. تسيل عيناه بالدموع، ويتمتم بصوتٍ متهدّج: قُتِلَ مصعب بن عمير، وكان خيرًا منّي، فلم نجد له إلا قطعة ثوبٍ، إن غطّينا بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطّينا بها رجلاه بدى رأسه... وقُتِلَ حمزة، وكان خيرًا منّي... ثم بُسِطت لنا الدنيا حتى غدت بين أيدينا، فإني أخشى أن تكون طيّباتنا قد عُجّلت لنا في حياتنا الدنيا. ثم انفجر باكيًا، ولم يقدر أن يذوق من طعامه لقمةً واحدة، وقام من مائدته وهو يقول: اللهمّ اجعل رزقي في قلبي، لا في يدي.
هكذا ربّى الإسلامُ النفوس: لا يُفسدها الغنى، ولا يُقعدها الفقر. لقد امتلك عبد الرحمن مالًا كثيرًا، لكنه لم يسمح يومًا أن يملكه المال. عاش سيّدًا على ثروته، لا عبدًا لها، يعرف أنّ المال وسيلةٌ للخير، لا غايةٌ تُعبد.
فيا ليت أ
هل الثراء في كلّ زمانٍ ومكانٍ يعقلون هذا المعنى! فمن لم يستطع أن يملك ماله، سَيملكُه ماله ، ومن جعل الذهبَ إلهه، فلا يلومَنّ إلا نفسه حين يَخسر قلبُه وإن ربحَ الدنيا كلّها.
في عالَمٍ معاصرٍ يرى في المال كلَّ شيء، ويجعل منه ميزانَ الكرامة، وغايةَ السعي، ومعبودًا خفيًّا تُنحر على أعتابه القيمُ والمبادئُ، يصبح من الضروري أن نتوقّف عند التحوّل العميق الذي أحدثه الإسلام في نظرة الإنسان إلى الثروة. فالإسلام لم يُلغِ المال، ولم يُحقّر الكسب، لكنّه حرّر الإنسان من عبوديّته له، وجعل المال خادمًا لا سيّدًا، وسيلةً لا غاية. علّم الغنيَّ أن يعيش مالكًا لماله لا مملوكًا له، وأن يربط غناه بالمسؤولية لا بالترف، وبالعطاء لا بالاستعلاء.
واليوم، نرى واقعًا مقلوبًا: عالمًا يصنع طبقةً من الأثرياء تفرض على الناس - بصمتٍ وثقةٍ باردة- نمطًا للحياة، كأنّها تقول: هكذا يجب أن تعيشوا، هكذا ينبغي أن تلبسوا، هكذا تُقيمون بيوتكم وتسافرون وتنفقون. تلك القدوة المسمومة التي يصنعها الإعلام والرفاهية الزائفة، تتحوّل إلى عبءٍ نفسيٍّ واجتماعيٍّ على الطبقات الضعيفة التي تُطاردُ سرابَ الترف، وتُنهك في سبيل تقليد القلّة المترفة التي تملك زمام الصورة والمكانة.
وفي مثل هذا المشهد البائس، يطلّ علينا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كدرسٍ من نور، يُعلّمنا كيف يبقى الإنسان إنسانًا مهما ثَقُل المال على كتفيه. لم يكن غنيًّا فحسب، بل كان غنيًّا متواضعًا، كريمًا لا تستهويه المظاهر، ولا تُغريه السلطةُ التي يمنحها المال. لم يشترِ النفوذَ بماله، ولم يطلب لنفسه امتيازًا في دنيا فانية، بل استخدم ما عنده لرفع من حوله، لا لإذلالهم.
لقد تحدّثنا من قبل عن ذلك السؤال العميق: كيف يمكن أن يُقال للأغنياء صوموا، وهم لم يذوقوا الجوع يومًا؟ وجاء الجواب في صورةٍ أبلغ من الكلام: رجلٌ من العشرة المبشّرين بالجنة، يجلس أمام مائدةٍ عامرةٍ في لحظةِ فطر، فيتذكّر جراح مصعب بن عمير، ودموع حمزة، ومآثر الأوّلين الذين بذلوا أرواحهم، ثم ينكسر قلبه حتى لا يستطيع أن يضع لقمةً في فيه.
هذا هو عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه - مثال الإنسان الذي لم تُغْره الدنيا رغم أنّها أُتيحت له كلّها. هو شاهدٌ على أنّ الغنى الحقيقيّ ليس ما يُكدّس في الصناديق، بل ما يفيض من القلب رحمةً وإنصافًا. فلو قرأنا سيرته لا بعين التاريخ بل بعين القلب، لَرَقَّت قلوبُنا، وابتلّت عيونُنا، وعلِمنا أنَّ الإسلام لم يأتِ ليأخذ من الأغنياء أموالَهم، بل ليأخذ من قلوبهم وثنَ المال.




