الإسلام في رؤيته الكبرى دين الوسطية. كما أنّه وسطية في كلّ شيء، فهو كذلك في رؤيته للاقتصاد. ولم يَخْلُ اللسان العربي من الإشارة إلى هذا المعنى، فسمّى الثروة اقْتِصادًا، أي الميل إلى القصد، والاعتدال، والنهج الأوسط. فهو منزلة بين الإسراف الذي يعني التبديد والمغالاة، وبين التقتير الذي يعني البخل والشدّة. فكأن اسم الاقتصاد تعريفٌ لمعناه، ومرآةٌ لجوهره.
وحين يتحدث القرآن عن الإنفاق، يأتي بتعبيرٍ حيٍّ بالغ الروعة: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك﴾، أي لا تقيّد يدك فلا تنفق، ثم يتبع ذلك مباشرة: ﴿ولا تبسطها كلّ البسط﴾، أي لا تطلق لها العنان فتسرف.أرأيتم هذا التوازن الرباني البديع؟
فربط اليد إلى العنق هو كناية عمّن يغلق أبواب الخير كلها، فلا نفقة، ولا صدقة، ولا برّ. نراه في الناس كثيرًا من يملك ما يكفيه، لكنّه لا ينفق شيئًا خوفًا من النقصان. يأكل من عُسْر نفسه، ويضيّق على أهله، ويمضي حياته يجمع ليومٍ لا يأتي؛ حتى إذا مات دُفن مع حرمانه، ولم تذق روحُه نعمة ما ادّخر.
لكن القرآن لا يأخذنا من ذمّ البخل إلى قعر الإسراف، فلا يُسقطنا من طرف إلى طرف. فالتبذير داء آخر، يخرّب النفس والمجتمع. من يُبالغ في الملابس أو البيوت أو الاحتفالات، يزرع بين الناس روح المنافسة المقيتة؛ فيهوي الجيران إلى سباقٍ محموم، ويغرق من لا يملك في ديونٍ وهموم. وكأنّ البيوت اليوم، بدل أن تكون سكنًا، أصبحتْ ساحات تنافس، يبني فيها بعض الناس ما يفوق الحاجة، وكأنّهم يشيدون جامعاتٍ صغيرة لا منازل للعيش.
لذلك يقرن القرآن بين التحذير من البخل والتحذير من الإسراف، ليؤسّس مبدأ الاعتدال في النفقة الخاصة والصدقة العامّة، فلا يمنع الإنسان عن نفسه وأهله ما يحتاجون إليه، ولا يتبرّع بما يجعله عبرةً للناس في ضياعٍ بعد عطاء.
يدعو القرآن إلى الانتفاع بنعم الله في الأرض دون تجاوز، فيقول:﴿كلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾، فالإذن بالأكل والشرب لا ينفصل عن النهي عن الغلوّ. ويجمع القرآن بين المال والبنين، فيذكر أنهما زينة الحياة الدنيا، ثم يلفت إلى أنّهما فتنة واختبار. فالواجب تجاههما موقف متوازن؛ لا إفراط في حبّهما حتى الطغيان، ولا تفريط يؤدي إلى القسوة أو الإهمال.
فكما لا يليق أن ينام الإنسان في غرفةٍ تعمل فيها أسطوانة الغاز، لا يليق أيضًا أن يعيش ملتصقًا بالأموال والبنين دون وعيٍ بخطر الفتنة. فكم من قطيعة سببها ميراث! وكم من والدٍ ربّى ابنَه بدموعه، فإذا كبر نسي المعروف! هذه حقائق نشهدها، لكنّها لا تعني نبذ المال أو الأولاد، بل تعني إدارة العلاقة معهم بقلبٍ غير متعلّق، وعقلٍ لا يفرط ولا يضلّ.
وهنا يأتي مقام الزهد في الإسلام: ليس ترك الدنيا، بل ألا تملك القلب، وأن تبقى الأموال أموالًا في اليد، لا قيودًا في الروح. يقف الإسلام بين الرأسمالية والاشتراكية على صراطٍ مستقيم . فأنظمة الاقتصاد الكبرى في العالم تتأرجح بين طرفين: طرف الرأسمالية التي تُطلق للملكية الفردية والربح العنان حتى لا يبقى للإنسان إلا قيمة الربح وطرف الاشتراكية التي تُفرِط في سلطة الدولة حتى تكاد تلغي دور الفرد، وتخنق المبادرة.
أما الإسلام فطريق ثالث، يعطي الفرد حق العمل والتملّك، ويعطي الدولة حقّ التدخل العادل عند الاحتكار والغبن والظلم، ويجعل المال أداةً للنماء لا سلاحًا للاستغلال، ويجعل الدولة راعية للحقوق لا متسلّطة على الأفراد. إنّه نظام يوازن بين الحرّية والمسؤوليّة، وبين حقّ الفرد وواجب المجتمع، مع رؤيةٍ روحانية تجعل المال وسيلة للآخرة قبل أن يكون وسيلة للدنيا.إنّ أعجب ما في التصوّرالاقتصادي الإسلامي أنّه لا ينظر إلى المال كشيءٍ مادّي فقط، بل كأمانةٍ ومسؤولية، يكتسبه الإنسان بالحلال، وينفقه في الحلال، ولا يجعل قلبه سجنًا له. ولهذا تبنّت دولٌ كبرى كثيرًا من مبادئ الاقتصاد الإسلامي رغم بعدها عن الإسلام كلّه، لأنّها وجدت فيه عدالةً لا تُضاهى. فالاقتصاد الإسلامي يعطي للباحث مجالا واسعا للدراسة واكتشاف بديل أحسن في المعاملات الاقتصادية الخالية من التفريط والتقتير.




