إنّ اختلاف الناس في معايشهم وقدراتهم وسعيهم، أمرٌ ملحوظ في كلّ جوانب الحياة، ويظهر بجلاء في ميدان الرزق والكسب. فمن سنن الله في الخلق أن لا يستوي الناس في الجمال ولا الذكاء ولا القوة، وكذلك لا يستوون في القدرة على تحصيل المال. ومن العبث أن يُتخيَّل مجتمعٌ تتساوى فيه الدخولُ تساويًا حسابيًّا جامدًا، أو تُفرض عليه مساواةٌ قسريةٌ لا روح فيها ولا واقعية.
ولكن، ومع اختلاف القدرات والأرزاق، يبقى باب الإصلاح مفتوحًا. فليس مطلوبًا أن يصبح كلّ فقيرٍ غنيًا، ولا أن يتساوى الجميع على خطّ واحد، ولكن المطلوب ألا يُترك المال حكرًا على فئة قليلة، ولا يتحوّل الفقر إلى قدرٍ ملازمٍ لجماعةٍ من الناس لا تجد سبيلاً للخروج منه.
ومن هنا جاءت فريضةُ الزكاة؛ ليست صدقة عابرة ولا إحسانًا موسميًا ولا حركة عاطفية، بل نظامٌ ربّاني صارم، هدفه أن يمنع احتكار المال، ويعيد توزيع البركة، ويقيم التوازن الاجتماعي. الزكاة ليست رجاءً لطيفًا يهمس في أذن الغني: هبْ للفقير شيئًا من وقت لآخر. كلّا، بل هي تكليفٌ إلهيٌّ مباشر، قرنَ اللهُ ذكرَه في القرآن بالصلاة في ستةٍ وعشرين موضعًا، لتدلّ اقترانها على عِظَم شأنها، وأنها ليست خيارًا بل عبادةٌ ومحاسبة.
والزكاة ليست مرتبطة بشهرٍ معين كرمضان؛ فمن بلغ نصابه وحال عليه الحول، وجب عليه أن يُخرِج، ولو بعد أن أخرج بالأمس! فليست الزكاة مبنيةً على المواسم، بل على تحوّل المال ذاته وتجدّده. ولذا قد تجب على صاحب الدخل الكثير إذا ادّخر ووفّر، ولا تجب على صاحب الراتب الوفير إذا كانت مصروفاته الضرورية تُستنزفه استنزافًا.
ما أعظم الموقف حين اهتزّ الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ ، ظهر قومٌ قالوا: نصلي ولا نزكّي. فخرج لهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، الهادئ الحليم، فإذا به يصبح كالأسد المزمجر! قال كلمته الخالدة: والله! لو منعوني عقالاً كانوا يؤدّونه لرسول الله لقاتلتهم عليه. ولم يقل: يكفيهم أنّهم يصلّون. بل رأى في منع الزكاة اعتداءً على حقّ الفقير، وتمرّدًا على نظام الله، وإفسادًا لميزان المجتمع.
فالذي يملك المال ويمنع زكاته يأكل ما لا يَحِلُّ له، ويطعم أهله مما لا يليق، لأن الرسول ﷺ قال عن الزكاة : إنَّها لا تنبغي لنا، إنّما هي من أوساخ الناس. تخيّل رجلاً يشتري سلعة بخمسمائة، فيُرَدُّ إليه الباقي خطأً فأخذه ساكتًا. ثم يشتري به ما يشتهي لأولاده، ألا يشمّ في تلك اللقمة رائحة العرق والتعب والحقوق المضيّعة؟! وكذا صاحب العمل الذي يعطّل رواتب العمال، أو يماطلهم شهرًا بعد شهر، أليس يأكل أموالهم ظلمًا؟ وكلّ ذلك داخل في دائرة المال الذي لا يبارك الله فيه.
قسم الله مصارف الزكاة إلى ثمانية، لا يجوز العدول عنها. ليست كتضرائب الدولة تُجمع في كيسٍ واحد؛ بل توزَّع توزيعًا دقيقًا يحقّق هدفين؛ الأول، منع المال من أن يبقى في قبضة فئة قليلة. والثاني، إغاثة المحتاجين وتحريك الدورة المالية في المجتمع. وبهذا يتحقق الأمن الاقتصادي الحقيقي.
حقًّا! إن الزكاة هي الكفيلة بصناعة الأمان الاقتصادي في المجتمع. وإذا ما قورنت بأنظمة الضرائب الحديثة التي تفرضها الدول، بدت الزكاة ، من حيث النسبة ومن حيث سهولة شروطها ، أخفَّ بكثير، وأقربَ إلى العدل والواقعية. فالضرائب لا ترى إلا مقدار الدخل، ولا تعبأ بما يستهلكه الإنسان من نفقات، ولا بما يفيض أو لا يفيض من ماله بعد دفع حاجاته الضرورية.
افترض أنك موظف يتقاضى راتبًا مرتفعًا. نعم، دخلك جيّد، ولكن والدَيك مريضان يستنزف علاجهما مصاريف ضخمة كلّ شهر. وتسكن بيتًا بالإيجار يلتهم جزءًا كبيرًا من دخلك. وفوق ذلك أنتَ مثقّل بقرضٍ قديم تسدّده شهريًا بمبالغ كبيرة. وأولادك متوزّعون في مراحل دراسية مختلفة، يحتاج كل واحد منهم إلى رسوم وفواتير ومتطلبات لا تنتهي. وبعد كل هذه الالتزامات، لا يبقى في يدك من المال ما يُذكر، ولا تستطيع ادّخار شيء يُعتدّ به.
ومع ذلك، فالضرائب الحكومية لا تنظر إلى هذه التفاصيل؛ كلّ ما يعنيها هو: كم راتبك الشهري؟ وما هو مجموع دخلك السنوي؟ ثم تُسقطك تحت شريحة 10% أو 20% أو 30% دون نظرٍ لضروراتك ومسؤوليّاتك المالية.
أما في الإسلام، فالأمر مختلف تمامًا. فالزكاة لا تُفرض وفق مُجرّد سلم الرواتب، ولا على ظاهر الدخل المجرد من سياقه، وإنما تُناط بالناتج الصافي بعد كفاية المرءِ ومن يعول، وبعد أن تستقر له ثروة تبلغ النصاب وتدور عليها السنة. ولذا فقد يُعفى من الزكاة موظفٌ كبير الدخل لتراكم مصاريفه واحتياجاته، بينما تجب على عاملٍ بسيط وفّر شيئًا من المال بلغ النصاب.
فالإسلام لم يأت ليهدم الجبال ويسوّيها مع الوديان، وإنّما جاء ليمنع الظلم، ويرفع المعاناة، ويصنع التوازن. التفاوت بين الناس جَمالٌ من جَمال الحياة، ولكن الظلم في توزيع الثروة قبحٌ يجب إزالته.
لقد عرف التاريخ ، في أمم شتى ، نزعاتٍ قاسية كانت تنظر إلى الأغنياء نظرة ريبة وعداء، وتتعامل مع أموالهم تعامُلَ من يستبيح ويصادر، حتى غدا الغنيُّ في نظر بعض المجتمعات مجرّد خصم يجب محاصرته أو انتزاع ما في يده بالقوة.
أما الإسلام فليس فيه من هذا المنطق شيء. فالغنى ليس جريمة، ولا صاحب المال متَّهَمًا لمجرّد أن خزائنه عامرة. يستطيع الإنسان أن يكسب ما شاء من المال، وأن يدّخر ما شاء منه، ما دام طريقه إليه طريقًا نظيفًا مستقيمًا.
غير أن الحرية في الكسب لا تعني التفلت من المسؤولية؛ فالمال في ميزان الإسلام أمانة، وله على صاحبه حقوق واجبة وحقوقُ تطوّع. أمّا الواجب منها فواحدٌ لا يسقط بحال: الزكاة؛ ذلك الحق الذي جعله الله دينًا في عنق الغني، ووسيلة رحمة للفقراء، وجسرًا يعصم المجتمع من الظلم والتفاوت المدمّر.
في الإسلام يجوز للإنسان أن يجمع المال ويستثمره ويزيده ما شاء، بشرط أن يؤدي حقّه الواجب، ثم يجود بما استطاع من النوافل. وليس الإسلام بنظام اشتراكي يصادر الأموال، ولا رأسمالي يتركها تتوحش؛ بل هو ميزانٌ قائم بين الحق والواجب، بين الحرية والمسؤولية.إنّ في هذا الباب من التشريعات الاقتصادية الإسلامية كنوزًا كثيرة، لا تزال تنتظر من يفتح صفحاتها، ويتأمّل عمقها، ويكشف للعالم جمالها وعدلها.




