ليس وجوب الزكاة متعلقًا بكثرة الدخل ولا قلّته، بل هو مرتبطٌ بنوع المال الذي حدّد الشرعُ أحكامه: تجارةً كانت أو زروعًا أو ذهبًا أو معادن أو غير ذلك من الأموال التي بيّن الإسلامُ كيف تُقوَّم وتُزكّى. ولهذا قد يكون لدى شخصٍ ربحٌ قليل لكنّه مطالَب بالزكاة، بينما يملك آخر مالًا أوفر منه لكنّه غير مخاطَب بزكاة ذلك المال.
سنوضح بالأمثلة: رجلٌ يعمل في التجارة، وقد بلغ مالُه النصاب وحال عليه الحول؛ فهذا تجب عليه الزكاة.
وجاره لا يعمل في التجارة، بل يملك بيتًا يؤجّره؛ وربحه من الإيجار أكثر من ربح التاجر، لكنّه لا زكاة عليه في أصل البيت لأنه ليس من مال التجارة. فإن قال قائل: إذًا فلنتحوّل جميعًا إلى أصحاب عقارات كي نفلتَ من الزكاة! فالجواب كما أنّ التجارة باب رزق مشروع، فالإيجار كذلك، ولكلٍّ منهما أحكامه، ولا يفتح اختلاف الأرباح باب العبث بتشريع الله.
لكن الصورة تنقلب إذا تحوّل الإيجار إلى تجارة. كمن يستأجر عمارة كاملة ثم يعيد ترتيبها وتسويقها وتحويلها إلى مشروع مربح، ويقبض من ذلك مالًا ثابتًا. هنا تصبح معاملته معاملة التجارة، وعليه زكاة أرباحه إن بلغ النصاب وحال الحول. أمّا المالك الأصلي للعمارة، فإن كان يدّخر جزءًا من دخله حتى يحول عليه الحول، فذلك المال المدخّر تجب فيه الزكاة، سواء أكان صاحبه تاجرًا أو موظفًا أو مالك عقار. ولا يقال: هذا المالك يربح أكثر من المستأجر، فلماذا يسقط عنه الوجوب ويثبت على غيره؟ فالشرع لا يُقاس بالأهواء، بل بالنصوص، وكلّ مالٍ يُزكّى بحسب طبيعته كما ضبطه الإسلام.
قد يستدين المرء مبلغًا كبيرًا لأيّ سبب؛ لبناء بيتٍ أو تزويج ولدٍ أو سداد دينٍ آخر. وقد يبقى المالُ في يده عامًا كاملًا دون أن يُصرف فيما استدانه من أجله. فإذا حال عليه الحول وكان ما يملك فوق النصاب، وجبت فيه الزكاة مهما كانت الظروف.
فالزكاة حقٌّ للفقراء، لا يسقط بالضيق ولا بالعذر ما دام المال قائمًا. الإسلام لا يريد المال جامدًا، يرغب الإسلام بأن يكون المال عاملاً منتجًا لا جامدًا خاملًا. وقد قال النبي ﷺ: اتَّجِروا في مالِ اليتيم، لا تأكلُهُ الزكاةُ. وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تستثمر أموال اليتامى حتى تنمو ولا تتآكل بالزكاة سنة بعد سنة.
فالمال الذي لا يتحرّك يذوب، والمال الذي يُدار وينمَّى يثمر خيرًا لصاحبه وللمجتمع.
والزكاة تتعلق بالمال نفسه، لا بعمرصاحبه ولا قدرته؛ فهي واجبة في مال الصغير والمجنون إن بلغ النصاب، ويتولى أولياؤهم إخراجها. إنها فريضة لا تُؤخّر، ولا تُعفى منها الذمم بحجة الظروف أو المشاعر أو المقاصد.
وفي باب صرف الزكاة، ينبغي الانتباه إلى أمرٍ مهم؛ فإذا لم يكن في المجتمع نظامٌ رسميّ يجمع الزكاة ويوزّعها، فلا يجوز لمجموعة أفراد أن يتصرّفوا بها وفق أهوائهم: يجمعون ممّن شاؤوا، ويصرفون كيف شاؤوا، ويوجّهون المال لأيّ مشروع أحبّوه. هذا ليس من هدي الإسلام. بل الواجب أن يخرج كلّ مسلم زكاته بنفسه لمن يستحقّها شرعًا، أو يوكّل من يثق بدينه وأمانته ليخرجها في مصارفها الثمانية كما حدّدها القرآن.
وحين نُعطي الفقير زكاته، فإنّنا نمنحه ماله الخاص ، لا صدقةً من عندنا. ولا يجوز لنا أن نستبدل المال بسلعٍ أو مشاريع دون إذنه، فلا نقول: بدلًا من المال نشتري له ريكشا. أو نفتتح له مطعمًا صغيرًا. أو نشتري مجوهر ذهبٍ لعروسه. هذا كلّه حسنٌ من حيث النية، لكنه ليس من الزكاة. لك أن تعطيه ماله كاملًا، ثم تنصحه، وتوجّهه، وتذكّره بالله، وتنبّهه إلى حسن الإدارة؛ لا تُبذّر مالك، نريد أن نراك غدًا معطيًا لا آخذًا.
لكن الزكاة تبقى زكاة، لا تتحوّل إلى قرارات من عندنا.التشريع الإلهي مفتاحٌ واحد، لا يُفتح بغيره. القضية ليست ذكاءً إداريًا ولا حلولًا عملية، بل التزامٌ بنظام الله في المال. كما أن المفتاح يشبه غيرَه لكنّه لا يفتح الباب إلا إذا كان هو المفتاح الصحيح. وكما أنّ إدخال صفر بدل حرف في كلمة السرّ يجعل الحساب مغلقًا مهما حاولتَ. كذلك شرع الله لا يُفتح بغير ما أنزل الله .




