من يتأمّل ما يجري حوله اليوم يُدرك أنّ كثيرًا من المعاملات الماليّة التي تُمارس في مجتمعاتنا ليست إلا بالونات عجيبة؛ تُنفخ وتُلمّع وتُرفَع في الهواء، فيظنها الناس ثروةً حقيقية، وهي في الحقيقة هواءٌ ساخن. تجّارٌ يدورون بين البيوت والشوارع، لا يملكون أصلًا ولا رأس مال، ويعرضون للناس مشاريع متوهّمة، ما هي إلا فقاعات ما أن تُلامس الواقع حتى تنفجر وتبتلع أموال المساكين.
كم من رجلٍ جمع ما بقي معه من مدّخرات العمر، وألقاه في هذه المشاريع المزعومة، فإذا به يخرج منها فقيرًا كأن لم يملك شيئًا قط. ثم يبكي في صمت، ولا يجد من يواسيه إلا الله.
بعض الناس يلوم الضحايا ويقول: أنتم أطماع… أنتم متعجّلون!، ولا يعلمون أنّ الطعن في قلوبٍ مكسورة كرشّ الملح على الجراح. ليس كل من وقع في الشَّرك طمّاعًا، بل كثيرون ظنّوا أنّ ما عُرض عليهم مشروع موثوق، وأنّ من قدّمه رجلٌ صالح تقيّ، فاغترّوا بمعسول الكلام والمظاهر الدينية التي استُغلَّت لتزيين الخديعة.
وقد أتينا أحد المروّجين بمشروعه ثلاثة أيام متتابعة، يرفض شرب الشاي بحجّة الصوم: يوم الاثنين، ثم الخميس، ثم أيام البيض… حتى بان بعدُ أنّ صومه لم يكن عبادةً خالصة، بل غطاءً للاحتيال، ووسيلةً لإدخال الطمأنينة في القلوب! ما أخبث أن يُستغلّ الدين في الغشّ، وما أوقح من يتّخذ الطاعة سلّمًا للوصول إلى جيوب الناس.
ومع ذلك ، بعضهم يسقط بسبـب أطماعٍ لا حدّ لها. فهؤلاء لا يعجبهم الربح المعتدل، ولا يتحمّلون الانتظار.
يريدون ثراءً كالسيل الجارف، يريدون قصورًا تُبنى بين ليلة وضحاها، ويريدون أن يُدهشوا الناس بما يملكون. فيمدّ أحدهم يده في مشروع ضخم ظنّه ذهبًا، فإذا هو ترابٌ يتناثر، وخسارةٌ لا يجرؤ حتى على الاعتراف بها أمام الناس.
تأمّل حولك: كم من أسَرٍ تهتزّ أركانُها بسبب ضياع المدّخرات! كم من صدورٍ انقبضت حزنًا! كم من رجالٍ أظلمت وجوههم خجلًا! كم من نساءٍ بكَين ليالٍ طويلة لأنّ الزوج صدّق وعدًا كاذبًا! بل كم من أطفال حُرموا نفقتهم بسبب جشع رجلٍ ظنَّ أنه يسبق الزمن!
والمصيبة أنّ كثيرًا من هؤلاء لا يعرفون شيئًا عن السوق ولا عن التجارة، ولا عن طبيعة الأرباح ولا الزمن اللازم لتحريك رأس المال. وظنّوا أن هناك مشاريع تُعطي الأرباح من لحظة دفع المال! يا ترى… أيُّ عاقلٍ يصدّق أن من يضع ماله صباحًا يستردّه مساءً ومعه أرباحٌ ثابتة؟ أما سمعتم كلمة النبي ﷺ في سوق المدينة، حين أدخل يده في كومة الطعام وقال: مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا؟ إنها كلمة تهزّ جبالًا، فكيف لا تهزّ قلوب التجّار؟
الغش اليوم أنواع: منه غشٌ ظاهر فاضح، ومنُه غشٌّ مُقنَّع بقانونٍ ورسميّات، ومنه غشٌّ تغلّفه الإعلانات البراقة. ترى مسحوقًا أبيض في التلفاز يشعّ كالثلج، فإذا اشتريته لم يبيضّ حتى قطعة قماش واحدة! ترى دواءً يعدك بعمرٍ أطول، فإذا به لا يزيد دقيقة! ترى نباتكرمة المال ( Money plant ) يعدك كومة المال في بيتك فلا تزيدك إلا ديونًا! وترى زيتًا يَعِدُك بشعرٍ غزير، فإذا بك أصلع كما أنت!
ومصيبة أخرى: أن الهاتف يرنّ عليك من شركات لا تعرفها ولا تعرفك. من أين لهم رقمك؟ من أين حصلوا على عنوانك؟ لقد أعطيتَ بياناتك بثقة لإحدى المنصّات أو التطبيقات، فباعتها تلك الجهة لتجارٍ آخرين ثمنًا أو تبادلًا لمصالح مشتركة. وهكذا تصبح معلوماتك سلعةً في سوق مظلم لا يعرف الرحمة.تدبّر قول الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ما أعظم هذا المبدأ! وما أوسع دلالته! فهو ليس مجرد رضا لفظي، بل رضا مبنيّ على علمٍ ووضوحٍ وشفافية. لا يكفي أن توقّع… يجب أن تعلم ماذا توقع! ولا يكفي أن ترضى… يجب أن يكون رضاك حقيقيًا لا مبنيًا على خداع. واعلموا أن كلّ مالٍ يُؤخذ بالغش فهو حرام، وكل جسدٍ نبت من الحرام فالنار أولى به.




